
كتب:هاني الكنيسي
الهجوم العنيف الذي شنّه الرئيس الأمريكي على كتاب “تغيير النظام: داخل الرئاسة الإمبراطورية لدونالد ترمب” Regime Change: Inside the Imperial Presidency of Donald Trump، الذي حقق لقب “الأكثر مبيعًا” بعد أسبوع واحد من طُرحه في الأسواق، وعلى مولّفيْه مراسليْ ‘نيويورك تايمز’ في البيت الأبيض -إلى حد أن نعت ‘ماجي هبرمان’ Maggie Haberman الحائزة على جائزة ‘بوليتزر’ المرموقة بأنها “كاتبة من الدرجة الثالثة”- لم يكن دفاعاً غاضباً عن الذات أو استمرارًا لعلاقته السيئة دائما مع الإعلام الأمريكي، بقدر ما بدا كمحاولة يائسة من ترمب لتجريد سردية الكتاب من المصداقية والتشكيك في دوافعه.
فالكتاب الذي وصفه البرتقالي بأنه “مختلق، ويعتمد على أخبار زائفة، وأقرب إلى الخيال”، شارك في تأليفه، مع المخضرمة ‘هبرمان’، زميلها الأسترالي الأصل ‘جوناثان سوان’ (أحد ألمع الصحافيين الاستقصائيين، ونال شهرةً خاصة بعد مقابلته الجريئة مع ترمب عام 2020 بشأن مسؤولية إدارته عن جائحة كوفيد)، ويوثق بأكثر من ألف مقابلة كواليس الأشهر الأولى من الولاية الرئاسية الثانية لترمب، مستعرضًا بدقة مظاهر تعاظم نفوذه ومسلّطا الضوء على علاقات عائلته المالية.
الكتاب الجريء الذي يقع في 496 صفحة، لا يكتفي بسرد الوقائع، بل تتمثّل أهميته في أنه يقدّم “تفسيراً سياسياً” لخلفيات قراسات وسياسيات ترمب، وفي مقدمتها قرار الحرب على إيران، باعتباره يتجاوز الحسابات العسكرية والأمنية ويتجاهل تقييمات الأجهزة الاستخباراتية، انحيازًا إلى “حسابات مشروع إمبراطوري أوسع لترمب شخصيًا”، يقوم على “استعراض القوة” وإعادة تشكيل السلطة الأمريكية نفسها، عبر تحويل الرئاسة إلى مركز ثقل شخصي على حساب الدولة الاتحادية. وهذه بالتحديد هي النقطة الأشد إزعاجًا للرئيس البرتقالي، لأنها تمس “صورته في أذهان الرأي العام”، والتي يحاول تثبيتها بوصفه قائداً حازماً لا تحكمه إلا مصلحة أميركا -توازيًا مع شعارات “أميركا أولًا” و”لنجعل أميركا عظيمة مجددًا” MAGA، التي جاءت به وباليمين الجمهوري إلى البيت الأبيض. وبينما يركز الفصل المعنون A New War in the Desert (أي “حرب جديدة في الصحراء”) على كواليس القرارات العسكرية وخلفيات “الحروب الجديدة” في الشرق الأوسط، يرسم الفصل الذي يحمل عنوان The Sovereign Bubble (أي “الفقاعة السيادية”) بذكاء وإبداع ملامح الطريقة التي عزل بها ترمب نفسه داخل “فقاعة” معلوماتية ويغوص في شرح كيف دفعه ذلك لاتخاذ أكثر القرارات حساسيةً، بناءً على “غريزته” المحضة.
وفضلًا عن الأسلوب السردي الأشبه بالمذكرات، يستخدم مؤلفا الكتاب طريقة التحقيقات الاستقصائية التي تجلّت في تسريب ما دار من نقاشات في غرف البيت الأبيض المغلقة، خصوصًا ما يتعلق بملفات ‘جيفري إبستين’ التي ينقل الكتاب اختلاف نائب الرئيس ‘جيه دي فانس’ مع أركان إدارة ترمب (مثل ‘تود بلانش’، و’سوزي وايلز’، و’ستيفن تشيونغ’) حول كيفية التعامل مع نشرها كاملةً.
وبنفس المنهجية، يكشف أحد فصول الكتاب بعنوان The Hunter and the Hunted (الصياد والفريسة)، تفاصيل دقيقة عن “سيكولوجية الرئيس” وطريقة إدارته اليومية، فينقل حرفيًا عن ترمب قوله واصفًا الفارق بين ولايتيه: “في الولاية الأولى كنتُ أنا المُطارَد (الفريسة)، أما الآن فأنا الصياد”، ومنه ينتقل للإسهاب في تناول كيف رفع ترمب شعار “الانتقام السياسي وتصفية الحسابات” من خصومه، خصوصًا بعد القضايا التي رُفعت ضده والمحاكمات التي أجبرته على المثول أمامها كمتهم. وتحت عنوان: The Vanished Guardrails (أي الضوابط المتلاشية)، يوثق الكتاب بالتفصيل تخلّص ترمب “المتعجل” في مستهل رئاسته الثانية من الجنرالات والمستشارين الذين كانوا يقولون له “لا” في ولايته الأولى، لكي يحل محلهم “موالون مخلصون لدرجة الخرس”.
وفي السياق ذاته، يركز المؤلفان في أكثر من موقع بالكتاب على ظاهرة “التلذذ بإذلال الخصوم”، مستشهديْن بقصة التخلص من ‘جيروم بأول’ رئيس الاحتياطي الفيدرالي السابق، بطريقة تعمد فيها الرئيس “تعذيبه” معنوياً عبر الإهانة العلنية. ثم يسهبان في تعديد الأمثلة على ابتهاج ترمب برؤية معارضيه أو خصومه السابقين -خصوصًا المليارديرات منهم- وهم يتوددون إليه. فيوثق الكتاب لحظات جلوس ترمب مع رفاقه في الغرف المغلقة للتباهي بـ “خضوع” كبار رجال الأعمال وأقطاب التكنولوجيا في وادي السيليكون. ويذكر بالاسم ‘مارك زوكربرغ’ (الرئيس التنفيذي لشركة ‘ميتا’ مالكة فيسبوك وإنستغرام) و’جيف بيزوس’ (مؤسس أمازون). وينقل عن ترمب قوله باستهزاء أمام مستشاريه “هؤلاء الذين حظروني وقاطعوني سابقًا باتوا اليوم ‘يقبلون مؤخرتي’ Kissing my ass تأمينًا لمصالحهم التجارية”.
ومن بين أكثر الأمثلة غرابة في سياق تفسير سلوك ترمب “المدفوع بغرائز شخصية وأحقاد متراكمة دون اعتبار للنُظم المؤسسية”، يرصد الكتاب “مشاهدة الرئيس وهو يقوم بلصق وتزيين بعض مقتنيات البيت الأبيض بنفسه باستخدام أنبوب من الصمغ (الغراء) القوي Super Glue”، وهو ما يفسّره المؤلفان بأنه نوع من “محاولة فرض السيطرة الشخصية على المكان”.
وبخلاف “الأمراض” الشخصية، يفرد الكتاب مساحة واسعة لكشف خبايا “التربح العائلي” من منصب الرئاسة. فيفضح تفاصيل استغلال الدائرة العائلية لترمب (أبنائه وأصهار شبكة علاقاته) نفوذ البيت الأبيض لتمرير صفقات تجارية ضخمة واستثمارات أجنبية مباشرة. بل ويركز في بعض الأجزاء على “توجيه السياسات الخارجية والاقتصادية” الأمريكية لخدمة مصالح شركات العائلة وحلفائها من رجال الأعمال، من منطلق أن ترمب كان يرفع القيمة السوقية لأي مشروع يحمل اسمه أو يقترب من حاضنته التجارية. ويدلّل المؤلفان على ذلك باندفاع مستثمرين كبار -من دول الخليج والهند وحتى أوروبا الشرقية- إلى توقيع اتفاقات ترخيص أو تطوير بمجرد عودة ترمب إلى البيت الأبيض في يناير 2025. وفي ذلك السياق، يعدّد الكتاب أمثلة مشاركة أبناء ترمب وأصهاره وشبكة علاقاتهم في مشاريع وشراكات خارجية، خصوصاً في الشرق الأوسط (أكثرها في الإمارات والسعودية وقطر).
وفي التفاصيل، تبرز شركة World Liberty Financial التي شارك ترمب ونجلاه ‘إريك’ و’دون جونيور’ في تأسيسها، والتي جمعت مئات الملايين من الدولارات. هذا فضلًا عن “عملات رقمية” تحمل اسم ترمب أو زوجته ميلانيا، وعن “قفزات مالية” في ثروة العائلة منذ العودة إلى سدة الحكم. عرض أقل