
مثقف، فيلسوف، مراهق ، إقتصادي يساري مستقل، أمير الظلام،
رديكالي، لا يسلك الطرق المألوفة، مغامر، شخصية غير نمطية تمضي في كل الاتجاهات وليست شخصية البعد الواحد، داهية، مغرور، تخافه حيتان ومصارف المال الأوروبية،
ناعم، بسيط، عذب، أخطر شخصيات اليونان، خبير الدهاليز الاوروبية المالية، مفكر لا يمكن القبض عليه، لا تعرف خطواته، مجنون عبقري،
هكذا يوصف يانيس فاروفاكيس ـــ ولد عام 1961 ـــ الذي عين وزيراً للمالية في اليونان في أزمة اقتصادية عاصفة وضعت البلاد على حافة الانهيار والافلاس،
وكانت المظاهرات تضج بشوارع أثينا تحت شعار” إحتلوا أثينا” عام 2011،
وكان الناس ينادون بالثورة على طبقة سياسية فاسدة،
من مافيات سياسية وكبار رجال الاعمال.
في تلك العواصف ليس هناك غير يانيس فاروفاكيس لكي يواجه دهاة المال الاوروبيين الذين قال عنهم:
” لم يكونوا يريدون تحصيل ديونهم، بقدر ما كانوا يريدون تلقين اليونانيين درسا بعدم الخروج عن الطاعة الأوروبية، ليصيروا عبرة للشعوب الأخرى”.
أي مهمة إنتحارية تنتظر الرجل الانيق صاحب السترة الجلدية؟ كان يوم عزاء عندما عرف الأوروبيون أن فاروفاكيس عين وزيراً للمالية،
الرجل الذي لا يمكن تتبعه ولا معرفة خطوته القادمة،رومانسي، حالم، يساري موسوعي، من خارج الطبقة السياسية التقليدية ومثقف شجاع لا يتردد،
وكانوا يحلمون ببيروقراطي حذر تحت يد حيتان المصارف الاوروبية.
فاروفاكيس على دراجة نارية وبجاكته جلدية، اليساري المعتز بنفسه والمتمرد، باغت الجميع بقدرته الاسطورية .
في سيرته” عقلاء الغرفة المغلقة” يكتب فاروفاكيس بسرد روائي شيق
ملامح تلك الفترة الحرجة وقد تحولت سيرته الى فيلم بعنوان” بالغون في الغرفة (Adults in the Room) ويصوّر الصراع الساخن والاجتماعات العاصفة خلف الأبواب المغلقة بين الحكومة اليونانية والاتحاد الأوروبي عام 2015.
عمل درامي سياسي أخرجه المخرج الفرنسي-اليوناني الشهير كوستا غافراس عام 2019 مخرج فيلم زد Z أيقونة السينما العالمية.
لعل كتابه” الاقتصاد كما أشرحه لإبنتي” من أشهر كتبه حيث تمكن في هذا الكتاب الشيق والغني الاجابة على تساؤلات إبنته حول الإقتصاد من المرحلة المشاعية الى الاقتصاد الرأسمالي،
بإسلوب يجمع بين الحكاية والمزحة والشعر والادب والغناء والافلام الخيالية،
متخطياً شروحات الاقتصاديين ولغتهم المشفرة المعقدة،
بحيث يدخل القارئ الى هذا الكتاب من لحظة ظهور النظام الاقتصادي
حتى الرأسمالية المتوحشة، كما لو أنك تسمع حكاية مشوقة، لكنها أخطر الحكايات.
في إجابات يانيس على تساؤلات إبنته، نكتشف أن هذا المغامر اليوناني،
وضعنا دون أن ندري في قلب التاريخ، وفي قلب الحاضر،
ونخرج منه أكثر وعياً بالقوانين الاقتصادية، بلا حذلقة ولا تقعر ولا غموض،
ونكتشف أن يانيس كان يتحدث الينا في الواقع من خلال إبنته بطريقة سردية عميقة ومبسطة،
وهو تقليد تخلو منه ثقافتنا وكتابات الادباء لا تذكر حواراً مع البنت،
لكنه من الممكن مع الإبن في مدح أسطوري للابن هو بعد رفع القشرة
الخارجية تمادح التفافي للأب نفسه .
مؤلف كتاب في الاقتصاد “المينوتور العالمي” والمينوتور في الاساطير اليونانية مخلوق نصفه بشر والنصف الاخر ثور، والعنوان ملخص لنظرة يانيس للاقتصاد العالمي عن دور الرأسمالية في نهب الشعوب .
كتاب” الاقتصاد كما أشرحه لابنتي” لا يمكن الاستغناء عنه ومتوفر على الشبكة كتب من خلال رجل تخشاه حيتان المال والمصارف والمؤسسات الاوروبية،
خاصة عندما وصل وزارة المالية بدراجته النارية وسترة معلقة على كتفه،
ليواجه أقوى عاصفة تهدد اليونان التي كانت على وشك الخروج من نظام اليورو الاوروبي حتى قال عنه أهل أثينا:
” ليس غير يانيس من يخرجنا من جحيم الفساد والانهيار”.
في حزيران 2015، وصلت المفاوضات إلى طريق مسدود، وتم إغلاق البنوك اليونانية مؤقتاً لتجنب انهيار النظام المصرفي. دعا رئيس الوزراء أليكسيس تسيبراس إلى استفتاء شعبي حول قبول أو رفض شروط الدائنين.
صوّت الشعب اليوناني بـ “لا” بنسبة تجاوزت 61%، وهو ما اعتبره فاروفاكيس انتصاراً لنهجه.
المفاجأة في اليوم التالي مباشرة (6 حزيران 2015)، قدّم فاروفاكيس استقالته والسبب أن رئيس الوزراء تسيبراس قرر عدم استخدام نتيجة الاستفتاء كورقة ضغط للمواجهة، بل تراجع وقرر الخضوع لشروط الدائنين وتوقيع حزمة إنقاذ ثالثة لتجنب الخروج من اليورو، وهو ما اعتبره فاروفاكيس “استسلاماً”.
قضى فاروفاكيس حوالي 5 أشهر فقط في منصبه. يرى أنصاره أنه بطل حارب النظام المالي العالمي لحماية كرامة شعبه، بينما يرى منتقدوه أن عناده وأسلوبه الأكاديمي في التفاوض كلفا اليونان وقتاً ثميناً وأدخلا البنوك في حالة شلل كادت تعصف بالبلاد.
ـــ الصورة: يانيس فاروفاكيس يغادر وزارة المالية بدراجته النارية. عرض أقل