كتاب وشعراء

على حافّة الولاء …بقلم طاهر عرابي

وصلتُ إلى نقطةٍ لا أعرفُ فيها كيف أحبّكم.
أثقلتْ تفاصيلُ الحياةِ لمحاتِ عيوني،
وتخبّطتِ الصورُ فوق السكون،
وأرهقتني قبل أن تشرقَ البهجة.

تتداخلُ الوجوهُ في عيني
كأشواكٍ… لا تجرح.
انقضى النهارُ بفرحهِ المألوفِ في وداعنا،
ونحنُ نستعجلُ المساء
لنحفظَ أنهارَ الوجوهِ الجافّة.

نقفُ على خشبةِ مسرحٍ مهجور،
لكلٍّ منّا دورهُ ووصلته،
لكن لا جمهور،
ولا مُخْرِجٌ فطنٌ،
سوى يقينٍ باهت:
إن لم يتبعنا أحد… فنحنُ قابعون.

ظلالُ الكهوفِ لا تكتبُ شعرًا،
ولا تُغرّد،
بل تتمدّد كعتمةٍ قديمة
من جوف الأرض،
تحتفظُ بما نسيه الضوء.
حتى الكهفُ يجهلُ
متى نُزع النورُ من فمه،
ومتى اعتادَ الصمت.
خذوا أماكنكم
في الساحةِ الخلفيّةِ للوهم،
واجعلوا الكراسيَ أقدامًا،
وانظروا إلى الأفق.
لا مكانَ للعشبِ البنفسجيِّ على الأرض،
ولو ناديتُم جذوره،
لن يمنحكم لونًا

فالغيومُ لا تحدّدُ نقاء المطر،
والسماءُ وحدها
تمنحُ جهةَ الغفران.

صرنا أسرى علبٍ مقفلة،
لكلٍّ منّا نافذةٌ
تُطلّ على النوم
وحوافِّ الاغتراب.
فناجوا السماء،
فهي الأوسعُ في الرحمة،
أما المرايا
فليست إلا وهمًا
يتبعثرُ في المواعيدِ الضائعة.

كيف نعشقُ الضياع
ونضحكُ عند حوافِّ الرجاء؟
في الكذبِ نُقدّسُ الأشياء،
ثم نهدي للفراغ
ابتسامةً عابرة.

لا تدخلوا هذا الباب،
فلن تخرجوا منه
بثوبٍ يعترفُ بكم.

نُعاتبُ الغافلين:
كيف غفلوا قبلنا؟
وتركونا نحرسُ القيم؟
فلمن نُقدّمها
ونحنُ غيابٌ في زمن الحبّ؟

استهَنّا بالأخلاق،
وسألنا المطر:
كيف خرجتَ من سباتك
تبحثُ عن أوعيةٍ صدئة
وسط أرضٍ لا تعرفُ الماء؟

لم نعد نمسكُ بالأوهام،
ولا نجرؤُ على الحلم.
ضاع الوقتُ الذي انتظرناه
لنمدّ عليه جسرًا،
فانتهى قبل أن نصل.

كلّها مشاهدُ وفصول،
ولو أمسكنا بها
لكُنّا الرجاء.

صرنا قصّةً واقعيّة،
نمشي بلا سطور،
ونقرأُ أنفسَنا
مغمضي العيون.

ابقوا على طرفِ الكرسي،
في أرجوحةٍ مهترئةِ الحبال،
فالسقوطُ أقربُ مما نظن.
ستسقطون كصحونِ الخزف،
حتى يملَّ الخوفُ من الألم،
ويفرَّ من عيونكم
رذاذُ العطف.

تمايلوا على الأرصفة،
واسلكوا المنعطفات،
فقد لاحظتُ أننا
لم نعد نتشاجرُ على نوع الغناء،
بل نصغي للهمسات،
لنسمةٍ تمرُّ
من تحت جناحِ طائرٍ ضاحك.

لكنّنا غارقون في فهمِ الولاء،
حتى لو والينا الظلالَ
وسكنّا العتمة.

فمن أدارَ وجههُ عن جذوره،
تاهَ في الجهاتِ البعيدة،
وسلّمَ للقدرِ ملامحهُ
دون أن يسألَ عن الطريق.

لن يرى إلا مكانًا
تُسمّيه الروحُ قطيعة،
يجلسُ فيه فوق بقايا الأمس،
ويحدّقُ طويلًا في السراب،
كأنّه ينتظرُ وطنًا
لا يعرفُ كيف يعودُ إليه.

لم أعد أفهم…
فمن يفهمني؟ ولماذا؟

في سوقٍ لا يُباع فيه
إلا الحيرةُ
في دكاكين العبث،
فلنتقدّم خطوةً
نحو ما تبقّى من يقين.

لعلّ عناقَ البداياتِ الروحية،
حين كان الواحدُ منّا
يبحثُ عن الواحد،
قبل أن يفكّر في الصباح،
يعيدنا ورقةً
نضعها على طريق الوصول.

فنرضى…
أنّنا ما زلنا معًا.

دريسدن – 03.2025 18| نُقّحت: 09.07.2026

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى