كتاب وشعراء

قراءة أدبية للقصة القصيرة جداً “محاسن” للقاص المغربي حسن لختام.. بقلم الأديب والناقد العراقي: ماجد القيسي

قصَّة “محاسن” مهداة للكاتبة العراقية سحر الياسين

-“امتلأتْ روحها محبَّةً.. فتحَتْ قلبها للعطشى. حين طلبَ منها أحدُ العابرين أن يشربَ من نبيذها.. منحتهُ الكأس، ومضتْ فارغةً!”.

الدراسة التحليلية للقصة
تتجسَّد قصة “محاسن” للكاتب حسن لختام كنموذج إبداعي ينتمي بامتياز لجنس القصة القصيرة جداً، حيث يمارس الكاتب تقنية “الانفجار الدلالي”، متجاوزاً السرد التقليدي نحو التكثيف الرمزي الذي يصطاد لحظة إنسانية فارقة.
يبرز العنوان “محاسن” بوصفه عتبة تأويليَّة مركزيَّة لا تشير فقط إلى اسم الشخصية، بل تمتد لتكون “وصفاً” لطبيعتها الوجودية، حيث تحيل إلى الأخلاق الحميدة المتحوِّلة في النص إلى قدرٍ مأساوي أو تضحية وجودية، رابطةً بين مُسمَّى البطلة وبين الفعل الذي أقدمت عليه، ما يجعل من العنوان مفتاحاً لفهم القفلة.
وعلى صعيد البناء اللغوي، يظهر جلياً “الاقتصاد اللغوي” الصارم، حيث لم تُهدر كلمة واحدة في التمهيد؛ فالحكاية تبدأ مباشرة من ذروة الامتلاء الروحي، وتستخدم بلاغة الحذف بذكاء، إذ لم يصف الكاتب العابر ولا تفاصيل الكأس، مكتفياً برسم مسار العطاء من الامتلاء إلى الفراغ، تاركاً للقارئ مهمة ملء الفراغات حول ماهية “النبيذ” الذي قد يرمز للمعرفة، للحبِّ، أو للروح ذاتها، ما يمنح النص بُعداً فلسفياً يتجاوز ظاهر الحدث.
أما المحرِّك الفني فيتمثَّل في المفارقة الحادَّة التي تبدأ من الرغبة في الإرواء وتنتهي بالاستنزاف؛ فالقفلة لم تكن مجرد نهاية سردية، بل كانت “انقلاباً” دلالياً أعاد تفسير البداية، حيث تحوَّلت “المحاسن” من صفة غنى وامتلاء إلى سبب لـ “الفراغ” الوجودي، ما يفتح أفقاً تأويلياً حول جدوى العطاء المطلق في عالم لا يكتفي بالشرب بل يستهلك المانح.
إن نجاح النص يكمن في قدرته على خلق “رنين” ذهني؛ فالقارئ يخرج بتساؤل أخلاقي وقلق وجودي حول حدود التضحية، حيث نجح الكاتب في تحويل لقطة مجهرية إلى تجربة كيميائية دقيقة العناصر، محترماً ضوابط القصة القصيرة جداً في تجنُّب الحشو الوجداني، ومكتفياً بنواة سردية صلبة جعلت من الكلمات جسراً لعبور القارئ نحو فضاءات التأويل المفتوحة.

*ماجد القيسي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى