كتاب وشعراء

طفلة كانت توزّع الحب على ارتفاع ثلاثين ألف قدم …. بقلم د. مؤيد بدران

قبل يومين، وأنا في طريقي بالطائرة من عمّان إلى تركيا، لفت انتباهي مشهد صغير في تفاصيله، لكنه كبير جدًا في معناه.

كانت هناك طفلة لا يتجاوز عمرها خمس أو ست سنوات، تتحرك بين من حولها بعفوية جميلة، وكأنها تحمل في قلبها مخزونًا من المحبة وتريد أن توزعه قبل أن تهبط الطائرة.

اقتربت مني وقبّلتني بكل براءة، ثم ذهبت إلى المضيفة وقبّلتها أيضًا.

ابتسمت للمشهد، وقلت في نفسي: ما أجمل الأطفال حين تكون أرواحهم بهذا الصفاء.

لكن ما رأيته بعد ذلك جعلني أتوقف طويلًا.

كانت معها أختها الصغيرة، ربما لم تتجاوز العامين. وكعادة الأطفال في هذا العمر، بدأت الصغيرة تشد شعر أختها، ثم تمسك بأذنها وتشدها، وبطريقة لا بد أنها كانت تؤلمها.

راقبت الطفلة الأكبر، وانتظرت رد فعلها.

توقعت أن تصرخ في وجهها، أو تدفعها بعيدًا، أو تشتكي لأمها، أو على الأقل أن تبكي.

لكنها لم تفعل شيئًا من ذلك.

كانت تتحملها بهدوء عجيب، وكلما آذتها الصغيرة قابلتها بحضن، أو قبلة، أو محاولة لاحتوائها بكل حنان.

هنا لم أعد أراقب طفلتين فقط.

بدأت أبحث بعيني عن الأم.

وسألت نفسي: أي أم هذه التي استطاعت أن تزرع كل هذا الحب في قلب طفلة لم تتجاوز السادسة؟ وأي بيت هذا الذي تعلّمت فيه طفلة صغيرة أن يكون ردها على الأذى حضنًا بدل الصراخ؟

نحن كثيرًا ما نتحدث عن تربية الأبناء، فنفكر في المدرسة، والدرجات، واللغات، والملابس، والطعام، ومستقبلهم المهني. لكننا ربما ننسى أهم ما يمكن أن نزرعه فيهم: كيف يحبون، وكيف يرحمون، وكيف يتعاملون مع ضعف الآخرين.

فالطفل لا يتعلم الرحمة من محاضرة، ولا الحنان من كتاب.

يتعلمهما عندما يراهما في البيت.

يرى كيف تتحدث أمه مع أبيه، وكيف يعامل الأب أبناءه، وكيف يُحتوى الغضب، وكيف يُسامَح الخطأ، وكيف يكون الحضن حاضرًا عندما تضيق الكلمات.

وهذا المعنى تؤكده دراسات علم نفس النمو؛ فالأسرة تؤثر في تنظيم الطفل لمشاعره من خلال ما يراه من والديه، وطريقة تعاملهم مع مشاعره، والمناخ العاطفي العام داخل المنزل. فالطفل يراقب قبل أن يفهم، ويقلّد قبل أن يستطيع تفسير ما يفعله.

لذلك، عندما رأيت تلك الطفلة، شعرت أنني لا أرى تصرفًا عابرًا، بل ربما أرى انعكاسًا لبيت كامل.

ربما كانت أمها قد احتضنتها مئات المرات عندما غضبت.

ربما قبّلتها عندما أخطأت.

ربما شاهدت في بيتها أن الضعيف لا يُقابل بالقسوة، وأن الأصغر يُحتوى، وأن المحبة ليست مكافأة نقدمها لمن يتصرف كما نريد، بل لغة حياة.

لا أعرف تلك الأم، ولم أتحدث إليها، وربما لن أراها مرة أخرى.

لكنني تمنيت لو قلت لها:

شكرًا لكِ.

ليس لأن ابنتك كانت هادئة على متن الطائرة، ولا لأنها قبّلت الغرباء وأدخلت السرور إلى قلوبهم، بل لأنكِ ـ بطريقة ما ـ نجحتِ في أن تضعي في قلب طفلة صغيرة شيئًا يحتاجه عالمنا الكبير بشدة:

الرحمة.

غادرت الطائرة، لكن المشهد بقي معي.

وفكرت كم سيكون عالمنا مختلفًا لو اهتممنا بتربية القلب كما نهتم بتربية العقل، ولو سأل كل أب وأم نفسيهما في نهاية اليوم، ليس فقط: ماذا أكل أبنائي؟ وماذا درسوا؟ وكم كانت درجاتهم؟

بل أيضًا:

ماذا زرعنا اليوم في قلوبهم؟

لأن أبناءنا قد ينسون كثيرًا مما نقوله لهم، لكنهم غالبًا يحملون معهم الطريقة التي عاملناهم بها.

وفي ذلك اليوم، على ارتفاع آلاف الأمتار عن الأرض، أعطتني طفلة في الخامسة أو السادسة درسًا لم تحتج فيه إلى كلمة واحدة:

من امتلأ قلبه بالحب… لا يعرف إلا أن يوزّعه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى