
كتب:هاني الكنيسي
‘مسرور بارزاني’ رئيس حكومة إقليم كردستان العراق (وهو أيضا نجل الرئيس السابق للإقليم والزعيم التاريخي لأكراد العراق ‘مسعود بارزاني’)، اتهم إيران اليوم بتوجيه مسيّرتين مفخختين من طراز “حديد-110″، لقصف كل من مكتبه ومقر إقامة مدير أجهزة الأمن “ئاژانسی پاراستن”، في منطقة ‘بيرمام’ من عاصمة الإقليم أربيل. ورغم أن الهجومين “لم يسفرا عن أي خسائر بشرية”، فقد دان البيان الصادر عن جهاز مكافحة الإرهاب في كردستان “الجهة المنفذة”، محمّلًا إياها “كامل المسؤولية عن تبعاتها”.
ومعروف أن الإقليم الذي يتمتع بشكل من أشكال الحكم الذاتي المستقل عن حكومة بغداد، يتعرّض منذ بداية الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران لهجمات منتظمة بالمسيّرات والصواريخ (كان أحدثها قبل بضعة أيام)، نظرًا لأنه يستضيف مواقع تابعة لحزبي ‘الكوملة’ و’الديمقراطي الكردستاني’ المعارضين لطهران، كما يؤوي قواعد وتجمعات عسكرية أمريكية. وكانت أحزاب كردية إيرانية عدة قد أعلنت في فبراير الماضي (قبل أيام من انطلاق عمليتي “الغضب الملحمي” الأمريكية و”زئير هاري” الإسرائيلية) تشكيل “ائتلاف القوى السياسية لكردستان إيران”، الذي يضم أبرز فصائل المعارضة، ويهدف إلى إسقاط الجمهورية الإسلامية وتحقيق حق الشعب الكردي في تقرير المصير (وفق بيان تأسيسه).
لكن ‘نيجيرفان بارزاني’ رئيس إقليم كردستان (وهو ابن عم ‘مسرور بارزاني’، وحفيد مؤسس الحزب الديمقراطي الكردستاني ‘مصطفى البارزاني’)، ظهر اسمه أمس بطلا لقصة مثيرة -ومغايرة تماما في مغزاها لما حدث اليوم- نشر تفاصيلها الصحافي الإسرائيلي ‘باراك رافيد’ Barak Ravid، في موقع ‘أكسيوس’ الأمريكي.
إذ كشف التحقيق الحصري عن محاولة سرية قادتها الإدارة الأمريكية لترتيب اتصال مباشر بين واشنطن وقيادة الحرس الثوري الإيراني عبر “وساطة مباشرة” من ‘نيجيرفان’، وهو نفسه الذي سعى لاحقًا لترتيب اجتماع وجهاً لوجه بين المديرة السابقة لهيئة الاستخبارات الوطنية الأمريكية ‘تولسي غابارد’ Tulsi Gabbard والجنرال الإيراني البارز ‘أحمد عاهدي’.
إلا أن تلك المساعي “انهارت في اللحظة الأخيرة” بسبب مخاوف إيرانية من أن يستهدف الموساد الإسرائيلي الوفد الإيراني خلال الرحلة أو الإقامة في أربيل، حسب تقرير ‘أكسيوس’.
وفي تفاصيل رواية ‘رافيد’، بدأت القصة في شهر مايو الماضي، عندما أراد فريق التفاوض الأمريكي في باكستان، بقيادة نائب الرئيس ‘جيه دي فانس’، التأكد مما إذا كان المفاوضون الإيرانيون الذين يجلسون أمامهم يمثلون فعلاً الحرس الثوري؛ الحاكم الفعلي في طهران، بعد اغتيال المرشد الأعلى ‘علي خامنئي’ واختفاء ابنه وخليفته ‘مجتبى’ لأربعين يوماً.
التأخر الإيراني آنذاك في الرد على “مذكرة التفاهم” التي تم التوصل إليها بعد وقف إطلاق النار في 8 أبريل وعقب القمة التي عُقدت في إسلام آباد، أثار شكوكاً في البيت الأبيض بأن ‘محمد باقر قاليباف’ رئيس مجلس الشورى (البرلمان الإيراني) ووزير الخارجية ‘عباس عراقجي’ ، لم يكونا مخولين بإبرام اتفاق نهائي.
وفي 10 مايو، اتصلت ‘تولسي غابارد’ برئيس إقليم كردستان ‘نيجيرفان بارزاني’، بموافقة شخصية من الرئيس ترمب، وطلبت منه أن يستفسر مباشرة من القيادي في الحرس الثوري ‘أحمد عاهدي’ (المكلّف بالإشراف على التنسيق السياسي والأمني) عمّا إذا كان الوفد الإيراني يعكس فعلاً موقف الحرس الثوري.
ووفقًا للرواية ذاتها، فإن ‘نيجيرفان’، الذي عاش سابقاً في إيران ويتحدث الفارسية بطلاقة، وافق على المهمة، وشدد على ضرورة التحدث مباشرة مع قائد الحرس الثوري ‘أحمد وحيدي’. وفي ذلك السياق، وصف المستشار الأميركي السابق لشؤون الشرق الأوسط ‘بريت ماكغورك’ Brett McGurk بارزاني بأنه “حلّال مشاكل عملي… يعرف تقريباً كل شخص في طهران وواشنطن”.
في 14 مايو، وصل “مسؤول رفيع” في الحرس الثوري إلى مكتب رئيس الإقليم حاملاً هاتفاً مشفراً. وفي مكالمة هاتفية بين طهران وإربيل، قال المتحدث من الطرف الإيراني: “أنا أدعمهم تماماً، وهذا هو موقف الحرس الثوري أيضاً. نحن نفضل حل هذه الأزمة عبر المفاوضات”.
وعلى الفور، نقل ‘ نيجيرفان بارزاني’ فحوى الرسالة إلى ‘غابارد’ التي اقترحت بدورها عقد “محادثات سرية” في أربيل تحت إشرافه، بشرط أن يحضرها ممثلون عن الحرس الثوري مباشرة.
لكن الاقتراح الجريء الذي حظي بموافقة “مبدئية” من طهران، لم يتحقق فعليًا -حسب رواية ‘أكسيوس’، لأن الإيرانيين أبلغوا ‘بارزاني’ لاحقًا أنهم “يخشون أن يكون الموساد قادراً على استهداف الوفد خلال الرحلة أو داخل أربيل نفسها”.
وبعد فشل “المسار الكردي السري”، انتقلت الاتصالات ومحاولات “اللقاء المباشر” إلى وسطاء من باكستان وقطر، لكن دون إحراز تقدم حقيقي.
ورغم أن ‘بارزاني’ عرض المساعدة مجدداً، إلا أن الأمريكيين -والعهدة على ‘باراك رافيد’- كانوا هم المترددين هذه المرة، لأن المشكلة الأكبر باتت تكمن في “موقف إيران المتعنت في مضيق هرمز”، على حد تعبير ‘ماكغورك’ الذي أوضح أن إدارة ترمب تعتقد بأن “السياسة الإيرانية التي يرسمها الحرس الثوري كليًا عندما يتعلق الأمر بورقة هرمز، لن تتغير في أي وقت قريب”.