رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب :قصر كافكا العراقي

الذين صمموا النظام العراقي على درجة عالية من الذكاء والفكاهة والاحتيال بحيث لا يمكن للمواطن وحتى للمسؤول أن يعرف كيف تتشكل القرارات ومن أين تأتي وما هي الأهداف ولماذا عادة تسبقها حفلة ضجيج وصخب لصرف الأنظار؟
مصمم المتاهة وزع المسؤوليات على جماعات وأحزاب وطوائف وكتل متناحرة مختلفة لكي يتلاعب بها بحيث يستطيع المواطن أن يصب غضبه على أي طرف يريد ويتجاهل الطرف الشريك في اللعبة في حين يبدو مصمم المتاهة الذي يدير اللعبة كلها في السر والظلام ــــــــــــــــــ بعد أن ربطها بدستور وقانون مفصل على المرام ــــــــــــــــ وكأنه الطرف المحايد وبعد أن يعقّد المشكلة وتتشابك الخيوط يظهر في الواجهة وهو يحمل الحل كمصلح ومنقذ وهنا تختلط المأساة بالسخرية والسياسة بالاحتيال.
لا أحد يعرف أين ” سلطة الاِشباح” وكيف تدير البلد كما في رواية ” القصر ” وتترجم” القلعة” لـــــــــــــــــــ فرانز كافكا حيث لا أحد يعرف من هو رئيس القصر الذي يدير شؤون البلدة من خلال اتباع وقرارات ثم ” إنتحل” السعودي عبدة خال البناء الروائي الكامل لرواية كافكا” القصر” وحصل على جائزة البوكر عام 2010 برواية” ترمي بشرر” وهي نسخة باهتة من قصر كافكا.
عادة السلطة تميل للاختباء لكنها تظهر من خلال حفلات وخطابات ومهرجانات واستعراضات قوة. العراقي من الارهاق والمتاهة والدوامة وربما من تداخل وتسارع الاحداث فقد حلقات السلسلة ويعتبر الحدث الأخير حدثاً جديداً ويستغرق في التحليل والفرح والأمل وهذه طبيعة العقل الشعاراتي المشهدي الذي يركز على الظاهرة دون النظر الى تاريخ ولادتها وهدفه.
لا توجد قوة أو أحزاب أو جماعة قادرة على تمرير قرار مصيري لان مصمم المتاهة ولعبة العثور على الأرنب في العشب وزع الصلاحيات على قوى متعادية لا تتفق على قرار مصيري لان “المصمم” الخفي قادر على جمع الأصوات من خلف الستارة لاسقاط المشروع دون أن يظهر في الواجهة. مسموح فقط للقرارات الهامشية بالمرور وسط زعيق في مجلس النواب لاعطاء مسحة جديدة لمشاهد تفتقر للكوميديا الجادة.
في كل أزمة سياسية جديدة يطغي الضجيج على جذورها التاريخية وتبدو جديدة بلا تسلسل ولا سياق ولا جذور ويظهر الحدث الاخير كأنه الحدث الأول، وهذه الطريقة من التفكير ليست مصادفة بل نتاج تراكم وكثافة الأحداث ويتحول الوعي الى رد فعل سريع بدل التحليل المنطقي الهادئ والعودة الى الاصول والجذور وبسبب تعدد وتشظي القوى السياسية لا توجد هناك سردية واحدة لقراءة الحدث ولا يستند التحليل الى العقل والمنطق بل الى المصالح.
في العراق لا تنتهي الأزمة بل ترحّل الى وقت أخر عن طريق سياسة التسويات والصفقات وعندما تنفجر بعد أحداث كثيفة ومتراكمة تلوح أزمة جديدة لكنها الأزمة القديمة وقد انفجرت ولم تفكك في الأصل والخلاصة اننا نعيش تدوير الأزمات وليس حلها، لذلك نضطر للعودة بين وقت وأخر الى جذور الأزمة والتذكير المكرر بها.
ولادة وانشاء طبقة ثرية من حفاة الأمس كانت عملاً منهجياً ومخططاً له قبل الإحتلال كما سيتوضح ذلك ومن يعتقد ان مؤسسات السلطة العراقية العليا كالرئاسة والحكومة والبرلمان هي تكوينات محلية، عليه العودة الى “وثيقة التوجهات السرية الأمريكية” وهي الخطة الاستراتيجية المعمول بها منذ سنوات وحتى اليوم.
هذه الطبقة الثرية ــــــــــــــــــ من حفاة الأمس ــــــــــــــ ستعمل على ربط العراق بالاسواق الرأسمالية وستقوم بتهجين التقاليد المحلية بتقاليد التفاهة والسطحية والضحالة الاخلاقية وابعاد الشباب عن السياسة والثقافة وتخلق نمطأ من الحياة قائماً على رفاهية نخبة بلا طقوس عريقة لذلك تمارس طقوس نخبة مرفهة بشكل فج ومتخلف واستعراضي للابهار.
أي تهجيج العراقي بثقافة جديدة لكي ينسى من هو كما فعلت بريطانيا مع الهندي عندما أدخلت المسيحية في البوذية والسيخية وخلقت الهندي المهجن وهو خلطة مهجنة من البوذية والمسيحية والهندوسية لكنه ليس الهندي الأصلي الذي أضاع المشيتين: لا هو بوذي ولا هو مسيحي، تعلم الانكليزية والادب الأوروبي وصار عالم ذرة لكنه يعبد البقرة.
مفهوم ” الهجنة Hybridity ” من اشتقاق البروفسور المفكر الهندي الكبير هومي بابا الاستاذ في جامعة هارفرد وجامعات اوروبية، عند تداخل مفاهيم الاستعمار مع الثقافة المحلية وتدخل في اللغة والفولكور والفن والادب وتبدو في الظاهر كجزء من الثقافة المحلية مما يولد الاغتراب.
تصدى مفكرون كبار لمهمة فضح حقيقة خطابات” المركزية الغربية” المغلفة بشعارات الحرية والحداثة أمثال: فرانز فانون وأدوارد سعيد،
والمفكر الهندي هومي بابا، والدكتورة البنغالية غياتري سبيفاك أو ما يعرف بــــ الرباعي المقدس في نقد الخطابات ما بعد الكولونيالية
وكشف زيفها.
هؤلاء اثبتوا ان التفكير ليس خاصية اوروبية كما هو في ” المركزية الغربية europocentrisme” التي وصفها المفكر سمير أمين بــــ: ” أيديولوجية أو محيط مركزي، أو تبعية للتطور الرأسمالي” تؤمن بالتفوق العرقي وترى الحياة والاحداث والادب من منظور غربي إستعلائي كما لو أن الافريقي واللاتيني والآسيوي لكي يفكر، يجب أن يفكر من خلال وعي أوروبي،
أي لا يفكر بل يردد مما دفع المفكر والفيلسوف الايراني الاصل والاستاذ في جماعة كولومبيا في النقد المقارن حميد دباشي الى تاليف كتاب” هل يستطيع غير الأوروبي التفكير؟”رداً على فلاسفة الغرب الذين يرون الحياة من منظار أوروبي والغاء الثقافات الأخرى.
الولايات المتحدة لم تستطع يوما أن تحكم شعباً، لكنها تحكم حكامه ومن خلالهم تستطيع السيطرة.
مع ان الوثيقة تشمل كيفية التعامل الأمريكي مع أوروبا وروسيا والصين،
لكنها تشير بوضوح الى كيفية التعامل مع دول آسيا والشرق الأوسط،
ويهمنا هنا رؤية الوثيقة للتصور الأمريكي في حال نصاً:
” حدوث تغيير وقائي في الدكتاتوريات وتحويلها الى أنظمة مقبولة
أو موجهة أو مضبوطة”، بعد اسقاطها بحجة اسلحة الدمار الشامل وحقوق الانسان كما ورد نصاً”.
علينا فحص هذه المفاهيم بدقة وعمق خلف السطح الظاهر. في حال حصول ذلك” التحول” في النظم الدكتاتورية،
عن طريق الانقلابات أو الحرب، فيجب” إقامة آليات دستورية تقتصر ممارسة
الديمقراطية على النخبة الحاكمة”.
الوثيقة كُتبت قبل الاحتلال بسنوات من صقور البيت الأبيض، لكنها خطة عمل جاهزة ومن تطبيقاتها حول” ديمقراطية النخبة الحاكمة” تأسيس ” المنطقة الخضراء” وممارسة ” الديمقراطية” المنخفضة الحدة للنخبة الحاكمة بعد عزلها عن الجمهور العام،
مع مؤسسة برلمانية مرفهة وشكلية بامتيازات مفرطة لكي يرتبط وجودها بوجود النظام السياسي نفسه، تمارس طقساً استعراضياً عن الديمقراطية للتغطية، وهذا يتطلب، حسب الوثيقة بوضوح:
” إضعاف المنظمات والحركات الشعبية والنقابية”لكن كيف يتم هذا الاضعاف؟
تقول الوثيقة:” يتم اضعاف تأثير العناصر الثورية من مثقفين ونقابات بشكل مدروس عن طريق العنف المباشر الذي تمارسه القوة الثالثة ـــ السي آي أيه ــــ مع الانكارالنظري المختصر”.
لا يحتاج النص الى تفسير، أي اغتيال أصحاب “الرؤوس الحارة” من المثقفين والوطنيين وهو وصف الوثيقة نفسها، ثم الانكار المختزل( لا علاقة لنا بالأمر).
نحن نعرف تطبيقات هذا النص على عناصر وطنية كثيرة والقاء الجريمة على منظمة ارهابية إما مخترقة أو مصنّعة ومن لا تطاله يد الاغتيال فهناك الاقصاء والتهميش او شيطنة صورته من خلال معارات شرقية ويتولى عملاء محليون هذا الدور ونشرها بين الغوغاء والمغفلين.
كل هذه الادارة للبلد شرط ” ألا يظهر الدور الأمريكي في الواجهة من أجل منح الحاكمين الجدد الهيبة أمام شعبهم” نص الوثيقة. أي سياسة تحريك الدمى عبر ستار.
لكن كيف سيكون شكل الهيئات القيادية الأخرى التي تشكل ما يعرف بالنظام السياسي كالرئاسة والحكومة والبرلمان والقضاء، أي السلطات الثلاث؟
تقول الوثيقة إن ذلك يتم:
” من خلال دمج المؤسسات القيادية والدستورية في ما بينها”،
مع أن كل نظم العالم الديمقراطية تقوم على فصل السلطات لكن ” الدمج” في حالة العراق للتحكم بالجميع،
اي تكوين سلطة المتاهة وتشابك وتداخل وتراكم الصلاحيات، وبمعنى أوضح توزيع السلطة على أطراف يستحيل الحصول بينها على اجماع وطني
في القضايا المصيرية مع ترك الهوامش لهم، وقد تم ذلك ” التوزيع” فعلاً للتحكم الخفي بمراكز القرار،والتحكم أيضاً:
” بالواقع الاجتماعي مع أقل استخدام ممكن للإكراه القسري” كما ورد حرفياً.
وهو ما تم أيضاً اذ جرى التحكم بــ” الواقع الاجتماعي” من خلال النخبة الحاكمة، أي التحكم بالسلطتين: السياسية والاجتماعية،
وكل ذلك مر من خلال تشريعات كالدستور والقانون لجمت الواقع وأي حركة للتغيير.
بتاريخ 15/ 2/ 2003 وقبل الغزو بشهر كتبنا مقالة بعنوان صريح تعليقاً على هذه الوثيقة وتخيل شكل النظام القادم يوم كانت السلطة قائمة:
” انطلاق وحش وقبيلة مركبة”.
في المقال حاولنا رسم الملامح العامة للنظام السياسي الجديد، وتوقعنا على ضوء الوثيقة تشكيل النظام المقبل من احزاب معارضة ومن عناصر من النظام القديم غير متورطة بالدم وعودة كاسحة للقبلية نظراً لتقارير موثوقة نشرت في ذلك الوقت عن فتح سجلات القبائل العراقية من قبل بريطانيا،
فليس هناك أكثر من التكوينات القبلية رفضاً للتغيير رغم ركوبها الموجة:
ومن يشاهد علامات السلطة والبذخ والرفاهية والملابس الفاخرة على شيوخ القبائل ـــــــــــــــــــ البارونات ـــــــــــــــــ والسلاح واستعراضات القوة حتى في مناسبات عادية لاظهار القوة، يكتشف ان النظام السياسي ملجوم بطبقات متحالفة تجمع بين رجال السياسة والمال والدين والقبيلة وهذه عناصر محافظة ترفض التغيير ــــــــــــــــــــ ترفض فقدان الامتيازات.
بتحالف القبائل مع رجال الدين، كما حدث، مع عناصر منتقاة من النظام القديم، مع الاحزاب، مع شريحة جديدة من المقاولين جرى انتاجها بسرعة، كجسر للعبور نحو الأسواق الحرة من حفاة الأمس وكل هذه عناصر محافظة ترفض أي تغيير في الأوضاع، وكما جاء في مقالنا المذكور حرفيا قبل الاحتلال عن تركيبة النظام:
( نخب مالية تجمع بين مزاولة التجارة وبين السياسة. وهذه النخب المالية ستكون وحدها قادرة على دمج العراق في نظام السوق الحر، وهذا السوق سيكون الجسر الذي يربط العراق مع الرأسمالية العالمية.وهذه النخب بحكم تركيبتها الطبقية والثقافية والنفسية سيكون من مصلحتها القصوى تواجد محتل أجنبي لأنه الضمانة من التمردات السياسية والاضطرابات الاجتماعية وفوضى السوق، ونخب المال هي نخب طاعة واستسلام غير قادرة على مقاومة أي مشروع يعرضه المحتل بحكم خوفها المزمن والأبدي. نخب المال العراقية تجمع بين ذهنية الجبن وبين الأمية الثقافية والسياسية، وهي تختلف من ناحية الوعي والسلوك عن النخب المالية الغربية ذات القدرة على مواجهة تحديات سياسية وحربية وثقافية جدية) ـــــــــــ قبل الاحتلال.
تم ربط كل ذلك بدستور وقوانين وتقاليد وطقوس سياسية وبذلك يكون قد تم وضع السلطتين السياسية والاجتماعية تحت التحكم الخفي التام، وترك الدمى الحاكمة تتصرف كما تشاء في الهوامش والاطراف في حين: السلطة والثروة والقرار تحت التحكم الخفي.
علق على هذه الوثيقة الصحافي الأمريكي وليام روبنسون في مقال شهير نشر تحت عنوان”الديمقراطية منخفضة الحدة/ الوجه الجديد للهيمنة الشاملة، وفي فصلية” العمل السري” الأمريكية قائلا:
( هكذا يجري التدخل السياسي الجديد من خلال غطاء واق وكامل من أدوات السياسة الخارجية الأمريكية، ومن خلال المؤسسات ما فوق القومية أيضا والتي تقوم عبرها نخب الشمال مع شركائها” الصغار” في الجنوب بفرض إرادتها على العالم أجمع. وهذا يتجاوز بكثير كون المسألة مجرد سياسة التدخل القديمة بوجه أكثر نعومة ولطفا).
هوامش:
ــــــــــــ تُعرف “وثيقة التوجهات السرية الأمريكية” باسم “مُسودة إرشادات تخطيط الدفاع” (Defense Planning Guidance) لعام 1992، والتي تسربت إلى صحيفة “نيويورك تايمز” وأثارت ضجة هائلة حينها. تعتبر هذه الوثيقة حجر الزاوية لما عُرف لاحقاً بـ “عقيدة ولفويتز ” نسبةً إلى بول ولفويتز الذي كان يشغل منصب وكيل وزارة الدفاع للسياسات آنذاك وفي غزو العراق الذي يرجح كثيرون انه وزلماي خليل زادة الذي عين سفيرا في العراق بعد الاحتلال من كتب تلك الوثيقة وهم من عتاة دعاة الحرب والتطرف.
يمكن العثور على هذه الوثيقة في كتاب” نادي القتلة: وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية”لـلمفكر الألماني مايكل أوبرسكالسكي. مترجم للعربية

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى