صحه ومرأه

حين يتحول الصبر إلى استنزاف…..بقلم د.سهير ديب

نسمع كثيرًا: «اصبر، كل شيء سيمر».

والصبر بالفعل قيمة جميلة، فهو يساعدنا على تجاوز الأوقات الصعبة، ويمنحنا فرصة للتفكير بهدوء، ويعلمنا أن بعض الأمور تحتاج إلى وقت حتى تتغير.

لكن هل كل ما نتحمله يُسمى صبرًا؟

أحيانًا نخلط بين الصبر وبين الاستمرار في تحمل ما يؤذينا.

قد نصبر على مشكلة لأننا نعمل على حلها، وقد نصبر على ظرف صعب لأننا نعرف أنه مؤقت، لكن الصبر يصبح استنزافًا عندما يتحول إلى انتظار بلا نهاية، أو عندما نستخدمه كذريعة للبقاء في وضع يؤذينا نفسيًا.

من منظور الصحة النفسية، الصبر لا يعني أن نتخلى عن أنفسنا.

ليس من الصبر أن نقبل الإهانة باستمرار، أو أن نكتم مشاعرنا خوفًا من غضب الآخرين، أو أن نتحمل فوق طاقتنا فقط حتى لا يقال عنا إننا لم نكن صبورين.

هناك فرق بين أن أتحمل شيئًا مؤقتًا وأنا أبحث عن حل، وبين أن أتحمل لأنني اعتدت على الألم ولم أعد أتصور إمكانية التغيير.

الاستنزاف النفسي غالبًا لا يحدث فجأة. قد يبدأ بتعب مستمر، ثم فقدان الحماس، وسرعة الانفعال، واضطراب النوم، والشعور بأننا لم نعد كما كنا.

وفي مرحلة ما قد يتوقف الإنسان عن سؤال نفسه: «هل أنا بخير؟» ويصبح سؤاله الوحيد: «كم أستطيع أن أتحمل؟»

وهنا علينا أن نتوقف.

الحياة تحتاج إلى التحمل، بالتأكيد. ولا يمكننا أن نهرب من كل مشكلة عند أول صعوبة. لكننا نحتاج أيضًا إلى الوعي الذي يساعدنا على معرفة متى يكون التحمل جزءًا من الحل، ومتى يصبح جزءًا من المشكلة.

أحيانًا لا نحتاج إلى مزيد من الصبر، وإنما نحتاج إلى وضع حدود، أو طلب المساعدة، أو اتخاذ قرار، أو تغيير الطريقة التي نتعامل بها مع الموقف.

فالعناية بالصحة النفسية لا تعني أن نعيش حياة خالية من الألم؛ فهذا غير واقعي. وإنما تعني أن نتعلم كيف نواجه الألم دون أن نفقد أنفسنا داخله.

لذلك، إذا كنت صابرًا منذ وقت طويل، اسأل نفسك:

هل صبري يقودني إلى حل، أم يجعلني أعتاد على الاستنزاف؟

فليس كل تحمل قوة، وليس كل صمت حكمة، وليس كل انسحاب هروبًا.

وأحيانًا تكون القوة الحقيقية في أن نعترف بأننا تعبنا، وأن نبحث عن طريقة أكثر صحة للاستمرار.

اصبر عندما يكون للصبر معنى، لكن لا تجعل الصبر سببًا لأن تخسر نفسك.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى