تأبين أخضر… ذاكرة الحرب وهي تتعلّم معنى الحياة.. قراءة نقديّة في قصّة “تأبين أخضر” للكاتب الليبي حسين بن قرين درمشاكي.. بقلم الإعلامي والناقد العراقي: أ. ماجد القيسي

ق.ق.ج
تأبين أخضر
غبار القرون على البندقية.. يدُ الجد نفضته؛
غرس الحفيد شتلة زيتون في فوهتها؛
علّق معطف أبيه الغائب على جذعها الغضّ، وانسحب كظلّ.
وحده.. الحديد اختنق بعطر الحياة.
حسين بن قرين درمشاكي
كاتب وقاص ليبي
القراءة النقدية
تقوم قصة (تأبين أخضر) لحسين بن قرين درمشاكي على مفارقة مركزية تتشكَّل منذ العنوان: كيف يمكن للتأبين، وهو فعل يستحضر الموت والفقد، أن يكون أخضر؟ هذه المفارقة ليست زينة لغوية، بل هي المفتاح الذي يفتح مغاليق النص كله؛ فالموت هنا لا يقود إلى العدم، وإنما يتحوَّل إلى أرض تنبت فيها إمكانية جديدة للحياة.
في مساحة سردية شديدة الضيق، ينجح الكاتب في استحضار تاريخ طويل من الصراع عبر صورة واحدة: (غبار القرون على البندقية). كلمة (القرون) تخرج النص من زمن الحكاية المحدود إلى زمن إنساني مفتوح، فيما يحول (الغبار) البندقية من سلاح مستعمل إلى أثر من آثار تاريخ مثقل بالعنف. وحين تأتي (يد الجد) لتنفض هذا الغبار، فإنها لا تنفض عن الحديد غباره فحسب، بل تبدو كأنها تستعيد ذاكرة كاملة ظلت عالقة به.
وهنا تتشكَّل علاقة الأجيال الثلاثة دون حاجة إلى سرد سيرهم أو تحديد مصائرهم. الجد هو اليد التي تمثل الماضي، والأب هو الغائب الذي لا نراه إلا من خلال معطفه، أما الحفيد فهو صاحب الفعل الجديد. وبهذا التوزيع البسيط تتحول الشخصيات إلى مستويات زمنية متجاورة: جيل ورث السلاح، وجيل دفع ثمنه، وجيل يحاول أن يعيد تعريف الإرث.
الأب الغائب تحديداً يضيف إلى النص طبقة من الغموض المنتج. فالكاتب لا يخبرنا كيف غاب الأب، ولا يحدِّد سبب غيابه، ولذلك لا ينبغي اختزال المعنى في الموت وحده. قد يكون الغياب موتاً، وقد يكون حربًا، أو اغترابًا، أو فقدًا من نوع آخر. ويأتي (المعطف) بوصفه أثراً مادياً لشخص لم يعد حاضرًا، فيمنح الغياب جسداً رمزياً. وحين يعلقه الحفيد على (الجذع الغض)، تتجاور علامة الفقد مع علامة النمو في صورة واحدة.
لكن التحول الأهم يقع في البندقية نفسها. فالحفيد لا يحطِّمها، ولا يرميها، ولا يستبدلها بأداة أخرى؛ بل يغرس في فوهتها شتلة زيتون. هذه الحركة تعيد بناء وظيفة السلاح رمزياً. الفوهة التي كانت مهيَّأة لإطلاق الموت تصبح منفذًا للحياة، والحديد الذي كان جزءاً من منظومة العنف يتحوَّل إلى حامل لبداية جديدة. هنا تتجاوز الزيتونة دلالتها التقليدية بوصفها رمزاً للسلام، لتصبح فعلاً سردياً يغير معنى الأشياء من داخلها.
وتزداد قوة هذا التحول لأن الحفيد لا يعلن موقفه. بعد أن يغرس الشتلة ويعلق المعطف، (انسحب كظل). هذه الجملة من أجمل مفاصل النص؛ فهي تنزع عن الشخصية نزعة البطولة والاستعراض. الحفيد لا ينتظر اعترافاً، لأن ما فعله لا يحتاج إلى خطاب. إنه يترك أثره ويرحل، وكأن المستقبل لا يحتاج إلى أصحاب شعارات، بل إلى أفعال صغيرة قابلة للنمو.
وتأتي الخاتمة لتمنح النص انغلاقه الدلالي: (وحده.. الحديد اختنق بعطر الحياة). المفارقة هنا مركبة؛ فالحديد، رمز القسوة والموت، يستخدم له الكاتب فعل (اختنق)، وهو فعل ينتمي إلى عالم الموت، لكنه يجعله في الوقت نفسه واقعاً تحت تأثير (عطر الحياة). أما اختيار (العطر) بدل الرائحة، فيمنح الصورة بعدًا وجدانيًا، ويجعل الحياة قوة غير مرئية تتسلل إلى أكثر الأشياء قسوة.
كما أن علامات الحذف قبل الجملة الأخيرة تؤدي وظيفة إيقاعية ودلالية، إذ تمنح القارئ لحظة صمت قبل الانقلاب النهائي في المعنى. وهذا ينسجم مع طبيعة القصة القصيرة جدًا التي تعتمد على المساحة البيضاء بقدر اعتمادها على الكلمات.
لذلك يمكن قراءة (تأبين أخضر) بوصفها قصة عن التوارث، لكنها ليست دعوة إلى محو الذاكرة؛ بل إلى إعادة صياغتها. فالجد لا يُلغى، والأب الغائب لا يُنسى، والبندقية لا تختفي من المشهد، لكن الحفيد يرفض أن يكون استمراراً آلياً للماضي. إنه يأخذ إرثه ثم يغير وجهته.
وهكذا ينجح النص في تحويل مشهد صغير إلى سؤال إنساني واسع: ماذا نفعل بما ورثناه من العنف؟ وربما تكون الإجابة التي يقترحها النص أبسطها وأصعبها في آن واحد: نزرع في فوهة الموت شيئاً يستطيع أن يعيش.
أ. ماجد القيسي
إعلامي وناقد عراقي