رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب : تحول الضحية الى جلاد

ــــ «من يصارع الوحوش عليه أن يحذر لئلا يصبح هو نفسه وحشاً»* نيتشه.
اذا كنت تريد أن تعرف مستقبل بلدك، دعك من الشعارات والبرامج والاحزاب، لان السلطة في مكان اخر. المستقبل ليس غيباً بل كيف نفكر ونفعل ونحلم، اليوم.
كنا نقول ونكتب قبل الاحتلال إن هذه المعارضة ولدت من رحم السلطة وقلدت أساليبها في عقلية الثأر كما يولد الصل من الأفعى ولم تكن معارضة تملك مشروعاً بديلاً. هذا ما حدث.
حاول أن تسأل من تعرف ولا تعرف عن ماذا ستفعل لو تغيرت أو انقلبت الإمور يوما؟ هذا السؤال طرحته بصورة غير مباشرة على المئات خلال سنوات قبل الاحتلال في دول وقارات مختلفة على فارين ومعارضين.
كانت النتيجة صادمة والجواب نفسه: “أنتقم” بل طرحت السؤال على شاعر فقال لي حرفياً:” ما أن أضع رأسي على الوسادة، حتى أقتل ما لا يقل عن مئة شخص يوماً”.
تفاصيل كثيرة من هذا القبيل وفي دول مفرطة في الحقوق الفردية ومع ذلك لا شيء تغير لان التغيير ليس تذكرة سفر ولا في الحصول على لجوء سياسي اكتشفت الدول الاسكندنافية مؤخراً انها منحته في حالات كثيرة لقتلة ونصابين ولصوص لا يستحقون ومن يستحقونه لم يحصلوا عليه لانهم خجلوا من تأثيث شخصية ” نضالية” مضخمة واعتبروا موقفهم السياسي سلوكاً طبيعياً. من هذه التفاصيل توقعنا شكل النظام القادم في أربع روايات صدرت عام 2000 ومئات المقالات.
عندما حدث الاحتلال تحققت هذه التوقعات بل أعرف شخصاً كان يكتب ليل نهار عن الدكتاتورية وعن الديمقراطية والقمع وعند الاحتلال وكان مع جماعة من الكتاب والصحفيين حملتهم طائرات خاصة ينتظرون الغزو في فنادق الكويت وسئموا من ” انتظار الغزو”، وعندما سقط النظام ودخل هو البصرة ـــــــــــــــــ وهو بصري ـــــــــــــــــ كان أول شيء فعله هو فتح “مركز تعذيب” بدل “مركز للديمقراطية والعدالة” وعندما أفاق الناس من صدمة الأحداث هجموا عليه وهرب الى الكويت ثم وصل النرويج ليواصل الكتابة عن الديمقراطية بعد ان صارت السياسة ملجأ للأنذال.
يقول المفكر والروائي والطبيب النفسي فرانز فانون ــــــــــــــــــ الذي تخلى عن جنسيته الفرنسية وصار من قادة الثورة الجزائرية ودفن في مقبرة الشهداء ــــــــــــ في واحدة من كشوفاته الكثيرة المبهرة: ” إن الضحية تبحث عن ضحية لكنها تبحث عن ضحية مستنزفة ولا تقترب من ضحية قوية، في أقذر سلوك بشري انتقائي”.
لماذا هذا” الانتقاء القذر” واختيار ضحية ضعيفة أو مسالمة أو ضحية بلا حول ولا قوة، والهروب من ضحية قوية؟
السبب لأن جلادها الأصلي زرع فيها الجبن من القوة لذلك تلجأ للتعويض عن عار داخلي واخز مقيم والى التنفيس من خلال التنكيل بضحية ضعيفة بلا قوة تنكيلاً جسدياً أو أخلاقياً،
من خلال التماهي المشوه مع جلادها ـــ السلطة بالمعنى الواسع للسلطة: نظام أو جماعة وحتى سلطة فرد ـــ وهذا التماهي إما عن حقد على جلادها،
أو اعجاب خفي أو من باب التقليد،
وحسب فرويد ان التماهي قد يكون اعجاباً أو حقداً على عدو ومحاولة تقليده. أو تقليد المغلوب للغالب حسب ابن خلدون.
يرى فانون ان هذا التماهي بين الضحية مع الجلاد قد يكون مع المستعمِر وتقليده في الثقافة والازياء والتقاليد ليس للتحرر بل للتخلص من صفة الضحية الى صفة الجلاد الذي يحتل ” وعي الضحية” والخطورة من وجهة نظر فانون اعادة انتاج الاستبداد من قبل الضحايا عندما يصبحون سلطة.
( حذر فانون منذ ثلاثينات القرن الماضي من أن غياب الوعي الحقيقي بالتحرر يؤدي إلى كارثة بعد الاستقلال؛ حيث تخرج قوى وطنية جديدة من رحم المعاناة، لكنها سرعان ما تمارس نفس أساليب الجلاد القديم ضد شعوبها، مما يؤدي إلى إعادة إنتاج الاستبداد بوجوه محلية). جسد ذلك في روايته” المعذبون في الأرض”.
الجبان يستعرض شجاعة زائفة على ضعفاء أو مسالمين أو عزل وخارج السلطة لأنه يحتاج الى شهود على شجاعة وهمية للتعويض عن جبن طويل ومعتق،
لكن الشجاع الحقيقي لا يحتاج الى استعراض ولا الى شهود،
لأن الشجاعة تنبع من الداخل وتغمره بضياء باهر ينعكس على الوجه كجمال مشع بالطمأنينة والصداقة والمحبة، هو الشاهد لنفسه ولو كان في وحدته.
الثقة بالنفس هادئة وجميلة وعفوية كنعاس رضيع أو ولادة وردة في الليل قرب جدار، لذلك قال أهلنا البسطاء” ولية سبع ولا ولية بعر”:
ان تقع في قبضة شجاع أفضل الف مرة من أن تقع قي قبضة جبان.
الجبان استعراضي وخائف وبلا مصدات داخلية واقية من التدهور، في حين ان الشجاع يقف عاجزاً عن الانتقام والاذلال لأن قيم الرحمة والمروءة واللاقصاص والعدل والشفقة واللاإنتقام واحترام الكرامة البشرية والعفو والغفران والتسامح تمنع الانزلاق وتحول دون التبجح والاستعراضية.
كل استعراضي في هذه وفي غيرها جبن. اذا كانت الضحية تتماهى مع جلادها في التعذيب،
فلا شك تتماهى معه في سلوكيات أخرى كنزعة السيطرة والغطرسة وملكية السلطة والاحتكار وعقلية الحيازة…والخ.
الأخطر من ذلك عندما تنتقل هذه الضحية من الهامش الى السلطة، من الضحية الى الجلاد وفي غياب حصانة فكرية عميقة ومصدات أخلاقية واقية وحقيقية ـــ توفرت في مانديلا، غاندي، جيفارا ــــ مثلا، فسوف تمارس كل اساليب جلادها الأصلي بل تتفوق عليه في الخسة والحقارة، حتى يصبح الجلاد، الدكتاتور، مقارنة بها، كملاذ منقذ من هذا التدهور في نظر شريحة من الجمهور.
الضحية المتحولة الى جلاد أكثر خطورة من جلادها لأنها تعرف عن تجربة موقع الألم واحاسيس الذل التي اختبرتها وتعرف جيداً أين تكون الضربة الموجعة.
لا تتفوق عليه في التعذيب وفي حيازة السلطة فحسب بل تتفوق عليه في المظاهر، مظاهر السلطة والعيش، من طوابير حراسة، وقصور مريشة، الى الثراء الفاحش، وكل طقوس السلطة البدائية والفجة المعروفة،
وتصل ذروة النشوة عندما تسكن في قصور جلادها، لكي تعيش متعتين: متعة النصر، ومتعة التنفيس عن الاذلال، من أجل التخلص من عقدة الشعور بالدونية مع ان النصر الحقيقي في بناء دولة العدالة والقانون.
كلاهما ـــ النصر والاذلال ــــ على خلفية سلوك سياسي فاشل ومتخلف وأهوج، يجعلان صورتها تتقدم الى الامام، في حين تتوارى صورة الجلاد أو الدكتاتور في الخلف،
وفي لحظات يأس الناس تتقدم صورة الدكتاتور بالمقارنات وتصبح صور أيامه من” الزمن الجميل” كما هو سائد هذه الايام عندما عاد الناس الى” تلك الأيام”،
وأبعد من ذلك الى زمن صور الابيض والأسود وهو زمن وضوح الصورة كما لو ان الحياة خلت من الالوان ولا منقذ غير ” رجل قوي” وليس مؤسسة عادلة بنظام ديمقراطي. فكرة الرجل القوي المنقذ من أهم مصادر الدكتاتورية وهي نتاج السلطة الأبوية Patriarch الذكورية.
هذا التحول من ضحية الى جلاد وفي حالات بالعكس هو ما يطلق عليه كتاب ونقاد الرواية ، خطأً، بـــــــــــــ” تفكك أو قلق الهوية” وهو في الحقيقة ” إنهيار القناع” أو البيرسونا من قاموس المسرح حسب عالم النفس كارل يونغ. سواء في السلطة أو خارجها ما يتفكك وينهار هو القناع أو الدور والواجهة المخصص للتعامل مع الآخرين ولم تعد ظروفه موجودة لذلك يتلاشى والقناع ليس الهوية كما يخلط البعض لذلك المقالات والروايات عن “تفكك وقلق وانهيار وتمزق وتخلخل” الهوية العراقية وشهادات الدكتوراة استعارة من مفاهيم نقدية غربية جاهزة مستهلكة عن ثقافة وظروف مختلفة ولا تفرق بين الهوية والبيرسونا او القناع.
هذه الضحية المتسيدة والمتنمرة مهما بالغت في البذخ والغطرسة والجاه والاتباع، لكنها تعيش، كل لحظة، مشاعر الشعور بالدونية والحقارة الداخلية،
دونية يوم كانت ضحية، ودونية يوم صارت سلطة، كلاهما وضع مشوه.
فكيف تتخلص من الدونيتين؟ الاحتفالات، طقوس التكريم، مواكب المرور الصاخبة، الولائم، خطابات الاصلاح، عمليات” الاحسان” المصور والمنظم والاحتفالي وكل اساليب الرذيلة عندما ترتدي ثياب الفضيلة.
من أي شيء تخاف هذه الضحية المتحولة؟ من صرخة، من عبارة، من وخزة عابرة، ومن كلام غامض عن نهاية الظلم لأنها تقرأ رسائل يومية مشفرة في كل كلام أو حركة أو علامة عفوية تعيش على هاجس مخيف من الآتي والقادم وغير المتوقع،
من الانكشاف والفضيحة لأن هذه ذهنية اللص والنصاب لذلك يحرص اللصوص الكبار في السلطة على التمسك بوزارة الداخلية والأمن والمخابرات والسلطة القضائية للحماية من العقاب.
عالم هؤلاء الداخلي، رغم كل استعراض القوة والبذخ والغطرسة والتباهي الأجوف ، كل مظاهر الجاه، هش ومنخور ومتهالك وفي حياة نفسية تعتبر محرقة تعوض بالتمثيل والبحث عن اعوان واطراء لان ليس في داخلها ما يسندها سوى العطب والاحتقار الذاتي والخوف والفزع من الانكشاف وانهيار القناع.
عند التغيير ما لم يقم الضحايا ببناء مؤسسات قانونية ونظام ديمقراطي تعددي شفاف ، سيتجهون حالا نحو بناء دولة بوليسية وحشية للثأر وليس للتنمية والحداثة.
كل الثورات الكبرى وقعت في هذا المطب: الثورة الروسية والفرنسية اقامت المجازر ولم تنجح سوى الثورة الامريكية بسبب المحكمة العليا المستقلة التي اوقفت الحرب الاهلية.
تسعى الضحية بعد التحول بكل الوسائل لكي تخرس هذه الاصوات والعلامات والاشارات، وهنا يقع ما هو أسوأ:
هذه الاصوات الساخطة لا تعود تصدر من الخارج فحسب بل من أعماق الجلاد الجديد، وكما البلاد تتهالك وتتداعى، هو أيضا يتهالك ويتداعى لكنه عاجز عقلياً واخلاقياً عن الربط بين التداعيين،
وفي لحظة صحو أو يقظة عادية يكتشف ان القوة وهم، وإلا لما كان هو يسكن في قصور متروكة،
لكنه عبر الحد الفاصل بينه وبين الناس وليس عليه سوى مواصلة الدور.
لهذا السبب كنا نقول ، بل وضعنا كتاباً ” أوهام القبض على الدكتاتور، 2005 ” ان الدكتاتور لا يموت بل يتناسل ” حارس السلالة، رواية 2008 ” لأنه ليس فرداً، بل منظومة قيم ، وأنساق ثقافة، وعقلية وطريقة تفكير.
من المستحيل تجنب الارتطام يوماً، يمكن التأجيل، لكن صخرة السلطة التي تدحرجت من قمة الجبل، ولن يوقفها سوى الحضيض، وفي هذا السقوط ستجرف معها الكثير، الكثير.
وكما يقول المثل الانكليزي: أعط الوقت وقتاً. لقد زرع الجلاد الاصلي صورته في نفوس ضحاياه سواء عرفوا ام لا لطول الوقت والقسوة والكبت والتكرار لكن بنسخ أكثر رداءة منه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى