رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب :نهاية حراس الخراب

ــــ يجب على النخبة المثقفة أن تدرك أن الحقيقة ليست دائما شعبية وأنه من واجبهم معارضة آراء الجماهير” جوليان بندا، ترجم بعنوان” خيانة المثقفين” والعنوان الأصلي” خيانة الكهنة”.
كما انقرضت مهن كثيرة كساعي البريد والمسرح والسينما وشرطي المرور و عمال محطات الوقود وغيرها من بعض الدول وحل مكانها الحاسوب ، وبقاء هذه المهن في دولنا، لكن من الواضح ان “مثقف الخراب” عندنا لم ينقرض تماماً بل بدل جلده وظهر لنا بطبعة جديدة .
أطلق عليه البروفسور المغربي عبد الاله بللقزيز في كتابه ” نهاية الداعية” مما أصاب حراس النوايا والأوصياء بالجنون بعد ان قال لهم ان مهنتهم بارت كسلعة قديمة ودخل منافسون جدد كعلماء وخبراء وأطباء وغيرهم ولم تعد حكايات الداعية تصلح حتى لتسلية الأطفال قبل النوم.
المثقف بالمعنى الواسع للمثقف منتج معرفة جديدة ومشروع بديل وولاء للحقيقة فقط وليس عنصر تهدئة بل عنصر تحريك للمياه الراكدة.
أما الأحزاب الثور ــــ ية فليس الحال أفضل من حال مثقف السلطة:
كل الأحزاب المعارضة ، في الظاهر معارضة وفي الجوهر صراع على السلطة والثروة والعقل السياسي نفسه ،
لم تعد بحاجة الى المثقف مع انها لم تنتج سوى المثقف المبشر الوعظي الداعية الدنبكجي حارس النوايا الذي كان يفسر اللامفسر وحامل الاجوبة لكل الاسئلة ومالك الحقيقة والشرف والتاريخ وبائع الاوهام لاجل الكسب،
وليس المثقف العضوي النقدي،
بل تحتاج الممول والى قناة شيخ خليجي لم يعد رجعيا في خطاباتها السابقة، بل الى تمويل من منظمة أمريكية تحت غطاء” دعم الديمقراطية” لان الرأسمالية لم تدخل طور التوحش بل تحولت الى منظمة لحماية الطيور والفراشات ومن العنف الشرقي، وتحتاج الى شيخ قبيلة أفضل من مثقف مشاكس مزعج، حرون، متمرد،
لان الأحزاب كالسلطة أفلست كمشروع وكلغة وبديل، فماذا يروج المثقف؟
حتى هؤلاء ــــ المثقفون ــــ انتهوا نهايات حزينة مع افلاس أحزابهم، فريق صار محللاً إستراتيجياً على القنوات في كل شيء: من تحليل البصل الى تحليل الثقب الأسود، ومن تفكيك عناصر الفستق الى احتمال حرب كونية بقشور البطيخ ، وبعض هؤلاء من عرفاء الاعاشة في النظام السابق الذين صاروا جنرالات وخبراء في قضايا الامن واذا تطلب الامر في قضايا السرير والشعر وفوائد الزنجبيل .
هؤلاء عند الاختلاف يحتمون بالجماهير كما لو ان المختلف ديك يبيض أو بقرة تلد أرنباً، مع ان الحق في الاختلاف كالحق في الحرية والحياة والفكر والألم. وماذا سيحدث لو كنت مختلفا؟ لن ينكسر عود ثقاب واحد ولن تهب عاصفة ولن يتغير العالم ولن يصاب عصفور بالذعر لكن هؤلاء القطيع تربوا من الاحزاب على النسخ والاشباه والتلقين العام والخصاء العقلي مع ان تاريخ الثقافة والادب والفكر تاريخ اختلاف وحتى جسد الانسان مصمم على الاختلاف في الالوان والاذواق والمشاعر.
على هؤلاء الكف عن تضخيم أدوارهم وتأليه أنفسهم كأصحاب رسالة كونية وهو وهم أخطر من الشعوذة والنظر الى أنفسهم كمخلوقات إستثنائية بعد انهيار السرديات الكبرى . هذا العالم المركب والمعقد لا تفسره لغة السياسة الانشائية ولا عقلية التلقين بل هناك علوم جديدة توغلت في أعماق الكون والانسان والأرض.
الحياة نفسها مؤسسة على الاختلاف: الحياة والموت، الحر والبرد، الصحة والمرض، الليل والنهار والخ. طبعاً كلمة” مختلف” في عقلية الغوغاء والقطيع مرادفة للمرض والسوء والانحراف والخروج من” الجماعة” كما لو ان الحق يعرف بالجماعة لا بالحق نفسه.
الاحتكام الى رأي” الكل، الجماعة Argumentum ad populum مغالطة منطقية ونوع من التحايل بوضع الفرد في مواجهة جماعة.
فصيلة من هؤلاء انتقلت من السياسة الى الأدب للتعويض، وصار بعضهم شعراء في الغزل أو في الرواية، وكما خربوا لغة السياسة ـــ الجلافة والأدب عدوان ـــ خربوا لغة الأدب، لكن ليس وارداً في عقول كل هذه الأصناف والأطياف مراجعة أوهامهم الكبرى حيث صدقوا في مرحلة أنهم وكلاء التاريخ ، وفريق وكلاء الرب.
صنف حراس الايديولوجيا وصنف آخر حراس اليوتوبيا وكلاهما يحرسان الوهم والسراب ونسوا ان هذه العالم لم يعد حكرا على بضاعتهم السحرية بل دخل خبراء جينات وعلماء اجناس وطب وذرة وفيزياء وفضاء وارحام وخلايا والخ ولم تعد تفسيراتهم البلاغية الانشائية تفسر حتى عناصر اللبن ومكونات البرسيم أو الخس ، تلك التفسيرات التي دفعوا شباباً أنقياء للموت لأجلها في السجون بلا ثمن دون أن يحملوا سر ثورة بل معلومات تافهة يعرفها رجال الأمن من القيادات العليا نفسها بالتفصيل ولا تتجاوز محاضرات انشائية باهتة.
بعضهم ايضا من اختزل يومه في الجلوس في المقهى بالشوارب الثورية القديمة وتأمل صور الألبوم القديم، الأبيض والأسود، عن تاريخ لم يسفر إلا عن مجازر وعن ضياع وطن،
ويختزل في حكاياته لرفاق المقهى كل تاريخ العراق في مؤتمرات ومطاردات أمن وسجون وفلقة وخلافات حزبية،
كما لو لا حياة أخرى في البلد ، وليس هناك من يعيشون على الجانب الخلفي من المدن أو حافاتها، الذين كانوا يوماً يسمونهم: الجماهير التي انقرضت وحلت محلها حشود متعادية متناقضة متربصة وانقرض معها مفهوم” الشعب” الموحد على قضايا وطنية مركزية بل تحولنا الى حارات وشوارع ومدن ومنظمات وعصابات ومافيات وكازينوات ومصارف غسل الاموال والخ.
الجماهير التي تفتح باب الحظيرة في الصباح ، نهاية زمن الشعارات الكبرى، وتعود منهكة في المساء من المرعى لكي تأكل وتنام بلا حياة ولا أحلام.
المثقف منتج معرفة جديدة ومشروع بديل وولاء للحقيقة فقط وليس عنصر تهدئة بل عنصر تحريك للمياه الراكدة وليس ذلك الببغاء الملقن او العرضحلجي ـــــــــــــــ الكاتب العمومي امام المؤسسات ـــــــــــــ الذي يفسر كل شيء بلغة السياسة دون أن يفسر شيئاً.
فريق من هؤلاء ـــــــــــــــــ وهم أطياف ــــــــــــــ احترم نفسه وتاريخه وانزوى يروي للصغار بطولاته ايام زمان من الاختباء في التنور الى الاختفاء في جحر جبلي هادئ وآمن وفر له صفة مناضل مع راتب خدمة نضالية في سنوات كان آلاف يتساقطون في الحروب والسجون والمنافي والحصار.
فصيلة من هؤلاء انتقلت من السياسة الى الأدب للتعويض، وصار بعضهم شعراء في الغزل أو في الرواية،
وكما خربوا لغة السياسة المصممة على الكذب والدونية والوصم، خربوا لغة الأدب، لكن ليس وارداً في عقول كل هذه الأصناف والأطياف مراجعة أوهامهم الكبرى حيث صدقوا في مرحلة أنهم وكلاء التاريخ ، وفريق وكلاء الرب وهم الأسوياء وحدهم مع مختلفين منحرفين عن الحقيقة والتاريخ والطبقة والرفيق والافتتاحية والتوجيه.
صنف حراس الايديولوجيا وصنف آخر حراس اليوتوبيا وكلاهما يحرسان الوهم والسراب ونسوا ان هذه العالم لم يعد حكرا على بضاعتهم السحرية بل دخل خبراء جينات وعلماء اجناس وطب وذرة وفيزياء وفضاء وارحام وخلايا والخ ولم تعد تفسيراتهم البلاغية الانشائية تفسر حتى عناصر اللبن ومكونات البرسيم أو الخس ، تلك التفسيرات التي دفعوا شباباً أنقياء للموت لأجلها بلا ثمن .
بعضهم من اختزل يومه في الجلوس في المقهى بالشوارب الثورية القديمة وتأمل صور الألبوم القديم، الأبيض والأسود، عن تاريخ لم يسفر إلا عن مجازر وعن ضياع وطن،
ويختزل في حكاياته لرفاق المقهى كل تاريخ العراق في مؤتمرات ومطاردات أمن وسجون وفلقة وخلافات حزبية،
كما لو لا حياة أخرى في البلد ، وليس هناك من يعيشون على الجانب الخلفي من المدن أو حافاتها الذين كانوا يوماً يسمونهم: الجماهير التي انقرضت اليوم وتحولت الى حشود متعادية متحاربة ومات مفهوم الشعب الموحد على قضايا وطنية عامة.
صارت الحشود تفتح باب الحظيرة في الصباح ، نهاية زمن الشعارات الكبرى، وتعود منهكة في المساء من المرعى لكي تأكل وتنام بلا حياة ولا أحلام ولا جسد بل تنام مع كوابيس

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى