رؤي ومقالات

د. عبد الرحيم جاموس يكتب :من إدانة الاستيطان إلى فرض الكلفة…

هل بدأ المجتمع الدولي بتحويل الاستعمار الإسرائيلي من مخالفة بلا ثمن إلى مشروع مكلف؟

يمثل موقف اثنتي عشرة دولة، من بينها بريطانيا وفرنسا وكندا، تحولًا يتجاوز الإدانة السياسية إلى محاولة فعلية لفرض كلفة على الاستيطان.

فقد أعلنت الدول الموقعة فرض قيود على تجارة السلع المنتجة في المستعمرات المقامة على الأراضي الفلسطينية المحتلة، وربطت ذلك بحماية حل الدولتين ومواجهة مخططات الضم والتهجير. كما وضعت مشروع E1 في صلب تحركها، نظرًا إلى ما ينطوي عليه من تهديد للتواصل الجغرافي بين أجزاء الضفة الغربية ولمقومات قيام الدولة الفلسطينية.

وتكمن أهمية هذه الخطوة في انتقالها من مجرد الاعتراف بعدم شرعية المستعمرات إلى الحد من استفادتها من التجارة والاستثمار والتمويل والتأمين والأسواق الدولية.

وعليه، ينبغي أن يتجاوز الترحيب الفلسطيني بهذه الخطوة حدود الإشادة، وأن يتجه إلى المطالبة بتوسيع نطاق الإجراءات لتشمل الشركات والمصارف وشركات التأمين والمستثمرين المشاركين في بناء المستعمرات أو تمويلها، بما يجعل الاستثمار فيها مكلفًا قانونيًا واقتصاديًا.

فحظر بعض المنتجات سيظل محدود الأثر، في حين يمكن لمنظومة متكاملة لعزل الاقتصاد الاستعماري أن تتحول إلى أداة ضغط حقيقية، تبدأ بالمنتجات والخدمات وتمتد إلى الاستثمارات والمؤسسات المالية.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية إضافية في ظل مشروع E1، الذي يهدد بإعادة تشكيل جغرافية الضفة الغربية وتقويض إمكانية قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة. كما أن توسيع بريطانيا إجراءاتها لتشمل جهات وأفرادًا مرتبطين بالاستيطان، إلى جانب الرد الإسرائيلي الدبلوماسي، يؤكدان انتقال المسألة من نطاق الخطاب السياسي إلى مستوى الاحتكاك الفعلي.

ومع ذلك، لا ترقى الإجراءات الحالية إلى مستوى العقوبات الشاملة، كما أن حجم تجارة منتجات المستعمرات لا يزال محدودًا. ومن ثم، فإن قيمتها الراهنة تظل سياسية وقانونية وتأسيسية أكثر منها اقتصادية.

والمطلوب فلسطينيًا هو الانتقال من التلقي إلى الفعل، من خلال استراتيجية قانونية واقتصادية تحدد الشركات والمؤسسات المتورطة، وتوثق علاقاتها، وتحيل الملفات إلى الحكومات والمحاكم والهيئات الدولية، مستفيدة من قواعد القانون الدولي ومن الرأي الاستشاري لمحكمة العدل الدولية.

لا يكفي أن نقول للعالم إن الاستيطان غير قانوني؛ بل علينا أن نساعده على تحديد كلفة التعامل معه.

ويتمثل التحدي في منع تحويل الاستيطان إلى واقع دائم، والاحتلال إلى ضم، والضم إلى أمر واقع. وتكمن الأهمية الأبرز للتحرك الدولي في أنه يبعث برسالة واضحة:

لا شرعية للضم، ولا حصانة للاستيطان، ولا ينبغي أن يتحول الاحتلال إلى نشاط اقتصادي طبيعي.

لقد اعتاد المشروع الاستعماري سماع الإدانات ومواصلة التوسع. أما المطلوب الآن، فهو تحويل الإدانة إلى سياسة، والسياسة إلى إجراء، والإجراء إلى كلفة، والكلفة إلى رادع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى