رؤي ومقالات

محمد خالد الحسيني يكتب :الضالع ليست خارج الدولة .. لكن الدولة ليست فوق الضالع

ما حدث اليوم في الضالع يستحق أن يُقرأ بهدوء، لا بعقلية الاصطفاف: هذا مع الضالع وهذا ضدها.

فالضالع أكبر من ذلك، أبناء الضالع الذين صنعوا تاريخاً من التضحيات في مواجهة الحوثيين، وقدموا الشهداء والجرحى، ليسوا بحاجة إلى شهادة وطنية من أحد، لكنهم في الوقت ذاته ليسوا بحاجة إلى أن تتحول محافظتهم إلى ساحة رسائل متبادلة بين القوى السياسية والعسكرية.

السؤال ليس فقط: لماذا جاء وزير الدفاع إلى الضالع؟ بل: لماذا تحولت الزيارة إلى هذه الزوبعة؟ ومن المستفيد؟ وماذا كسبت الضالع، وماذا خسرت؟

وفق الرواية الرسمية، وصل وزير الدفاع الفريق الركن طاهر العقيلي إلى الضالع في زيارة ميدانية لجبهات القتال، برفقة المحافظ وقائد محور الضالع اللواء أحمد قائد القُبّة، وعدد من القيادات العسكرية، للاطلاع على أوضاع المقاتلين وسير العمليات ومستوى الجاهزية في مواجهة الحوثيين.

وجاءت الزيارة بالتزامن مع تجدد المواجهات في عدد من قطاعات الجبهة، ما يمنحها تفسيراً عسكرياً مباشراً.

ومن هذه الزاوية، ليس غريباً أن يزور وزير الدفاع إحدى أكثر الجبهات نشاطاً، لكن السياسة لا تقرأ الأشياء من زاوية واحدة.

فالزيارة جاءت في مناخ جنوبي شديد الحساسية، وبعد توترات سياسية وعسكرية ومشاعر غضب لدى فئات من أبناء الجنوب.

لذلك قد يكون توقيت الزيارة قابلاً للنقد، وقد تكون هناك ترتيبات سياسية ومحلية كان ينبغي أن تسبقها، لكن ذلك لا يعني أن زيارة وزير الدفاع لجبهة الضالع أصبحت جريمة.

وزير الدفاع ليس وزيراً لمنطقة دون أخرى، والجبهة العسكرية ليست ملكاً لمحافظة بعينها، وإذا كانت الضالع جزءاً من منظومة الدولة، فمن حق وزير الدفاع وواجبه أن يزور جبهاتها.

وفي المقابل، إذا كانت الضالع جزءاً من هذه الدولة، فمن حق أبنائها أن يسألوه: أين حقوق الجرحى؟ أين مستحقات الشهداء؟ ماذا عن الرواتب؟ أوضاع المقاتلين؟ خطط الدفاع عن الجبهة؟ وحدود المهام العسكرية المطلوبة من أبنائها؟ وهنا كان يمكن أن تتحول الزيارة من مشكلة إلى فرصة.

المشكلة ليست في الاعتراض، فالاعتراض والسؤال والمطالبة بالحقوق كلها حقوق مشروعة، لكن هناك فرقاً بين احتجاج سياسي يضغط لتحقيق مطالب، وبين تحويل الاحتجاج إلى حصار لموكب وزير الدفاع وقطع للطرق وتصعيد مسلح.

وقد تحدثت مصادر محلية عن قطع طرق واعتراض موكب الوزير، وأخرى عن اشتباكات وسقوط جرحى في صفوف حراسته، وهي أمور لم تتأكد بصورة مستقلة حتى إعداد هذه القراءة.

وهنا تكمن المشكلة: المحتج الذي يملك قضية عادلة قد يخسر جزءاً كبيراً من التعاطف معها عندما تصبح الوسيلة أقوى من القضية.

فبدلاً من أن يتحدث الناس عن حقوق الجرحى ورواتب العسكريين وأسر الشهداء، أصبح الحديث عن: من حاصر الوزير؟ ومن قطع الطريق؟ وهل احتُجز؟ ومن أطلق النار؟ كان يمكن أن يكون المشهد مختلفاً تماماً.

وزير الدفاع يصل إلى الضالع، فيستقبله وفد يمثل الجرحى والشهداء والعسكريين والسلطة المحلية، وتوضع أمامه ملفات محددة: الرواتب، الجرحى، أسر الشهداء، التسليح، الجاهزية، التعويضات وأوضاع القوات المرابطة في الجبهة.

ويقال له ببساطة: نحن لا نعترض على زيارة جبهة الضالع، بل نريد أن تكون زيارتك بداية لمعالجة مشكلاتها.

أي رسالة كانت ستكون أقوى؟ حصار الموكب، أم إلزام الوزير بالجلوس والاستماع إلى أبناء المحافظة؟ وأي صورة كانت ستخرج بها الضالع؟ صورة محافظة غاضبة، أم محافظة قوية تعرف ماذا تريد وكيف تحصل عليه؟ وهنا يظهر السؤال الأصعب: من المستفيد؟

لا أعتقد أن من الحكمة توجيه الاتهام إلى جهة بعينها من دون دليل، لكن السياسة تُقرأ أيضاً بالنتائج.

ومن النتائج أن الضجيج نقل المشهد من زيارة عسكرية إلى أزمة سياسية وأمنية، وهو ما يخدم، بشكل مباشر أو غير مباشر، كل طرف يريد إظهار أن معسكر الشرعية والقوى المناهضة للحوثيين غير متماسكة، أو تصوير الجنوب كساحة صراع بين مكونات لا يجمعها مشروع واحد، أو القول إن مؤسسات الدولة لا تستطيع التحرك بحرية داخل مناطق يفترض أنها تحت سيطرتها.

والأخطر أن تتحول المعركة من: الدولة ضد الحوثي، إلى: الجنوبي ضد الشمالي، والمحلي ضد المركزي، والعسكري ضد العسكري.

لكن هل كل من اعترض كان مدفوعاً من الخارج؟ ليس بالضرورة، قد تكون هناك مطالب حقيقية، وغضب حقيقي، ومظالم حقيقية، لكن وجود المظلمة لا يعني أن كل من يدخل على خطها بريء من التوظيف السياسي.

السياسة تعرف دائماً كيف تستثمر الغضب، ولهذا يجب ألا نهين المحتج الحقيقي، وفي الوقت نفسه ألا نكون ساذجين أمام من قد يحاول ركوب موجة الاحتجاج لتحقيق أهداف أكبر من القضية الأصلية.

وربما كانت زاوية اللواء أحمد القُبّة الأهم في المشهد، فهو ليس مجرد محافظ، بل محافظ الضالع وقائد محورها، وكان إلى جانب وزير الدفاع خلال الزيارة.

وهذا يضعه في موقع بالغ الحساسية بين الدولة والجيش والجبهة والمجتمع المحلي، قد يكون الرجل يحاول منع انفجار أكبر، أو الحفاظ على العلاقة مع وزارة الدفاع، أو عدم خسارة الشارع المحلي، وقد تكون هناك رسائل سياسية جرى تمريرها بعيداً عن الكاميرات.

لكن لا توجد أدلة كافية للجزم بأن ما جرى كان سيناريو مرتباً بين القُبّة وأي طرف آخر، والأقرب أن الرجل وجد نفسه في موقع توازن بالغ الصعوبة.

وفي كل الأحوال، فإن وجود المحافظ وقائد المحور إلى جانب وزير الدفاع يمكن أن يُقرأ كرسالة مهمة: الضالع ليست خارج الدولة، والدولة ليست في مواجهة الضالع.

وهذه المعادلة هي التي يجب ترسيخها، الضالع ليست منطقة معزولة، ولا ينبغي أن تكون، هي جزء من وطن، وجزء من جغرافيا أكبر، وجبهة من جبهات الحرب، وفي الوقت نفسه محافظة لها خصوصيتها وسلطتها المحلية وحقوقها.

الانتماء إلى الوطن لا يعني إلغاء الخصوصية المحلية، والخصوصية المحلية لا تعني إسقاط الدولة .. الضالع ليست فوق الدولة، والدولة ليست فوق حقوق الضالع.

إذا أرادت الدولة من أبناء الضالع أن يدافعوا عن الجبهة، فعليها أن تدافع عن حقوقهم، وإذا أراد أبناء الضالع حقوقهم، فعليهم أن يطالبوا بها بطريقة تجعل الدولة مضطرة للاستجابة، لا بطريقة تمنحها مبرراً للانشغال بالأمن بدلاً من الحقوق.

ومن الصراحة القول إن الجميع خسر شيئاً، وزارة الدفاع خسرت جزءاً من صورة الحضور المؤسسي في إحدى أهم الجبهات.

والسلطة المحلية وجدت نفسها أمام اختبار صعب، والمحتجون ربما نجحوا في إيصال رسالة غضب، لكنهم خاطروا بتحويل قضيتهم إلى قضية أمنية.

والضالع نفسها خسرت شيئاً من صورتها كجبهة صلبة ومنضبطة تستطيع أن تفرض مطالبها بالقوة السياسية والمجتمعية لا بالفوضى.

أما المستفيد الحقيقي، فقد يكون الطرف الذي يتمنى أن يرى هذه القوى تتقاتل فيما بينها، المفارقة أن الضجة غطت على السؤال الحقيقي: كيف نحمي الضالع؟ كيف نحمي جبهتها؟ كيف نضمن حقوق مقاتليها؟ كيف نعالج جرحاها؟ كيف نحفظ حقوق أسر شهدائها؟ كيف نرفع مستوى تسليحها؟ وكيف نضمن ألا تكون المحافظة مجرد خزان بشري للقتال، وفي الوقت نفسه ألا تتحول الجبهة إلى منطقة نفوذ منفصلة عن مؤسسات الدولة؟ هذه هي الأسئلة الحقيقية.

كان يمكن تحويل الأزمة إلى انتصار لو استُغل وجود الوزير لرفع مطالب واضحة، ونُظِّم لقاء عاجل مع ممثلي الجرحى والشهداء والعسكريين، واستمع الوزير إلى الملفات وأصدر توجيهات بشأنها.

كان يمكن أن تقول الضالع: نحن لا نرفض الدولة، نحن نريد دولة تحمي أبناءنا، وكان يمكن لوزير الدفاع أن يقول: نحن لا نأتي إلى الضالع لنأخذ من أبنائها، بل جئنا لنستمع إليهم ونحمي جبهتهم.

تلك كانت ستكون الرسالة الأقوى، لكن عندما تتحول الزيارة إلى حصار، يصبح الجميع أسيراً للحظة، والسياسة لا تُبنى على اللحظة، بل على النتائج.

الضالع قدمت الكثير في الحرب، ولا يجوز أن تخسر اليوم بسبب سوء إدارة خلاف سياسي، الخسارة الأولى أن تُهمل حقوق أبنائها، والخسارة الثانية أن تتحول مطالبهم إلى ذريعة لصراع جديد داخل البيت الواحد.

ولهذا تقع المسؤولية على الجميع: على وزارة الدفاع أن تفهم أن الجندي ليس رقماً في كشف القوة، وأن المحافظة التي تقدم أبناءها للجبهة تستحق اهتماماً يتجاوز الزيارات البروتوكولية.

وعلى السلطة المحلية أن تكون جسراً بين الدولة والمجتمع، لا مجرد طرف في الصراع، وعلى القوى السياسية أن تتوقف عن تحويل كل احتجاج شعبي إلى وقود لمعاركها الخاصة.

وعلى أبناء الضالع أن يدركوا أن قوة المحافظة ليست في قدرتها على إغلاق الطريق أمام وزير، وإنما في قدرتها على فتح أبواب القرار أمام مطالبها.

والأهم: لا تجعلوا الضالع تخسر مرتين؛ مرة حين يُهمل حقها، ومرة حين يُساء التعبير عن هذا الحق.

فالضالع برجالها الأحرار ليست بحاجة إلى الفوضى كي تثبت قوتها، هي بحاجة إلى أن تعرف ماذا تريد، وأن توحد صوتها حوله، وأن تجعل من حضور وزير الدفاع فرصة لانتزاع الحقوق لا مناسبة لإهدارها.

أما من أراد أن يجعل من الضالع ساحة لتصفية حسابات الآخرين، فالسؤال الذي يجب أن يُطرح في وجهه: ماذا سيبقى للضالع بعد انتهاء الضجيج؟ هل سيبقى معها راتب جندي؟ أم علاج جريح؟ أم حق أسرة شهيد؟ أم جبهة أكثر قوة؟ أم مجرد مقطع مصور، وطريق مقطوع، وموكب محاصر، وحكاية جديدة عن انقسام اليمنيين على أنفسهم؟ هذه هي المعركة التي تستحق أن تخوضها الضالع.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى