
هناك لحظات في التاريخ لا تسقط فيها الأنظمة السياسية دفعة واحدة، ولا تُعلن نهايتها ببيان رسمي، وإنما تفقد تدريجيًا قدرتها على إنتاج التوازن، ثم تكتشف متأخرة أن الآخرين بدأوا يعيدون رسم الخريطة من حولها.
ربما يمر النظام العربي الآن بهذه اللحظة.
…
المسألة لم تعد أن دولة عربية ضعفت، أو أن دولة أخرى خسرت نفوذًا، أو أن قوة إقليمية صعدت. هذه قراءة جزئية لمشهد أكبر بكثير.
ما يتشكل في الشرق الأوسط هو تحول من نظام إقليمي كانت الدول العربية تمثل كتلته الديموغرافية والسياسية الأساسية، إلى نظام متعدد المراكز تتنافس على هندسته إسرائيل وتركيا وإيران، بينما تتحول الدول العربية بصورة متزايدة من صانعٍ للنظام إلى متكيف معه.
وهنا تكمن خطورة اللحظة.
فالفراغ الجيوسياسي ليس مساحة خالية.
الفراغ نفسه يصبح قوة عندما يعجز صاحبه عن ملئه.
….
من النظام العربي إلى الشرق الأوسط متعدد المراكز
لسنوات طويلة، كان يُنظر إلى الشرق الأوسط باعتباره مجالًا لصراع عربي/ إسرائيلي، ثم تحول تدريجيًا إلى ساحة تنافس إيراني / عربي، قبل أن تدخل تركيا بثقلها المتزايد، وتعيد إسرائيل تعريف أمنها ونفوذها خارج حدود الصراع التقليدي.
لكن هذه المرحلة انتهت تقريبًا.
نحن أمام شرق أوسط مختلف، لا توجد فيه قوة واحدة تستطيع احتكار الإقليم، وإنما ثلاث قوى إقليمية رئيسية تحاول كل منها بناء نموذجها الخاص..
#إسرائيل تريد شرقًا أوسط أمنيًا تتحكم فيه موازين القوة والتفوق التكنولوجي والشبكات العسكرية.
#إيران بنت شرقًا أوسط ممتدًا عبر النفوذ والشبكات المسلحة والسياسية، أكثر منه عبر السيطرة المباشرة على الأراضي.
#تركيا تتحرك نحو نموذج مختلف: نفوذ مركب يجمع الجغرافيا والاقتصاد والقوة العسكرية والدبلوماسية والشبكات السياسية.
..
لكن هناك عنصرًا رابعًا أكثر أهمية من القوى الثلاث..
العجز العربي عن إنتاج مركز ثقل مقابل.
وهذا هو المتغير الذي قد يعيد تعريف المنطقة كلها.
#السعودية: الدولة التي تبحث عن منظومة أمن جديدة
السعودية ليست دولة منهارة، ولا يصح اختزالها في ذلك.
على العكس؛ فهي تمتلك من عناصر القوة الاقتصادية والسياسية والدينية والجغرافية ما يجعلها إحدى أهم دول المنطقة.
لكن المشكلة تكمن في أن حجم الدولة لا يتطابق دائمًا مع قدرتها على إنتاج الأمن الإقليمي.
الحوثيون مثال شديد الدلالة.
فالقضية ليست فقط في القدرات العسكرية للحوثيين، وإنما في تمكن فاعل غير دولتي من فرض نفسه داخل الحسابات الأمنية لدولة بحجم السعودية.
وهنا يتغير السؤال:
هل تستطيع الدولة السعودية حماية مجالها الحيوي منفردة، أم أنها تحتاج إلى بناء شبكة أمن إقليمي جديدة؟
التقارب السعودي مع تركيا وباكستان يمكن قراءته في هذا السياق، ليس بوصفه تحالفًا تقليديًا جديدًا بالضرورة، وإنما باعتباره بحثًا عن هندسة أمنية بديلة في بيئة لم تعد فيها المظلة التقليدية كافية.
لكن اختبار أي ترتيبات من هذا النوع لن يكون في البيانات السياسية، وإنما في لحظة الخطر.
#الإمارات: الخروج من النظام العربي إلى هندسة النفوذ
الإمارات اتخذت مسارًا مختلفًا منذ سنوات.
فهي لم تعد تتحرك فقط باعتبارها دولة خليجية داخل منظومة عربية، وإنما باعتبارها عقدة نفوذ مستقلة تتقاطع فيها المصالح الاقتصادية والأمنية والجيوسياسية.
والعلاقة مع إسرائيل جزء من هذا التحول.
لكن قراءة أبوظبي باعتبارها «تابعة» لإسرائيل قد تكون تبسيطًا مخلًا؛ فالدولة التي تبني شبكة علاقات واسعة من إسرائيل إلى الهند وأفريقيا وغيرها، لا تبحث بالضرورة عن التبعية بقدر ما تبحث عن تعظيم قدرتها على الحركة داخل نظام دولي وإقليمي متغير.
وهذا بالضبط ما يجعل الحالة الإماراتية مختلفة عن بقية النظام العربي.
#مصر: أزمة الدور قبل أزمة القوة
مصر هي الحالة الأكثر حساسية.
ليس لأنها فقدت عناصر القوة، وإنما لأن هناك فجوة متزايدة بين وزنها الموضوعي وبين قدرتها على تحويل هذا الوزن إلى نفوذ إقليمي فعال.
غزة، السودان، ليبيا، والبحر الأحمر، فضلًا عن سد النهضة، ليست ملفات منفصلة.
إنها جميعًا تقع على تخوم الأمن القومي المصري.
لكن المشكلة الاستراتيجية لا تتمثل فقط في نتائج هذه الملفات، وإنما في الصورة التي تنتجها هذه النتائج عن الدولة المصرية وقدرتها على المبادرة.
في الجغرافيا السياسية، الصورة ليست مسألة إعلامية هامشية.
الدولة التي تفقد قدرتها على إقناع الآخرين بأنها قادرة على الفعل تبدأ في فقدان قدرتها على الردع، حتى لو ظلت تمتلك جيشًا واقتصادًا ومؤسسات.
وهنا يصبح استعادة الدور المصري مسألة تتجاوز السياسة الخارجية.
إنها مسألة إعادة بناء المصداقية الاستراتيجية للدولة.
الأردن وسوريا: الجغرافيا التي تفرض الحذر
الأردن يملك موقعًا يجعله محكومًا بتوازنات أكبر من قدرته على المناورة.
وسوريا الجديدة تواجه معادلة أكثر تعقيدًا.
فبعد سنوات الحرب والانهيار، أصبحت الأولوية الطبيعية لأي سلطة جديدة هي تثبيت الدولة ومنع الانزلاق إلى مواجهة شاملة.
لكن كثرة التحرشات والاعتداءات الإسرائيلية تطرح سؤالًا مختلفًا:
إلى متى يستطيع نظام إقليمي أن يعيش بمنطق تجنب الصدام مع قوة لا تتوقف عن إعادة تعريف حدود أمنها بالقوة؟
هذه ليست مسألة سورية وحدها.
إنها إحدى علامات التحول من شرق أوسط كانت فيه إسرائيل طرفًا في النظام إلى شرق أوسط تسعى فيه إسرائيل إلى تحديد قواعد النظام نفسه.
إيران: النفوذ الذي لا يحتاج إلى احتلال
هنا ينبغي الحذر من المبالغة.
إيران لم تفرض سيطرتها على الشرق الأوسط كله، ولا تستطيع ذلك.
لكنها فعلت شيئًا أكثر ذكاءً من محاولة السيطرة المباشرة:
بنت قدرة على التأثير في دول متعددة دون أن تتحمل دائمًا تكلفة حكمها المباشر.
من لبنان إلى العراق واليمن وساحات أخرى، استطاعت إيران تطوير نموذج نفوذ يقوم على الشبكات أكثر مما يقوم على الحدود.
وهذا النموذج يمنحها ميزة استراتيجية:
يمكنها أن تكون حاضرة دون أن تكون موجودة رسميًا.
وهنا تكمن قوة «الذراع» في مقابل قوة «الدولة».
لكن هذا النموذج يحمل في الوقت نفسه نقطة ضعفه؛ إذ إن النفوذ القائم على الشبكات يمكن أن يتعرض للانكماش عندما تتغير البيئة المحلية أو الإقليمية.
لذلك فإيران ليست قوة منتصرة نهائيًا، وإنما قوة استطاعت حتى الآن تحويل هشاشة النظام العربي إلى فرصة استراتيجية.
الخليج: الثروة لا تنتج تلقائيًا قوة استراتيجية
أظهرت أزمات المنطقة أن امتلاك المال والسلاح والعلاقات الدولية لا يعني بالضرورة امتلاك الاستقلال الاستراتيجي.
الدول الخليجية تمتلك موارد هائلة، لكن أمنها لا يزال مرتبطًا بدرجة كبيرة بتوازنات القوى الكبرى.
وهنا يظهر أحد أكثر تناقضات الشرق الأوسط وضوحًا:
دول تمتلك بعض أعلى معدلات الدخل والإنفاق الدفاعي في العالم، لكنها لا تستطيع وحدها إنتاج منظومة أمن إقليمي مستقلة.
وهذا يعني أن الأزمة ليست في الموارد.
الأزمة في تحويل الموارد إلى استراتيجية.
المغرب العربي: قوة جغرافية بلا مركز مغاربي
في المغرب العربي توجد إمكانات استراتيجية ضخمة، لكن التشرذم الإقليمي يمنع تحويلها إلى كتلة مؤثرة.
الخلافات الجزائرية ـ المغربية، وتداعيات الأزمة الليبية، والتباينات داخل المجال المغاربي، كلها تجعل جزءًا مهمًا من العالم العربي خارج عملية بناء مركز قوة إقليمي موحد.
وهكذا يتكرر المشهد نفسه:
موارد موجودة، جغرافيا موجودة، سكان موجودون، لكن القدرة على إنتاج النظام غائبة.
الأخطر: أن إسرائيل وتركيا وإيران لا تحتاج إلى الاتفاق
قد يبدو للوهلة الأولى أن القوى الثلاث متناقضة إلى درجة تمنعها من تشكيل الشرق الأوسط.
وهذا صحيح.
لكنها لا تحتاج إلى الاتفاق كي تستفيد من ضعف النظام العربي.
هذه هي المفارقة.
إسرائيل تستفيد من تفكك البيئة العربية.
إيران تستفيد من تفكك البيئة العربية.
تركيا تستطيع توسيع مجال حركتها كلما تراجع المركز العربي.
ليس لأن هذه القوى تعمل في مشروع واحد.
بل لأن الفراغ الواحد يمكن أن تنتفع منه مشاريع متعارضة.
وهنا تصبح المنافسة بينها أقل أهمية، في لحظة معينة، من حقيقة أن الساحة التي تتنافس عليها لم تعد تمتلك مركزًا عربيًا قادرًا على فرض قواعدها.
هل انتهى النظام العربي؟
ليس بعد.
لكن شيئًا جوهريًا تغير.
النظام العربي لم يعد قادرًا، كما كان في مراحل سابقة، على تحويل الوزن العربي إلى قرار عربي.
وهذا فرق هائل.
قد تبقى جامعة الدول العربية، وقد تبقى الحدود والدول والجيوش والعلاقات الدبلوماسية، لكن النظام السياسي يمكن أن يبقى شكليًا بينما يتغير النظام الفعلي لتوزيع القوة.
وهذا ما قد يحدث الآن.
ربما لا نشهد نهاية النظام العربي، وإنما تحوله إلى نظام عربي بلا مركز.
ومن هذه النقطة تحديدًا يبدأ الخطر.
لأن المرحلة المقبلة لن تكون بالضرورة صراعًا بين إسرائيل وإيران وتركيا على الشرق الأوسط فقط.
قد تكون الصراع الحقيقي على سؤال آخر:
من سيكتب قواعد الشرق الأوسط الجديد؟
إذا عجز العرب عن كتابة جزء من هذه القواعد، فسوف يكتبها الآخرون.
وهنا لا يصبح الخطر في أن تنتصر إسرائيل، أو إيران، أو تركيا.
الخطر الأكبر أن ينتصر الفراغ.
فحين تفقد منظومة إقليمية مركزها، لا تختفي الجغرافيا.
تظهر قوى جديدة لملئها.
وقد يكون الشرق الأوسط الذي يتشكل الآن هو أول شرق أوسط منذ عقود لا ينتظر العرب كي يحددوا شكله