
السيطرة الحوثية والتحول الجيوسياسي
يشهد حوض البحر الأحمر ومضيق باب المندب منعطفاً جيو-عسكرياً تاريخياً خطيراً عقب إطباق جماعة الحوثي (أنصار الله) سيطرتها الميدانية الكاملة على الشريط الساحلي لمديرية ذوباب ودخول قواتها جزيرة ميون (بريم) الإستراتيجية في قلب المضيق.
هذا التموضع عطل التوازنات التقليدية وحوّل الأزمة من نزاع يمني داخلي إلى صراع إرادات دولي معقد؛ إذ باتت جماعة مسلحة تتحكم في ممر يمر عبره نحو 12% من حجم التجارة العالمية، مما أطلق جولة مواجهة عسكرية شاملة وعنيفة منذ مطلع سبتمبر الجاري وعطل سلاسل الإمداد الدولية.
أولاً: مواقف الأطراف الفاعلة والتأثيرات الإستراتيجية والاقتصادية
جمهورية مصر العربية:
المتضرر الأكبر اقتصادياً؛ حيث تؤدي المخاوف الأمنية في باب المندب إلى تراجع حاد في إيرادات قناة السويس جراء تحول السفن نحو طريق رأس الرجاء الصالح، مما دفع القاهرة لتشكيل “خلايا أزمة” سيادية لمراقبة الموقف.
المملكة العربية السعودية:
تواجه تهديداً مباشراً لرؤيتها الاقتصادية ومشاريعها على البحر الأحمر. واجهت الرياض الحظر الحوثي على سفنها بتغيير مسارات ناقلات أرامكو، وتفعيل الغارات الجوية المكثفة لإسناد القوات الحكومية اليمنية، مع حشد “تحالف بحري إقليمي” بالتعاون مع تركيا وباكستان لحماية أمن الطاقة.
الولايات المتحدة الأمريكية:
تتبنى إدارة الرئيس دونالد ترامب حذراً شديداً لتفادي التورط في حملة عسكرية برية مفتوحة باليمن، مقتصرةً على قيادة عمليات اعتراض الصواريخ والمسيرات في خليج عدن، وتقديم الدعم الاستخباري واللوجستي الحثيث للسعودية.
جمهورية الصين الشعبية:
اختارت سلوكاً براغماتياً فريداً؛ إذ رفضت الانضمام للتحالفات العسكرية الغربية، وإبرمت عبر “دبلوماسية خلفية” تفاهمات سرية مع الحوثيين وإيران تمنح السفن الصينية ممراً آمناً مقابل بث إشارات تعريفية رقمية واضحة، مستندة لهيبتها الدفاعية من قاعدتها بجيبوتي.
الجمهورية الإسلامية الإيرانية:
المستفيد الأكبر؛ حيث منحتها سيطرة الحوثيين فرصة تفعيل استراتيجية “الكماشة البحرية المتزامنة” بالإمساك بمضيق هرمز (مباشرة) وباب المندب (عبر وكيلها)، وتوظيف هذا النفوذ كأوراق ضغط ومساومة في مفاوضاتها لرفع العقوبات الاقتصادية.
الاتحاد الأوروبي:
واجه استنفاراً اقتصادياً وتأخيراً في سلاسل إمداد صناعاته الحيوية، مما دفعه لتمديد بعثته البحرية “أسبيدس” وتوسيع مهامها لتشمل حماية كابلات الإنترنت البحرية، مع التمسك بـ”الطابع الدفاعي الصِرف” لعملياتها تفادياً للصدام المباشر.
تكتل البريكس:
فرض الملف نفسه على قمة نيودلهي الـ18 التي تحولت لكواليس دبلوماسية مكثفة بين أعضائه المتناقضين (كإيران ومصر والسعودية)، وانتهت ببيان ختامي يشدد على ضرورة ضمان التدفق السلس للتجارة واستقرار حركة الملاحة الدولية.
ثانياً: العرض الشامل للقدرات العسكرية والقتالية للحوثيين
تحول الحوثيون بفعل الدعم الإيراني المستمر والاستيلاء على مخازن الجيش اليمني السابق إلى قوة عسكرية هجينة تمتلك ترسانة تضاهي جيوشاً نظامية:
القوة البشرية والتنظيم:
تتراوح قواتهم المنتظمة بين 150 إلى 200 ألف مقاتل محترف، وترتفع إلى 350 ألف فرد مع قوات التعبئة واللجان الشعبية،
وتنقسم قواتهم عسكرياً إلى سبع مناطق يديرها مجلس عسكري موحد وجهاز مخابرات صارم.
الترسانة الصاروخية:
يمتلكون صواريخ باليستية بعيدة المدى (طوفان، قدس، جهاد) يتجاوز مداها 2000 كم قادرة على ضرب عمق السعودية وإسرائيل،
بالإضافة إلى صواريخ كروز دقيقة ومضادة للسفن قادرة على تتبع واستهداف القطع البحرية في المضيق.
سلاح الجو المسير (الدرونز):
يمثل القوة الضاربة رخيصة التكلفة؛ وتشمل مسيرات انتحارية إستراتيجية بعيدة المدى (صماد-3 ووعيد) لضرب مصافي النفط والمطارات، ومسيرات تكتيكية واستطلاعية (قاصف) لإدارة المعارك البرية القريبة.
الحرب البحرية غير التقليدية:
تشمل قوارب سريعة مسيرة ومفخخة يتم التحكم فيها عن بُعد عبر الأقمار الصناعية، وزرع حقول ألغام بحرية هجومية عائمة، إلى جانب إدخال غواصات مسيرة صغيرة في الخدمة لشن هجمات مباغتة تحت سطح البحر.
الحصانة الجغرافية والخبرة:
يتمتع المقاتل الحوثي بخبرة قتالية صلبة تمتد لأكثر من عقدين، ويتحصن الحوثيون في المرتفعات الجبلية الشمالية لليمن التي توفر حماية طبيعية فائقة ضد الضربات الجوية وتجعل الاجتياح البري خياراً باهظ الكلفة.
ثالثاً: السيناريوهات المستقبلية المتوقعة
حرب استنزاف طويلة الأمد (السيناريو المرجح):
استمرار المعارك البرية العنيفة في جبهات تعز والساحل الغربي دون حسم؛ حيث يواصل التحالف الإقليمي ضرباته الجوية ويستمر الحوثيون في حظرهم البحري ضد السفن السعودية، وتكتفي واشنطن بالدفاع البحري، مما يجبر شركات الشحن على التعايش مع مسار رأس الرجاء الصالح كأمر واقع باهظ الثمن.
الصدام الإقليمي الشامل والانسداد البحري المزدوج:
يتحقق إذا استهدفت الضربات الجوية الوجود الحوثي بجزيرة ميون بشكل يهدد وجود الجماعة؛ مما يدفع طهران لتنسيق إغلاق متزامن لمضيقي هرمز وباب المندب.
هذا الشلل الاقتصادي وقفز أسعار النفط فوق 150 دولاراً سيجبر القوى الكبرى (بما فيها الصين) على التدخل المباشر لفرض تسوية قسرية.
التهدئة المشروطة والاتفاق البحري المؤقت:
نجاح الوساطة العُمانية وبدبلوماسية البريكس في صياغة “اتفاق بحري مؤقت” يضمن سلامة وحرية الملاحة لكافة السفن (بما فيها السعودية) مقابل مكاسب سياسية واقتصادية لصنعاء وطهران، كالرفع الشامل للحصار عن الموانئ اليمنية والاعتراف الضمني بسلطة الأمر الواقع للحوثيين.
خلاصة وأفق زمني مرتقب
أحدثت السيطرة الحوثية على مضيق باب المندب وجزيرة ميون تغييراً بنيوياً دائماً في الجغرافيا السياسية، وبات أمن الملاحة الدولية رهينة للتجاذبات الإقليمية.
الأفق الزمني:
تشير المعطيات الراهنة – ولا سيما قرار الاتحاد الأوروبي تمديد مهمة “أسبيدس” حتى فبراير 2027 وإحجام واشنطن عن التدخل البري – إلى أن هذه الأزمة ممتدة وتتراوح أفقها الزمني بين عامين إلى ثلاثة أعوام قادمة (حتى أواخر عام 2028 أو مطلع 2029).
وستبقى المنطقة أسيرة حرب استنزاف وتوترات بحرية متقطعة، ما لم تحدث تسوية سياسية شاملة ومفاجئة للملف الإيراني مع الغرب، أو تنجح القوات البرية اليمنية في إحداث خرق عسكري دراماتيكي يستعيد السيطرة على طول الساحل الغربي لليمن.