رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب : لغة المنطقة الحرة الرمادية

ــــ ماذا لو اخترعنا طريقة مغايرة في الحب؟ لمَ لا نبدأ من الخاتمة؟ نفترق، ثم نلتقي إلى الأبد؟ * فرناندو بيسوا.
في قصيدة للشاعر الارجنتيني روبرتو خواروث الذي وصفه الشاعر اكثافيو باث بــــ ” «الشاعر الكبير للحظات المطلقة”، وردت عبارة” المنطقة الحرة” المسافة بين شخصين، وهذه المسافة لا تتحدث بلغتهما، كما لو لا علاقة لها بهما، بل تتحدث بلغة خاصة بها.
أين تقع هذه المنطقة؟ لا يمكن تفسير ذلك بالمنطق، لأن الحب حسب نيتشة هو : الجنون الحكيم،
لكن الذين يغلقون الباب على أحد عندما يرحل، ثم يتكئون على الباب في انتظار عودته،
الذين يرحلون في قطار ، غضباً، وقلوبهم تتمرغ فوق رصيف المحطة، الذين يقررون انهاء الحوار ثم يستكملونه على الوسادة وحدهم،
الذين يديرون ظهورهم وعيونهم تحدق في الوراء، هؤلاء يعرفون المنطقة الحرة لكن لا أحد يعرف، أجزم بذلك، أين تقع.
كما قال دوستويفسكي : ‏”قد يكون في أعماق المرء ما لا يمكن نبشهُ بالثرثرة، إياك أن تعتقد أنك تفهمني لمجرد أنني تحدثت إليك”. في بعض الحالات لا تقول اللغة شيئا بل تخفي حتى عندما تصرح.
قد أقول لك” أريد الذهاب” لكني في الواقع أريد أن أقول” كم اتمنى لو يكون الوقت أطول”. في اعماقنا كائن منفصل عنا لا يعرف هذه الحيل الصغيرة، الكائن الطفل الذي نخنقه بالحسابات الصغيرة. الأنا الخائفة المرتعشة من القواعد والوصفات العامة.
هما يبتعدان، يفترقان، يتخاصمان، يحترقان، يرحلان، لكن لغة المنطقة الحرة تعمل لحسابها الخاص ولا علاقة لها بهما،
ومن الصعب فهم لغة المنطقة الحرة لمن لم يقع فيها، ولا أعرف هل تشبيهها بالأرض الحرام بين جيشين دقيقاً؟
ألم يقل روبرتو: ” الشـِّعرُ يَقظة وجَوهرُه لا عَلاقة له بالتعلـُّم أو الصَنعَة”؟
الذين يقضون الوقت في البحث عن الكلمات يبحثون في المكان الخطأ،
اللغة الحقيقية البدائية الاولى تقع في تلك المنطقة الرمادية الحرة التي تفعل وتقول وتقرر كل شيء منفصلة عنا،
اللغة المنسية، لغة الأحلام والرموز والأحاسيس وطقوس الجسد السرية التي ضاعت وحلت مكانها اللغة الاجتماعية التي حدودها البقال والحافلة وعبور الشارع والفرن والعلاقات العامة.
روبرتو يكتب من اعماق عزلته لذلك يكتب عنا ويكتب …إلينا “ثمة نداءات تدعوني إليك فيما أنت لا تدعوني. نداءاتك في الأمس التي طغت على ماء الزمان، ونداءاتك في الغد التي لن أسمعها ربما في الغد،
نداءاتك التي أبتكرها بدون علمي
إذ تصبح الوحدة شرسة أو نداءاتك التي لا تصدر عنك ولا عنّي،
كما لو كان بيننا منطقة حرة
تعمل لحسابها الخاص، منطقة أوجدناها تقريبًا بدون إرادتنا كي تنطق باسمك وربما أيضًا باسمي بدون حاجة إلى كلينا”.
لغة المنطقة الحرة مراوغة سرية مشفرة تتجاوز من يقولها او يكتبها ولعل الشاعر المكسيكي اللبناني الأصل خايمي سابينس أفضل من عبر عنها في قصيدة” أتمنى أن أشفى منك” في ديوانه ” يوريا Yuria :
” “أرجو أن أَشفى منكِ في بضعة أيام. عليّ أن أتوقّف عن تدخينكِ، وعن شربكِ، وعن التفكير فيكِ.
هذا ممكن. متَّبعًا الوصفات العلاجية لمنظومة الأخلاق الحالية. أصف لنفسي علاج الوقت، والحرمان، والوحدة. هل يناسبكِ أن أحبّكِ لمدّة أسبوع إضافيّ لا غير؟
ليست مدّة طويلة، ولا قصيرة، إنّها مدّة كافية. في أسبوع، يمكننا أن نجمع كلّ كلمات الحبّ التي قيلت على وجه الأرض، ويمكننا حرقها.
سأدفئكِ بهذه النار الموقدَة بالحبّ المحترق.
وأيضًا الصمت.لأن أفضل كلمات الحبّ تكون بين شخصين لا يقول أيّ منهما شيئًا للآخر.
علينا أن نحرق أيضًا تلك اللغة الأخرى، لغة المُحبّ غير المباشرة والهدّامة. (أنتِ تعرفين كيف أقول أحبّكِ حين أقول: “الجو حارّ جدًّا”، “أعطني الماء”، “هل تجيدين قيادة السيارة؟”، “لقد خيّم الليل”. وسط الناس، بعيدًا عن أهلكِ وأهلي، قلتُ لكِ: “لقد تأخّر الوقت”، وأنتِ كنتِ تعلمين أنّني كنتُ أقول: “أحبّكِ”.) “أسبوع آخر لأجمع كلّ الحبّ على مرّ الزمن لأمنحه لكِ. لتفعلي به ما تشائين: تحتفظين به. تداعبينه. تتخلّصين منه في صندوق القمامة. من المؤكّد، أنّه لا يصلح لشيء. أريد فقط أسبوعًا واحدًا لأفهم ما يحدث. لأنّ الأمر شبيه جدًّا بالخروج من مستشفى الأمراض العقلية للدخول إلى المقبرة”. عرض أقل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى