
أخطر ما يحدث في المنطقة ليس أن الحرب أصبحت غير متناظرة، بل أن مفهوم القوة نفسه تغيّر بينما ما زال جزء كبير من التفكير العربي يعيش في القرن الماضي.
الحوثي، وحزب الله، وإيران، كلٌّ بطريقته، قدموا نموذجا جديدا للقوة..
ليس المطلوب أن تمتلك جيشًا أكبر من خصمك، بل أن تمتلك القدرة على إرباكه، واستنزافه، وتعطيل تفوقه، ورفع كلفة الحرب عليه.
لكن هنا تظهر المفارقة الأخطر.
إذا كان الفاعل غير الدولتي قد أدرك قيمة المسيّرة والصاروخ والشبكة والمعلومة، فماذا تفعل الجيوش العربية أمام إسرائيل التي لا تستخدم التكنولوجيا كسلاح منفرد، وإنما كمنظومة متكاملة للحرب؟
هذه هي الفجوة التي ينبغي أن يقلق منها العرب.
إسرائيل لا تتفوق فقط لأنها تملك طائرات وصواريخ أكثر تطورًا، بل لأنها نجحت في ربط الاستخبارات بالبيانات، والفضاء بالاستطلاع، والذكاء الاصطناعي بالقرار، والاستشعار بالضربة الدقيقة في دورة عملياتية واحدة.
وهنا لا تكفي صفقات السلاح.
يمكن لدولة عربية أن تشتري أحدث طائرة، لكنها لا تشتري معها بالضرورة المعرفة التي تجعلها جزءًا من منظومة متقدمة لصناعة الحرب.
وهذه هي الكارثة الحقيقية..
العرب يشترون أدوات الحرب، بينما يتقدم الآخرون في صناعة عقل الحرب.
المشكلة إذن ليست أن الجيوش العربية تفتقر إلى السلاح؛ بل أنها مهددة بأن تتحول إلى مستهلك دائم لتكنولوجيا ينتجها الآخرون.
وفي عالم تتغير فيه الحرب كل بضعة أعوام، فإن شراء السلاح بعقيدة قديمة قد يجعل السلاح نفسه جزءًا من المشكلة.
لقد أثبتت الحروب الحديثة أن المسيّرة قد تغيّر حسابات الدبابة، والبيانات قد تسبق الصاروخ، والشبكة قد تتفوق على المنصة، وسرعة القرار قد تصبح أهم من حجم الترسانة.
لكن إسرائيل ذهبت أبعد من ذلك: دمجت هذه العناصر في منظومة واحدة.
وهنا يجب أن يكون السؤال العربي صادما..
لماذا ما زلنا نناقش التفوق العسكري الإسرائيلي بمنطق عدد الطائرات والدبابات، بينما التفوق الحقيقي يتحول إلى تفوق في المعرفة والبرمجيات والذكاء الاصطناعي والاستشعار والاتصالات؟
الأمر لا يتعلق بتقليد إسرائيل.
بل بدراسة ما فعلته، وفهم كيف تحولت التكنولوجيا عندها من قطاع اقتصادي وعلمي إلى أداة قوة استراتيجية، ثم بناء نموذج عربي مستقل قادر على إنتاج التكنولوجيا العسكرية، لا مجرد استيرادها.
لأن المعركة المقبلة لن يحسمها من يملك أكبر جيش فقط.
سيحسمها من يستطيع أن يرى أبعد، ويحلل أسرع، ويقرر أولًا، ويضرب بدقة، ويتعلم من المعركة قبل أن يتعلم خصمه منها.
وهنا تصبح أزمة العرب أخطر من نقص السلاح.
إنها أزمة انتقال من ثقافة امتلاك القوة إلى ثقافة إنتاج القوة.
وإذا لم يبدأ هذا الانتقال الآن، فقد يأتي وقت لا يكون فيه السؤال: لماذا تتفوق إسرائيل عسكريًا؟
بل السؤال الأصعب:
كيف سمحنا بأن يتحول التفوق التكنولوجي إلى تفوق استراتيجي دائم؟
الحرب تغيّرت.
والذين لم يغيّروا عقلهم عنها، سيخوضون حرب المستقبل بأسلحة الحاضر وعقيدة الماضي. عرض أقل