
لا أحد يقلل من خطورة ما شهدته حدود حلف الناتو الشرقية خلال الأسبوع الماضي، لكنه لا يعني أن الحرب المباشرة بين روسيا وأوروبا باتت وشيكة. على العكس، فمعظم القراءات في الصحف ومراكز الأبحاث ترى أن موسكو تصعد في “المنطقة الرمادية” لدفع الأوروبيين إلى التخلي عن أوكرانيا، من دون تجاوز العتبة التي تستدعي ردا عسكريا من الحلف.
الموجة الأخيرة من التصعيد، بدأت حين أصابت مسيرة روسية قاطرة قطار على بُعد نحو كيلومترين من الحدود البولندية، بعد وقت قصير من مغادرة قطار دبلوماسي يقل رئيسي الوزراء البريطاني والسويدي السابقين بوريس جونسون وكارل بيلدت ومستشارين أمنيين أوروبيين. وترجح كييف أن الوفد كان الهدف، لكن الموقف موسكو أنها تضرب سككًا تنقل شحنات عسكرية من أوروبا.. غير أن “معهد دراسة الحرب” يرى أن المعطيات تدعم فرضية الاستهداف المتعمد.
عند هذه اللحظة وتلاحقت الحوادث: فرقاطة روسية أطلقت شعلتين نحو مروحية دنماركية في البلطيق، ومسيّرة برأس حربي شظوي عُثر عليها على شاطئ بولندي، ثم مسيرة أسقطتها مقاتلات إيطالية تابعة للناتو فوق ليتوانيا، في أول واقعة من نوعها في أجوائها، ويُرجح أنها دخلت من بيلاروسيا. أي أن الحوادث توزعت على السكك والبحر والجو، ومن الدنمارك إلى ليتوانيا، خلال ثلاثة أيام فقط.
ما زاد الأجواء عتمة، هي التحذيرات الأوروبية التي منحت هذه الوقائع معنى أكبر.
في 17 سبتمبر، قال رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك أمام البرلمان إن معلومات استخباراتية من الناتو وأوكرانيا ووكالة الاستخبارات المركزية الأميركية تشير إلى خطة روسية لضربات “هجينة” بمسيرات أو صواريخ ضد دول تدعم كييف، بينها بولندا، تُقدم على أنها حوادث عرضية لشل رد الحلف أو إضعافه. وحذر من المسيرات النفاثة الأصعب رصدًا، ومن استهداف المعابر الحدودية التي شهدت أربع حوادث على الحدود البولندية خلال أسبوع، ومن شتاء هو الأخطر في الحرب حتى الآن.
ولم تكن وارسو وحدها. فقد قال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، بعدها بيوم واحد إن الخطر الهجين الروسي تصاعد في الأسابيع الأخيرة، وطلب خطة لحماية البنى الحيوية والمواقع الدفاعية من المسيرات والهجمات السيبرانية، بينما اقترحت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين “مجلس أمن أوروبي” و”بروتوكول طوارئ” للرد على التخريب والمسيرات، في دعوة واضحة لأن تتحمل القارة مسؤولية أمنها وسط شكوك في الاعتماد على ترمب.
أما برلين فـحملت موسكو مسؤولية محاولة هجوم بمسيرة متفجرة على مطار لايبتسيغ وقررت إغلاق قنصليتها في بون، وحذّرت الاستخبارات الدنماركية من أن روسيا تحضر بنشاط لتخريب الصناعة الدفاعية.
وتزداد الصورة قتامة عند العودة إلى التقديرات الأميركية. فبحسب “وول ستريت جورنال” و”سي إن إن”، ترى الاستخبارات الأميركية أن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد يختبر الناتو بهجوم محدود، يتراوح بين هجوم سيبراني وتوغل صغير، وغالبًا في دول البلطيق أو بولندا، خلال نافذة تمتد من هذا الخريف حتى 2029، مع وصف التوغل البري بأنه منخفض الاحتمال لكنه يتزايد. وقد زار مدير الوكالة جون راتكليف موسكو سرًّا في 25 أغسطس لتحذيرها من التصعيد ضد البلطيق، فيما قالت ليتوانيا إن استخباراتها العسكرية رصدت مؤشرات إلى أن روسيا قد تدرس هجمات على بنى البلطيق الحيوية بمسيّرات أوكرانية.
وتقدم مراكز الأبحاث ثلاثة مؤشرات لفهم التوقيت.
المؤشر الأول هو مأزق الحرب، إذ يرصد “معهد دراسة الحرب” مكاسب روسية شبه معدومة منذ مارس، وضربات أوكرانية على المصافي، وتراجعًا في التجنيد، مع تكهنات بتعبئة جديدة بعد انتخابات الدوما بين 18 و20 سبتمبر ينفيها الكرملين. ولذلك يرى “المجلس الأطلسي” أن التصعيد علامة يأس لا قوة.
أما المؤشر الثاني فهو الشتاء، إذ يرى توسك ومحللو “أكليد” أن موسكو تستهدف المعابر والسكك لتعطيل الإمدادات، وتسهل ذلك مسيرات نفاثة وشبكات تحكم متقدمة، وقد بلغت ضربات السكك في النصف الأول من سبتمبر معدل شهر كامل. وأما الثالث، فهو اختبار المادة الخامسة من ميثاق الحلف بأعمال عنف غامضة تُخيف الحلف لكن يمكن إنكارها، وتهدف بحسب محللين إلى ترسيخ شعور عام بانعدام الأمن لدى الأوروبيين.
الصورة ليست قاتمة بالكامل. مسؤولون في دول البلطيق قالوا أواخر أغسطس إن تقييمهم للتهديد لم يتغير، وقال مسؤول أوروبي إن لا تهديد عسكريا وشيكا للناتو، وحتى الرئيس الليتواني جيتاناس ناوسيدا يرجح أن موسكو غير مستعدة حاليًا لمواجهة مباشرة مع الحلف. كذلك تبقى بعض الوقائع بلا نسبة واضحة، ومنها تخريب السكك الهولندية في 15 سبتمبر الذي لم تتبنه جهة.