
سقوط عناصر القوة الأمريكية الإسرائيلية .. إنها إيران يا غبي !!!!
ميخائيل عوض / لبنان
“إنها إيران يا غبي” عنوان مستعار من شعار انتخابي شهير استخدمه فريق حملة الرئيس الأمريكي الأسبق بيل كلينتون في مواجهة جورج دبليو بوش عام 1992:
بعنوان ” إنه الاقتصاد يا غبي”
حوّلته إلى صيغة سياسية جديدة: “إنها إيران يا غبي” المعنى الاستراتيجي الذي أقصده أن المشكلة ليست في التكتيك العسكري فقط بل في سوء تقدير الغرب لطبيعة إيران وقوتها البنيوية
وبحسب الطرح فإن الخطأ الاستراتيجي الأكبر لترامب ونتنياهو هو التعامل مع إيران كما لو كانت فنزويلا، أو دولة شرق أوسطية ضعيفة، أو
نظاماً قابلاً للسقوط بضربة عسكرية.
بينما نراه حضارة ـ دولة ـ مشروع تاريخي طويل النفس مما يجعل التفكير بإسقاطها وتبديد أثرها غباء محضا”.
الفرضية المركزية في التحليل هي أن الحرب الجارية كشفت انهيار عناصر القوة الإسرائيلية والأمريكية.
وهو يذهب أبعد من ذلك ليقول إننا نشهد نهاية دورة حضارية غربية وبداية دورة شرقية آسيوية.
أي أن الحرب ليست حرباً إقليمية فقط، بل نقطة تحول في المشهد العالمي كله.
*المحور الأول: عناصر القوة الإسرائيلية التقليدية*
هناك ستة عناصر أساسية اعتمدت عليها إسرائيل تاريخياً سقطت منذ بدء الطوفان العجائبية وهي:
*أولا: التفوق العسكري:*
يشمل التفوق الجوي، التكنولوجيا، الاستخبارات، الحرب السيبراني
لكن بحسب التحليل فإن أحداث عملية طوفان الأقصى وضربات محور المقاومة واليوم الهجمات الإيرانيةكشفت أن التفوق التقني لا يمنح نصراً حاسماً بل إن قراءة مركز ثقل الإسرائيلي بدقة من قبل المحور جعله قادرا” على بناء خوارزمية مقاومة لا يمكن التنبؤ بها من قبل مصفوفة الحرب الرقمية
ويستند في ذلك إلى قاعدة تاريخية فكما أن السيطرة الجوية لا تحسم الحروب دون سيطرة على الأرض كما حصل في أفغانستان،العراق،غزة و
لبنان كذلك خوض الحرب بمنطق الذكاء الصناعي ومحاكاته لفرص الانتصار في الحرب لا يجدي في مواجهة صاحب الأرض والجغرافيا والحق بل هو غباء بشري يتعاطى مع نموذج صناعي ذكي.
*ثانيًا: الردع النفسي*
لطالما اعتمدت إسرائيل على صورة القوة التي لا تُقهر.
لكن هذه الصورة تعرضت لضربتين كبيرتين:
– عملية طوفان الأقصى
– قدرة إيران على الرد
وبالتالي سقط ما يسميه:
وهم “إسرائيل التي لا تُهزم”.
*ثالثًا: الحماية الأمريكية*
إسرائيل كانت محمية بثلاث طبقات القواعد الأمريكية،
منظومات الدفاع الجوي،
التفوق التكنولوجي
إن الحرب كشفت أن هذه الحماية ليست مطلقة بل أن القواعد نفسها مهددة وهذا يضع المنظومة الأمنية الإسرائيلية في أزمة استراتيجية.
*رابعًا: التحالفات الإقليمية*
فهي شبكة علاقات كانت تخدم المشروع الإسرائيلي
دول الخليج، تحالفات مع قوى إقليمية ورهانات على الأكراد
بالتنسيق مع تركيا سابقاً
لكن الحرب – وفق الرؤية – خلقت حالة تردد وخوف في هذه الدول.
والسبب في ذلك عدم الثقة بقدرة واشنطن على الحماية بعد ما شهد العالم كله فعل الآلة العسكرية الإيرانية.
*خامسًا: الاختراقات الاستخباراتية*
إن إسرائيل نجحت سابقاً في اختراق بنى المقاومة
وتنفيذ اغتيالات شملت القيادات.
لكن قدرة القوى المقاومة على
إعادة التنظيم، تعويض القيادات
تطوير الأمن، جعلت هذه الأداة أقل فعالية.
*سادسًا: تفكك البيئة العربية*
كان الرهان الإسرائيلي الأساسي يقوم على الانقسام العربي،
ضعف الدول، النزاعات الداخلية
لكن الحرب – حسب رأيه – أعادت تسييس الشارع العربي وتوجه الدول الحاكمة لا سيما أسر الخليج وجعلته أكثر ادراكا لعجز أمريكا وإسرائيل عن حماية نظمه مما يعني بالضرورة التفكير بالتخلي عن الوجود الأمريكي الذي جعل من أراضي الدول هدفًا للضربات العسكرية لا قلعة حماية.
*المحور الثاني: التحول الاستراتيجي في ميزان القوى*
إن هناك ثلاثة تحولات كبرى لا بد من التدقيق فيها لفهم مسارات الحرب بعيدا” عن التهويل والتعبئة الإعلامية وهي:
*أولا”: صعود محور الشرق*
وجود تكتل يصعد بقوة رسمي يضم إيران، روسيا
والصين ويمتد تأثيره إلى
اليمن،العراق، لبنان وآسيا الوسطى.
فهذا التحالف نواة نظام عالمي جديد.
*ثانيًا: أزمة الغرب*
الحرب جاءت في لحظة ضعف غربي بسبب حرب أوكرانيا
و الأزمة الاقتصادية إضافة إلى
الانقسامات داخل الناتو
إن هذه العوامل تجعل الغرب غير قادر على خوض حرب طويلة.
*ثالثًا: العامل الاقتصادي*
وهنا الشعار الأساسي:
“الاقتصاد يا غبي”.
ووجود عاملين خطيرين
النفط إغلاق مضيق هرمز أو باب المندب الذي سيؤدي إلى
رفع أسعار الطاقة و ضرب الاقتصاد العالمي وبالتالي
التضخم في الولايات المتحدة
وهذا قد يضغط على إدارة ترامب داخلياً. لم يفهم ترامب مأزق اللعب بحقل ألغام الاقتصاد الأمريكي المأزوم ولم يدرك قدرة إيران على إسقاط مشروعه بالسيطرة على المنطقة بورقة الاقتصاد وحدها لذا فهو التعبير الدقيق عن وصف “يا غبي”.
*المحور الثالث: الحرب النووية جارية فعلا وإن لم يتم استخدام القنبلة القذرة*
وهنا فإن التخوف المتزايد من احتمال توجيه ضربة نووية لإيران من قبل أمريكي بأن الحرب النووية جارية فعلا فاستهداف المفاعلات النووية الإيرانية هي مستوى من مستويات الحرب النووية، وهو وإن كنا نستبعد أن تبلغ حماقة ترامب درجة انتحار باستعمال النووي لعدة أسباب منها وجود عدة قوى نووية مما يزيد من احتمال
خطر الرد المتبادل، وكذلك
احتمال توسع الحرب عالمياً
أي أن النووي أداة ردع لا أداة استخدام . إلا أنه لا ينفي أن تدفعه نزواته وأطماعه الشخصية فالحفاظ على كرسي الرئاسة والهروب من سلسلة فضائح ومحاكمات لفعل مثل هذا.
*المحور الرابع: الإنسان مقابل التكنولوجيا*
أحد أهم أفكار الحلقة هو
العامل البشري الذي نراه أنه وحده الحاسم في الحروب.
فتجارب المقاومة في غزة، المقاومة في لبنان،
الحوثيين في اليمن
حيث تمكنت قوى أقل تسليحاً من إفشال جيوش متفوقة تقنياً.
*المحور الخامس: الرؤية حول مستقبل المنطقة*
هناك سيناريو واسعاً للتحولات القادمة:
1 ـ تراجع الدور الإسرائيلي
2 ـ إعادة تشكيل النظام الإقليمي
3 ـ عودة دور سوريا والعراق
4 ـ صعود الشرق آسيوياً وسياسياً
إن المنطقة ستشهد إعادة رسم خرائط القوة التي نشأت بعد الحرب العالمية الأولى.
إن التاريخ يتحرك في دورات حضارية.
والدورة الغربية التي بدأت مع
الثورة الصناعية والاستعمار
الهيمنة الأمريكية تقترب من نهايتها.
في المقابل يظهر عصر شرقي جديد. ويرمز له بعبارة:
“الشمس تشرق من الشرق.” فشمس الغرب قد أفلت إلى غير رجعة.
في ضوء كل ما شهدناه خلال الأيام الماضية، لم تعد القضية مجرد جولة عسكرية عابرة، ولا مجرد تصعيد إقليمي يمكن احتواؤه بوساطات أو هدَن مؤقتة. ما يجري اليوم هو اختبار تاريخي عميق لميزان القوى العالمي، واختبار لصلابة الشعوب في مواجهة مشاريع الهيمنة.
لقد قامت القوة الإسرائيلية لعقود طويلة على منظومة من الأساطير: تفوق عسكري مطلق، حماية أمريكية لا حدود لها، شبكة تحالفات إقليمية واسعة، وهيبة ردع تمنع الخصوم من مجرد التفكير بالمواجهة. لكن الأحداث المتلاحقة كشفت أن هذه العناصر ليست قدراً ثابتاً، بل بنى قابلة للتآكل والانهيار عندما تصطدم بإرادة الشعوب وقدرتها على الصمود والتنظيم والمقاومة.
ما نشهده اليوم هو بداية انتقال تاريخي في موازين القوة. الغرب الذي حكم العالم لقرون يدخل مرحلة الارتباك والتراجع، فيما تتشكل في الأفق ملامح نظام دولي جديد تتقدم فيه قوى الشرق سياسياً واقتصادياً واستراتيجياً. وفي قلب هذا التحول تقف المنطقة العربية والإسلامية، التي كانت طوال قرن كامل ساحة للصراعات بالوكالة، لكنها قد تتحول في المرحلة القادمة إلى مركز إعادة تشكيل التوازنات العالمية.
هل نحن أمام لحظة تاريخية تعيد الاعتبار لإرادة الشعوب وتكسر احتكار القوة؟
أم أن النظام القديم سيحاول إعادة إنتاج نفسه عبر مزيد من الحروب والفوضى؟
الأيام القادمة وحدها ستجيب. لكن المؤكد أن ما قبل هذه الحرب لن يكون كما بعدها.
ففي نهاية كل مرحلة تاريخية كبرى، تتغير الخرائط، وتسقط أوهام القوة، وتظهر قوى جديدة كانت تتشكل بصمت تحت سطح الأحداث.
وربما لهذا السبب تبدو هذه اللحظة، بكل ما فيها من ألم وتضحيات، لحظة مفصلية في تاريخ المنطقة والعالم.
لحظة قد تُكتب في كتب التاريخ باعتبارها بداية زمن جديد… وزوال زمنٍ آخر.
ولهذا نضع شروط ممنهجه لفهم الجاري بالقول: تابعوا الأحداث بدقة، اقرأوا الوقائع بعمق، ولا تنخدعوا بضجيج المعارك اليومية.
فالتاريخ، حين يتحرك، لا يصنع مجرد انتصارات عسكرية بخبر عاجل … بل يصنع عصوراً كاملة.
🖋 ميخائيل عوض