الكاتب الروائي سعيد أبو غـــزة يكتب: حين يعود الألم على الشاشة مُجدداً
قراءة غزّية في مسلسل “صُحاب الأرض”

“حضور الدراما المصرية في رواية الحكاية الفلسطينية امتداداً طبيعياً لذلك العمق العروبي المتين والأصيل، الذي يرى في فلسطين جزءاً من الوجدان العربي المشترك، لا قضية بعيدة أو عابرة.”
نعم، ليست كل الأعمال الدرامية قابلة للمشاهدة بوصفها مجرد حكايات فنية منفصلة عن الواقع وخاصة في ظل التغيرات الجذرية في المنطقة ابتداءً من حرب الإبادة المستمرة على ـغزة. فنادراً نحن في غــزة المنسية ما نجد أعمالاً تقترب من الذاكرة الفلسطينية الحية والواقعية إلى درجة تجعل المُشاهد الغزّي المتعب من وجع الإبادة وضنك العيش يشعر أنه لا يشاهد عمل درامي معتاداً في شهر رمضان، بل يستعيد تجربة مؤلمة عاشها ويعرف تفاصيلها بكل دقة. مسلسل “صُحاب الأرض”، الذي حاول أن يقترب من الحكاية الفلسطينية من الداخل وبعمق، لا بوصفها موضوعاً درامياً يشارك في سباق المسلسلات الرمضانية المصرية والعربية فحسب، بل بوصفها تجربة إنسانية مشبعة بالألم والصمود معاً لأهل غزة، وصورة تضامنية عميقة من مصر العروبة.
نحن الغزّيون ممن عاش تلك اللحظات البشعة التي لا يتصورها العقل البشري أو كان شاهداً على تفاصيلها العالقة بالذكرة، تُصبح المشاهدة فعلاً وجدانياً معقّداً وصولاً لاجترار الألم مرة أخرى. فالمجازر البشعة والتفاصيل الحياتية الصعبة التي تتحول في الدراما إلى مشاهد مكتوبة وأداء ممثلين، هي في الحقيقة ذاكرة من الدم والخوف عاشها أهل غزة ومازال يعيشونها لهذا الوقت. هنا حقاً، تتجاوز الدراما التلفزيونية حدود الترفيه والمتعة لتدخل منطقة حساسة جداً بين التوثيق الفني والذاكرة الجمعيّة للمشاهد العربي في كافة الأمصار. ولذلك فإن استقبال هذا العمل لا يمكن أن يكون بارداً أو محايداً، فالمسافة بين الشاشة والواقع في هذه الحالة تبدو قصيرة إلى حدٍ مؤلم.
ومع ذلك، لا يمكن تجاهل القيمة الرمزية الكبيرة لمحاولة توثيق رواية الحكاية الفلسطينية درامياً، خصوصاً حين تأتي من خارج فلسطين. اختيار مصر العروبة أن تمنح هذه القصة مساحة على الشاشة الرمضانية يحمل دلالة ثقافية وسياسية ووجدانية في آن واحد، إذ يُعيد التأكيد على أن القضية الفلسطينية ما تزال حاضرة في الوجدان العربي وخاصة الجارة الحبيبة، شق القلب “مصر”، مع التأكيد أن الفن يمكن أن يكون وسيلة من وسائل إبقاء الحكاية والسردية حيّة في الوعي العام.
صراحة، لا يمكن قراءة هذا العمل من دون التوقف عند الجهد الفني الذي بذله مؤلف العمل وطاقم التمثيل وإدارة الإخراج. فقد استطاع الممثلون، في كثير من اللحظات أن يكونوا غزّيين، أن ينقلوا التوتر الإنساني للحرب بصدق ملحوظ، حيث بدت الانفعالات أقرب إلى التجربة الحقيقية منها إلى الأداء. هذا الحضور التمثيلي المُتقن، مع الإحساس البليغ منح الشخصيات حياةً على الشاشة، وجعل المشاهد الغزّي يقترب مرة أخرى من وجوه الألم والصمود التي عاشوها في واقعهم اليومي لحرب الإبادة المستمرة. وفي هذا السياق، يُحسب للمخرج “بيتر ميمي” قدرته على إدارة الإيقاع الدرامي للعمل بحس بصري واضح، وعلى الموازنة بين السرد الإنساني والمشهدية الدرامية دون أن يفقد العمل روحه الواقعية واحساسه بالتفاصيل الحياتية.
في مستوى أعمق من القراءة، يُذكّرنا هذا العمل أيضاً بعمق العلاقة التاريخية بين فلسطين ومحيطها العربي، وبخاصة القاهرة التي ظلّت وستظل، عبر تاريخها الثقافي والسياسي والشعبي، حاضنة دافئة للقضية الفلسطينية. فالقاهرة ليست مجرد مدينة في خلفية الحكاية، بل فضاء عربي واسع يظل حاضراً بوصفه سنداً معنوياً وثقافياً وشعبوياً للقضية الفلسطينية. ومن هذا المنظور، يبدو حضور الدراما المصرية في رواية الحكاية الفلسطينية امتداداً طبيعياً لذلك العمق العروبي المتين والأصيل، الذي يرى في فلسطين جزءاً من الوجدان العربي المشترك، لا قضية بعيدة أو عابرة.
من الناحية الدرامية، نجح العمل في بعض اللحظات في ملامسة جوهر التجربة الإنسانية للحرب وهذا نجاح باهر كون القصة حقيقية، خصوصاً في المشاهد التي دارت داخل المستشفيات. تلك المساحات التي تتقاطع فيها الحياة والموت بشكل يومي تمثل أحد أكثر وجوه الحروب قسوة. في هذه المشاهد تحديداً، بدا أن العمل يقترب من الحقيقة إلى حد كبير: تدفّق الجرحى، ضيق الإمكانات، الإرهاق الذي يثقل وجوه الأطباء والممرضين، والضغط النفسي الذي يعيشه كل من يعمل في تلك اللحظات الفاصلة بين إنقاذ الحياة وفقدانها. من عاش تلك التجربة أو اقترب منها يدرك أن ما ظهر على الشاشة لم يكن بعيداً كثيراً عن الواقع، بل ربما كان نسخة مخففة جداً، جداً منه، فما عشناه في حرب الإبادة لا يمكن وصفه.
غير أن العمل، مثل أي عمل درامي يتناول واقعاً شديد الخصوصية، لم يخلُ من بعض الملاحظات. من أبرزها مسألة اللهجة الغزّية، التي تحتاج إلى دقة أكبر حين يجري تقديمها على الشاشة. فقد ظهرت في بعض الحوارات مصطلحات لا يستخدمها أهل غزة عادة، كما بدت اللهجة الأردنية للممثل الكبير والقدير “إياد نصار” طاغية في بعض اللحظات. هذه التفاصيل قد تبدو صغيرة في سياق العمل غير مهمة للمشاهد العربي، لكنها مهمة حين يتعلق الأمر بحكاية مرتبطة بمكان محدد وبهوية لغوية وثقافية دقيقة، لأن اللهجة ليست مجرد وسيلة كلام، بل جزء من الذاكرة اليومية لغزة.
ومن بين الوجوه التي منحت العمل عمقه الإنساني بجانب المبدع “إياد نصار” الذي عاش اللحظات بصدق كون أصله فلسطيني أعطى بهاءً وجمالاً وصدقاً بليغ، كذلك يبرز الأداء اللافت للممثلة المتألقة “منة شلبي”. فقد استطاعت أن تحوّل الشخصية التي أدّتها إلى مساحة حيّة من المشاعر المتناقضة؛ خوفٌ يجاور الشجاعة، وقلقٌ يختلط بالإصرار على البقاء. لم تعتمد في أدائها على الصخب الدرامي أو المبالغة، بل على التفاصيل الصغيرة التي تصنع الحقيقة على الشاشة: نظرة عينٍ متعبة، صمتٌ ثقيل بين جملتين، أو ارتعاشة صوتٍ تحمل ما لا تقوله الكلمات. بهذه الحساسية الفنية استطاعت أن تقرّب المشاهد من التجربة الإنسانية للحرب، وأن تمنح الشخصية صدقاً جعلها تبدو وكأنها واحدة من الناس الذين خرجت قصتهم من قلب الواقع. ولهذا، فإن أداءها لا يُقرأ بوصفه نجاحاً تمثيلياً فحسب، بل بوصفه مساهمة فنية صادقة ومبدعة في نقل حكاية إنسانية مُوجعة إلى الشاشة باحترام ووعي ومسؤولية.
مع ذلك، يبقى للعمل فضل إعادة تسليط الضوء على البعد الإنساني للحرب، بعيداً عن الأرقام الجامدة التي تملأ نشرات الأخبار. فالدراما، حين تنجح، لا تكتفي بسرد الوقائع، بل تمنحها وجهاً وصوتاً وقصة لا تُنسى. وهذا ما حاول المسلسل أن يفعله عبر شخصياته ومواقفه، إذ أعاد تقديم الإنسان الفلسطيني لا بوصفه رقماً في الإحصاءات، بل بوصفه فرداً يعيش ويخاف ويحلم ويقاوم بطريقته، وكذلك أجاد تصوير المواطن المصري الأصيل، الذي يحمل في الوجدان الشعبي المصري كرهاً لإسرائيل، فالشعب المصري لا ترى إسرائيل غالباً بوصفها دولة عادية في الجوار، بل كفصلٍ طويل من الذاكرة المثقلة بالحروب والدم والحدود المتوترة. لذلك تتشكّل النظرة إليها عبر تاريخٍ من الصراع أكثر مما تتشكل عبر معرفة مباشرة بالناس. إنها نظرة يختلط فيها الشعور القومي بالتضامن مع فلسطين، وتبقى محكومة بذاكرةٍ لم تنطفئ بعد، حيث ما زال الماضي يلقي بظلاله على الحاضر.
أما نهاية المسلسل، فكانت من أكثر لحظات العمل رمزية وجمال. في المشهد الأخير، حين يعود الطفل إلى الشارع المدمّر مرتدياً قميص النادي الأهلي المصري، لا يبدو الأمر مجرد لعبة كرة قدم في شارعٍ مدمر، ثمة رسالة رمزية واضحة: الحياة والحب قادرين دائماً على أن يجدا طريقهما، حتى في أكثر الأماكن خراباً. الطفل هنا ليس مجرد شخصية درامية، بل صورة مكثفة لفكرة الاستمرار والمقاومة، وللقدرة البشرية على مقاومة اليأس، وصورة واقعية وحقيقية للارتباط العميق والكبير بين غزة والقاهرة منذ عشرات السنوات.
بين الركام والغبار، يركض الطفل خلف الكرة كما لو أنه يركل الخوف نفسه بعيداً. وفي تلك اللحظة، يتحول المشهد إلى استعارة بسيطة لكنها عميقة: قد تستطيع الحرب أن تهدم البيوت وتثقل السماء بالدخان، لكنها لا تستطيع أن تطفئ تماماً قدرة البشر على الحلم.
في النهاية، قد لا يكون مسلسل “صُحاب الأرض” عملاً مكتمل الكمال من الناحية الفنية كأي عمل درامي، لكنه يظل محاولة مهمة ومبدعة وانسانية لإبقاء الحكاية الفلسطينية حيّة في الفضاء الثقافي العربي. وهو يذكّرنا بأن الفن، حتى حين يعجز عن نقل الحقيقة كاملة، يستطيع على الأقل أن يفتح نافذة نطل منها على الألم… وعلى الأمل معاً لشعب يعشق الحياة والحرية.