سمير زين العابدين يكتب :”عضّ الأصابع” الجيوسياسي:
استراتيجية الخنق والردع من مضيق هرمز إلى أطلال بنت جبيل

لم يعد الشرق الأوسط يعيش صراعات منفصلة؛ فنحن أمام “وحدة ساحات” من نوع آخر، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية الدولية مع الطموحات العسكرية الإقليمية. إن ما يحدث اليوم في أبريل 2026 هو عملية “إعادة صياغة للمنطقة” بالنار والحصار، تديرها واشنطن وتل أبيب في مواجهة محور طهران، وسط ترقب خليجي وقلق عالمي من انهيار اقتصادي وشيك.
أولاً: استراتيجية “حصار الحصار” في هرمز (الخنق المالي والسيادي)
لم يعد إغلاق مضيق هرمز مجرد رد فعل إيراني، بل تحول إلى استراتيجية هجومية أمريكية استباقية. واشنطن لم تعد تكتفي بحماية السفن، بل فرضت “إدارة عسكرية” للممر.
الهدف الاستراتيجي: سحب “ورقة المضيق” من يد إيران نهائياً وتحويلها إلى ممر تحت السيادة الدولية (بقيادة أمريكية)، مما يحرم طهران من تحصيل “رسوم العبور” التي بلغت 2 مليون دولار للسفينة، ويقطع شريانها المالي (توقف تصدير 1.8 مليون برميل إيراني يومياً).
هذا الإغلاق الكلي، الذي تعتبره طهران “جريمة حرب”، يهدف لدفع النظام الإيراني نحو محادثات جديدة بتنازلات “صفرية” بعد انهيار محادثات إسلام آباد في 12 أبريل.
ثانياً: الجبهة اللبنانية.. “بنت جبيل” كرافعة للتفاوض
تسعى إسرائيل من خلال تركيز ثقلها العسكري (3 فرق عسكرية، 45 ألف جندي) لإسقاط مدينة بنت جبيل، ليس فقط لرمزيتها، بل لجدواها الجيوسياسية.
السيطرة على المدينة تتيح لإسرائيل الإشراف الناري على القطاعين الشرقي والغربي، مما يحول جنوب الليطاني إلى “منطقة معزولة” ساقطة عسكرياً.
الهدف السياسي: دعم موقف المفاوض الإسرائيلي في واشنطن لفرض واقع “المنطقة العازلة” منزوعة السلاح (من حزب الله والجيش اللبناني معاً). إسرائيل تفاوض “الدولة اللبنانية” لإحداث شرخ بينها وبين “حزب الله” الذي يرفض المفاوضات جملة وتفصيلاً.
ثالثاً: الاقتصاد العالمي.. نقطة الضعف في الدرع الأمريكي
هنا تكمن معضلة واشنطن؛ فالحصار الذي يخنق إيران يرتد “تضخماً” في الداخل الأمريكي.
فاتورة الحرب: وصول النفط لـ 152 دولاراً وتجاوز البنزين في أمريكا حاجز 6.5 دولار للجالون وضع إدارة ترامب في مأزق داخلي. التضخم الذي بلغ 9.2% هو “العدو الداخلي” الذي قد يجبر واشنطن على فك الحصار قبل أن تحقق أهدافها السياسية.
الرهان الإيراني: تراهن طهران على “عامل الوقت”؛ فكلما صمدت الجبهات في لبنان واليمن، زاد الضغط الاقتصادي على المواطن الغربي، مما قد يدفع المجتمع الدولي للضغط على واشنطن للتراجع.
رابعاً: دول الخليج.. من الاتكال إلى “الاستقلال الدفاعي”
شهدت الفترة الماضية تحولاً جذرياً في العقيدة الأمنية الخليجية. الهرولة لشراء أنظمة الدفاع الجوي (مثل ثاد ومنظومات الليزر) تعكس انخفاض الثقة في الحماية الأمريكية.
الحماية النسبية: تسعى دول الخليج لبناء “جدار صد” ضد المسيرات الإيرانية (التي تكلف 20 ألف دولار فقط) عبر استثمارات عسكرية بمليارات الدولارات، لضمان حماية منشآتها النفطية في حال قررت إيران “الانتحار الجيوسياسي” وضرب آبار النفط لكسر الحصار.
المسارات البديلة: رغم تشغيل الأنابيب بكامل طاقتها لتصدير 6.5 مليون برميل بعيداً عن هرمز، تظل هذه الحلول “مسكنات” لا تغني عن الممر المائي الرئيسي.
الخاتمة:
إن عملية “عض الأصابع” الدائرة الآن هي صراع إرادات بامتياز. إسرائيل تريد “جنوب ليطاني” بلا سلاح، وأمريكا تريد “خليجاً” بلا نفوذ إيراني، وإيران تريد “بقاءً” بأي ثمن. وبينما تحقق دول الخليج حماية نسبية تدريجياً، يبقى العالم رهينة لأسعار الطاقة وصمود المقاتلين في أزقة بنت جبيل. من سيصرخ أولاً؟ الأرقام تقول إن الجميع يتألم، لكن الرابح هو من يمتلك “نَفَساً” أطول من الآخر.