كتاب وشعراء

الصمت…..بقلم صلاح المغربي

الصمت لا يريد أن يكون عنواناً
بلا عنوان.
لأن العنوان مصباح يُشعل في وجه العابرين.
والصمت لا يحب أن يُرى قبل أن يُفهم.
الصمت يحب أن يظل في أذياله الأولى،
حيث لا أحد يسأل عن الاسم،
وحيث تكفي الإشارة الخافتة.
سقوط المعرفة من الغصن
لم أكن أعرف.
ثلاث حبات ندى تفلت من ورقة خريف،
لا تصطدم بالأرض،
تتلقفها الريح،
ثم تودعها في جوف التراب المبلل،
فتنبت صمتاً… صمتاً لا ساق له،
يمتد أفقياً كظل غيمة عابرة.
لم أكن أعرف أن للصوت سوقاً يعج بالمزايدين،
وللصمت نوافذ مشرعة على فناء داخلي لا يدخله غريب.
لم أكن أعرف أن لمن لا صوت له أبواقاً تنفخ في الرماد،
فتحسبها ناراً، وما هي إلا أنفاس تائهة تبحث عن حنجرة.
الآن عرفت.
والمعرفة هنا شفق أرجواني يتمطى على خاصرة الجبل،
لا يحرق، لا ينير،
يكتفي بأن يذكرك أن النهار كان هنا،
ثم يرحل تاركاً السؤال يتدلى من غصن الخيبة:
هل لمن لا صوت له صوت يريد أن يخرج؟
أم أن صمته هو الحكاية التي اكتملت فصولها دون أن يقرأها أحد؟
تشريح الواجهة
جريدتكم تسمى الواجهة.
والواجهة هي حجر البيت الذي يبيت في حضن الريح،
هي الخد الذي يتلقى الصفعة الأولى من الضوء،
هي ما يراه المارون قبل أن يروه.
الصمت يرفض أن يكون واجهة.
الصمت غرفة خلفية،
سرير قديم تصر نوابضه حين ينام عليه الوجد،
درج حلزوني يصعد نحو سطح لا يطل على شيء سوى السماء،
نافذة مقوسة على فناء داخلي يغسله ماء السكينة.
الصمت لا يبحث عن ضوء يقترضه من قنديل الجريدة.
الصمت يصنع ضوءه من العتمة ذاتها،
فتيلة تشتعل من برد اليقين،
وهج واهن يكفي لترى كفيك،
لترى وجهك في المرآة دون أن تكسر الصورة،
لترى فنجان قهوتك وقد برد،
فأدركت أن الدفء يتخفى في أن تشرب وحدك دون أن يفسد أحد طعم التأمل.
فكيف تمسكون به؟
كيف تكتبون عنه وهو ينسل من بين أسطركم كما ينسل الماء من بين أصابع الغريق؟
كيف تجعلونه خبراً عاجلاً وهو الدهر كله يتثاءب في جوفه؟
وردة الإيصال التي تأبى القطف
“نوصل صوت من لا صوت له.”
عبارة تلبس فستان زفافها وتنتظر التصفيق.
وردة بيضاء تحملها أياد صحافة أنهكها الركض خلف العناوين.
الوردة الحقيقية لا تُقطف لتوضع في مزهرية الجريدة.
الوردة الحقيقية تبقى على شجيرتها،
تستقبل الندى بصدر عار،
تستمع إلى سر النحلة،
تذبل على إيقاعها الخاص،
تسقط على ترابها الأول،
في صمت يليق بإكتمال دورة الشمس.
من لا صوت له لم يفقد صوته،
وجد في الصمت قارة واسعة،
والكلام مجرد جزيرة صغيرة تائهة في محيط تلك القارة.
أنتم تريدون أن تأخذوه من محيطه إلى بركتكم الصغيرة.
أن تستلوه من سكينته كما يُستل السيف من غمده،
لتخوضوا به حرباً لا تشبهه.
أن تحولوا وشوشة روحه إلى نشرة أخبار تذاع على عجل.
هل سألتم المحيط إن كان يريد أن يصير جدولاً؟
هل سألتم الليل إن كان يريد أن يصبح فانوساً؟
هل سألتم الصمت إن كان يريد أن يُخرس ضجيجه الخاص؟
السؤال الذي لم يطرق الباب
“هل يريد أن يُسمع؟”
هنا يتوقف النهر عن الجريان،
ويصغي إلى صوت الماء وهو يرتطم بضفة السؤال.
هنا يرفض القلم أن يبلع المداد.
هنا تجف الكلمات على شفة اللسان،
وتظل عالقة هناك،
تنتظر جواباً لن يأتي بالحروف.
لم تسألوه،
لأنكم لو سألتموه لسمعتم صمته يجيب.
وصمته هو الجواب.
وصمته يقول:
لا.
لا أريد أن يُسمع صوتي.
صوتي مجدول في ضلوعي،
يمشي في عروقي كما يمشي النورس على صفحة الموج.
صوتي لي وحدي،
أسمعه في الفسحة بين الشهيق والزفير،
في الفجوة العذبة بين النبضة والنبضة،
في حفيف شراييني حين يمر بها طيف حلم قديم.
أنا لا أريد ميكروفونكم الممدود كذراع متسول.
أريد أن تتركوني هنا،
في الركن الذي يألفه الغبار الناعم،
في الظل الذي لا تقطعه إلا عصافير الفجر.
حيث الضجيج لا يجد باباً،
وحيث الكلام يخلع حذاءه ويبقى حافياً على العتبة.
رسالة الصمت إلى الواجهة
وبعد أن سمع “من لا صوت له” جلبة نواياكم البيضاء،
قرر أن يتكلم.
لا ليكون صوتاً،
إنما ليكون سديم صوت،
غلالة من نبرة،
همساً يلامس الأذن ثم يتطاير كما يتطاير زغب الهندباء.
أيها الطيبون القابعون في الواجهة،
أيتها الأيادي التي تصافح الهواء بالميكروفونات،
أيتها النوايا التي تلبس ثوب البطولة.
شكراً لأن الذاكرة التفتت إلي.
الذاكرة أحياناً توقظ الحالم من حلمه الجميل.
وأنا كنت أحلم.
كنت في سهل أخضر لا يعرف خطى البشر.
كنت نسيماً لا يعرف شكل الغرفة.
أنتم تريدون إيقاظي لأسمع صوتي للعالم.
حلمي أوسع من يقظتكم.
صمتي أعمق من صحفكم المطوية على عجل.
زاويتي التي تسمونها مظلمة هي الشمس بعينها،
شمس لا تحرق، تدفئ فقط.
لا توصلوا صوتي.
صوتي طائر أليف لا يطير في الأقفاص.
صوتي أنفاسي، وأنفاسي لا توضع في مظروف.
صوتي هو سكينتي، وسكينتي لا تُقرأ على عجل بين خبرين.
اتركوني هنا.
في صمتي.
فصمتي هو جنتي الصغيرة.
وصمتي هو الأغنية الوحيدة التي لا يفسدها التكرار.
وصمتي لا يريد أن يكون عنواناً في الواجهة.
صمتي يريد أن يبقى في هامش الهامش.
بلا قارئ.
بلا ضوء.
بلا واجهة.
غيمة تمر ولا تمطر
وأنا،
حين انحنيت على هذه الورقة،
لم أكتب لأرفع صوتاً أو لأخفضه.
كتبت لأعتذر عن عدم الكتابة.
كتبت لأهمس في أذن الواجهة:
أنتم كرماء.
نواياكم ورد أبيض لم يتسخ بعد.
بعض الأصوات وُلدت لتظل دفينة الصدور،
وُلدت همساً بين الروح والمرآة،
سراً بين العاشق وعزلته.
فإن أردتم إكرام من لا صوت له،
فلا ترفعوا صوته.
أصغوا إلى صمته.
اجلسوا بقربه،
في زاويته المنسية،
دون كاميرا تجوع للصورة،
دون قلم يلتقم الكلمات،
دون صحيفة تنتظر ملء فراغاتها.
اصمتوا معه.
ففي ذلك الصمت المشترك،
سيولد ما لا تقدر الكلمات على حمله،
ما لا تسع الجريدة لنقله،
ما لا يحتمل ضوء الواجهة أن يفضحه.
صلاح المغربي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى