رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب : نهاية الحكواتي الأخير

في رواية أورهان باموق الحائز على نوبل ” غرابة في عقلي” يؤرخ لتاريخ اسطنبول من لحظة اختفاء بائع البوظة او الزبادي المتجول في عربة ــــــــــ مشروب عثماني ـــــــ الفقير مولود قره طاش.
من تلك اللحظة يعيد أورهان صياغة التاريخ المخفي للمدينة وليس من خلال القصور والنخب والأحداث الكبرى وهذا نموذج للتاريخ من أسفل، من القاع، من المهمل والمنسي والمحذوف من التاريخ والذاكرة والحكاية.
لكن بموازاة اختفاء مولد قره طاش التركي ، يكون موت العراقي عدنان البولاني علامة على نهاية زمن الصعاليك في البلدة وحكواتي الشوارع.
قضى صحوها سكراً، لم يفق يوماً إلا عندما تكون هناك أزمة عرق،
وما جدوى الصحو في بلد تحول الجميع فيه الى سكارى وما هم بسكاري،
تلوح الناس” مخروعة وتريد التوع” على قول الشاعر عريان السيد خلف،
قرر العصيان الأبدي في غيبوبة لا تنتهي في زمن يكون الصحو فيه مكلفاً والوعي جريمة واليقظة مرضا . إن أسوأ ما في تلك المرحلة أن تكون نظيفاً وواعياً واذا كنت تريد الموت أو النبذ أو التعفن في سجن، فليس عليك سوى أن تكون خارج السرب وتحلم لحسابك الخاص.
كان عدنان البولاني يعمل كعرضحلجي أي ما يعرف بــ” الكاتب العمومي” اذا استعرنا عنوان رواية المغربي الطاهر بن جلون مع الفارق عن الطاهر بن جلون في انه لا يتخيل شخصيات ولا حوادث بل تأتي اليه ويعيد صياغتها ويصنع مصائرها وهو يكتب الى المؤسسة، السلطة كما يشتهي خارج حدود الشكوى ويضيف ويحذف ويتلاعب بعقل القاضي في المحكمة ويغير من قرارات المؤسسة على مزاجه.
بهذا المعنى كان عدنان البولاني يمارس سلطة خفية على السلطة وفي حالات تتواطأ معه من خلال تجاهل ألاعيبه وحيله التي لا تقارن بحيل السلطة. كان يحاول جعل السلطة” تشفق” عن طريق عنف الكلمات وقوة المشاعر.
في أكثر من مرة غضب قاضي محكمة البلدة من المشتكي لتناقض قصته مع سردية البولاني في العريضة ــــــ الشكوى، قائلاً:
” أصدق من؟ أنت أم البولاني المعتوه؟”.
ولم يكن البولاني يكذب لحظة الكتابة كما يفعل روائي محترف بل كان منسجماً مع نفسه ومشاعره وكان يعيد صياغة القضية كما يشتهي وكما يمليه عليه الراوي الداخلي، أي انه ضحية اللغة واغواء الكتابة خاصة وهو يكتب وقائع تحت النشوة مما يجعلها تخرج ملونة بعالمه النفسي.
واذا فسر القاضي ذلك على انه كذب ـــــــــــ لأنه قارئ حرفي ـــــــــ فعدنان البولاني كان واثقاً أن القانون أكبر إكذوبة لأنه تلاعب به وحرفه مرات دون أن يُكتشف. القانون شيء وزجاجة العرق تحت الطاولة شيء مختلف. القصة الحقيقية ليست ما سمعها البولاني من المشتكي بل ما كتبها، أي ليس نسخ الواقع بل اعادة صياغة الواقع الموازي وهنا يقترب من الروائي المحترف. بالنسبة له الحقيقة في القصة التي كتبها لا في تلك التي سمعها ومن وجهة نظره ان الناس يملكون قصصاً مثيرة لكن المشكلة في التعبير عنها وهو ما يقوم به.
القاضي محكوم بقوانين المؤسسة في حين البولاني خارج كل القوانين ولا علاقة له بها ومحكوم بقانون النشوة، فكيف يلتقيان؟
السلطة واللذة أمران متناقضان لأن السلطة غاية وهدف واللذة لا هدف لها غير نفسها ولا زمن لها وتولد وتموت في اللحظة ذاتها وتكره الأرشيف إلا عندما تُكتب. هنا يلتقي البولاني مع غابريل ماركيز الذي كتب في مقدمة سيرته” الحياة ليس ما يعيشه أحدنا، وإنما ما يتذكره، وكيف يتذكره ليرويه” أي تخيل الحياة هو الأهم في الكتابة لأنها ليست صياغة حرفية للواقع.
عندما يجد البولاني ان اللغة تشابكت واغلقت يتوقف عن الاستمرار في الكتابة ويضع خاتمة قاسية خارج توقعات المشتكي. من الصعب ان يفهم أحد ان اللغة هي المسؤولة لانها وصلت الى طريق مغلق كما فسر رولان بارت انتحار الشاب فارتر في رواية” آلام فارتر” لغوته في ان انتحار فارتر ليس بسبب الحزن واليأس بل البناء اللغوي المعقد ولان لغة غوته وصلت الى طريق مسدود.
كان البولاني يجلس أمام باب دائرة التجنيد أو المحكمة في البلدة:
الدائرة تجند وعدنان البولاني يسرّح بدفاتر خدمة مزورة مقابل مبالغ مغرية.
ومرة كنت ماراً من أمامه في الصباح،
وكان داخلاً في مشادة صاخبة مع زبون قُبض عليه بدفتر خدمة مزور وسجن وسمعت البولاني يقول له:
” شنو تريده عُمر؟”.
من غير دفاتر الخدمة المزورة كان يبيع أوراق اعفاء ووثائق تأجيل من الخدمة
وغير مستبعد شهادة وفاة لمن يريد الهروب من الموت الفعلي الى الموت الرمزي وهو نفسه يضع الأسباب على مزاجه وحسب كمية العرق والنشوة في ذلك اليوم وليس معروفا اذا كان هناك من تواطأ معه في دائرة التجنيد والمستشفى والمحكمة في تزويده بالوثائق لأنه مؤسسة متنقلة.
اختفى فجأة وعادة ما يختفي وقيل إنه سجن ولا أحد يسأل عن الأسباب لأن كل الأسباب الواقعية والمتخيلة كافية لسجنه بل شنقه بعد ان لصقوا به كل الموبقات المتخيلة،
لكنه كل مرة ينبت أمام دائرة التجنيد ويُسرّح أكثر مما ضابط التجنيد يُجند.
مرات شاهدته يجلس أمام باب المحكمة، وعندما التقيت به يوماً على شاطئ نهر دجلة بعد أن بنى كوخاً مع كلبه،
ليعيش كهامشي في المكان والزمان على حافات البلدة، ومن النادر الاقتراب منه لأنه يحمل كل أنواع التهم الأسطورية خطأً أم نسيج الخيال العام في زمن سيطرة المرويات الشفوية المتخيلة التي تتحول الى حقائق مع الزمن،
قال لي بكل صدق:
” لو كنت أعرف كيف تُكتب الرواية لقلبت عاليها سافلها”.
كنت واثقاً من ذلك لأن البولاني هو الراوي السري للتاريخ المسكوت عنه،
لكل ما هو مخفي لأن “الكاتب العمومي” يكتب أحزان وهموم الآخرين ولا يبوح بأحزانه السرية، ولا أحد يحب سماعها، هو أكثر الناس معرفة بخبايا وأسرار البلدة.
روى لي تلك الجلسة وغيرها على الشاطئ بعض تلك السرديات وكانت فعلاً تتحدث عن الواقع المخفي وتلك وظيفة الرواية .
مرة طلبت منه امرأة كتابة شكوى عن زوجها، لكن البولاني المنتشي في صباح صيفي تأثر بمأساتها، فكتب لها “عريضة” طلاق وعندما سألها القاضي:
” أنت مصممة على طلب الطلاق؟”
صعقت المسكينة وهي تنتحب:
” طلاق؟ لا يا سيدي هذا المخبل البولاني”.
ولأن البولاني خارح أي اختزال وتصنيف ولا يمكن فهمه إلا من عالمه الداخلي، فاليوم الأخير من حياته كان منسجماً مع حياته رغم غرائبيته:
طلبوه للجيش الشعبي في حرب الخليج الأولى، أعطوه بندقية وبدلة خاكية،
لكن هذا المعتز بفرديته حتى النهاية والمصمم
على أن يعيش حياته كما يريد هو، عاش كما أراد لا كما أريد له وعليه أن يموت كما يريد، لذلك قرر أن تكون تلك الليلة هي الأخيرة.
إشترى ما يكفي من العرق والكرزات، وفّر للكلب أكبر كمية من اللحم كآخر وجبة عشاء،
لكن الشيء الغريب وغير المتوقع هو شريط كاسيت عن مقتل الإمام الحسين كان آخر ما سمعه وهو أمر لا مفسر لأننا عادة نميل إلى تسطيح الانسان واعتبار الظاهر هو الباطن، ونميل إلى التنميط والحفظ في ملف،
مع أن الانسان ليس سطحاً بل طبقات غائرة في الأعماق، من طين ووحل وتاريخ وغرائز وتناقضات والظاهر منه ليس الحقيقي.
لم يبق له قرب الفجر سوى أن يضع البندقية في رأسه ويضغط،
لم يكن خائفاً من الحرب بل من الاذلال.
دائماً أتخيله يترنح بعد الرصاصة وكاسيت المقتل يدور، الأرض تدور، الكلب أيضاً يدور في عينيه، خيول الصحراء تدور، الجدران ، الأرض تدور.
مع الكلب الخائف، الزجاجة الفارغة، هو يقترب من الأزرق المعتم، مع طائر يغرد على شجرة، مع الدم النازف، مع المقتل،
مع السنوات والقرون، مع القصة نفسها ، نحن أيضا نترنح اليوم،
وندور لكنننا نتساقط بالتدريج في الزمن نفسه مع المقتل نفسه مع الأيام نفسها التي تدور.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى