الوساطة الدبلوماسية والهندسة السياسية: كواليس العلاقة الأمريكية الباكستانية في “برقية” إسقاط عمران خان

كتب:هاني الكنيسي
لا شك أن الدأب الباكستاني في الوساطة بين واشنطن وطهران لاستئناف المفاوضات ووضع نهاية لحالة الحرب المؤجل تجددها كل لحظة، يحظى بتقدير الجميع، وفي مقدمتهم الرئيس الأمريكي الذي أثنى شخصياً على “همة ونزاهة” وزير الدفاع الجنرال عاصم منير في تقريب وجهات النظر ودفع المحادثات قدماً رغم الصعاب.
غير أن هذا الوهج الدبلوماسي لا يمكن عزله عن “خصوصية” العلاقة بين الولايات المتحدة والمؤسسة العسكرية الباكستانية الممتدة تاريخياً إلى بدايات نشأة جمهورية باكستان بعد انفصالها عن الهند في أربعينيات القرن الماضي
وظل التعاون العسكري والاستخباراتي -العلني والسري- بين الطرفين معروفاً منذ حقبة الحرب الباردة، عندما نسجت وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية CIA وجهاز الاستخبارات الباكستاني ISI شبكة تعاون معقدة، تبلورت ثمارها خلال الغزو السوفيتي لأفغانستان في ثمانينيات القرن الماضي (حين لعبت إسلام آباد دور الوسيط العملياتي الرئيسي في دعم المجاهدين)، ثم بلغ التعاون ذروته في الحرب الأمريكية على تنظيم القاعدة وحركة طالبان (نفس المجاهدين) عقب هجمات 11 سبتمبر.
هذا الإرث الاستخباراتي خلق نمطًا من “الشراكة المشروطة”، حيث تتداخل المصالح الأمنية مع الحسابات السياسية، والتي سمحت بتدخلات امريكية في “هندسة” المشهد السياسي بباكستان والتي ترجمها العديد من “الانقلابات” التي حفل بها تاريخ هذا البلد المسلم المكتظ بالسكان والفقير في موارده، والمحكوم بقبضة عسكرية فولاذية رغم الواجهة “الديمقراطية”.
أحدث محطات هذا التاريخ “المثير”، تكشفها وثائق مسربة عن “التواطؤ” الأمريكي في إزاحة رئيس الوزراء السابق ‘عمران خان’، والذي كان يُنظر إليه في واشنطن -خصوصاً في دوائر اللوبي الصهيوني- كعائق أمام إعادة ضبط التوازنات السياسية بما يتوافق مع أولويات الاستراتيجية الأمريكية.
إذ أعاد نشر موقع ‘دروب سايت نيوز’ Drop Site News (منصة صحفية استقصائية غير ربحية، مقرها واشنطن) لنص البرقية الباكستانية السرية المشفرة رقم I-0678، والمؤرخة في 7 مارس 2022، فتح ملف بالغ الحساسية في العلاقة “الآثمة” بين واشنطن وإسلام آباد.
الوثيقة، التي سبق أن نشر موقع “ذا إنترسبت” جزءًا منها في أغسطس 2023، لم تعد مجرد تسريب استخباراتي، بل تحولت إلى مفتاح لفك شفرة واحدة من أكثر لحظات التحول السياسي إثارة للجدل في تاريخ باكستان الحديث: إسقاط حكومة نجم الكريكت وصاحب الشعبية الطاغية ‘عمران خان’ (المسجون حالياً) في أبريل 2022.
تكشف البرقية عن اجتماع عُقد في واشنطن بين سفير باكستان آنذاك ‘أسد مجيد خان’، و مسؤول رفيع في الخارجية الأمريكية اسمه ‘دونالد لو’. ووفقًا لما ورد في نصها الأصلي (مرفق بالبوست صورة منه)، نقل المسؤول الأمريكي رسالة مفادها إمكانية تجاوز الخلافات مع حكومة عمران خان، وأنه “سيُغفر كل شيء” إذا ما جرى إقصاؤه هو “عبر تصويت برلماني بحجب الثقة”.
هذه العبارة، التي وردت حرفيًا في البرقية الدبلوماسية، تحولت إلى رافعة سياسية استخدمها أنصار ‘عمران خان’ مجددا للبرهنة على صحة روايتهم بشأن”التدخل الخارجي” في الشأن الباكستاني.
ولـ”توقيت” إرسال البرقية أهمية خاصة في فهم سياقها السياسي. إذ جاءت في أعقاب الغزو الروسي لأوكرانيا، وفي لحظة كانت إدارة ‘جو بايدن’ تسعى لحشد حلفائها، ومنهم باكستان، وتوزيع الأدوار عليهم. وكان ‘عمران خان’ قد اتخذ موقفًا اعتُبر في واشنطن أقرب إلى الحياد المائل نحو روسيا، خاصة بعد زيارته إلى موسكو في يوم بدء الغزو، وهو ما فاقم التوتر مع الولايات المتحدة، وأثار قلقًا داخل المؤسسة العسكرية الباكستانية التي لطالما حافظت على قنوات وثيقة مع واشنطن.
وبحسب تحليل ‘دروب سايت نيوز’، فإن أهمية البرقية لا تكمن فقط في محتواها، بل في “السياق المؤسسي” الذي تعكسه، حيث تداخلت الرسائل الدبلوماسية (السرية) من واشنطن مع تصاعد الخلاف بين ‘عمران خان’ ومراكز القوى في باكستان، لينتهي بإطاحته “عبر تصويت برلماني بحجب الثقة” مدعوم من المؤسسة العسكرية.
وفي شهادة لافتة نقلها موقع ‘ذا إنترسبت’ عن قيادي في الجيش الباكستاني في تلك الفترة، اعترف الرجل بتزايد تدخل المؤسسة العسكرية في السياسة محذراً من أن “سيناريو اضطراب داخلي يُشبه أحداث عام 1971″، في إشارة إلى الانفصال المؤلم لبنغلاديش—وهو تشبيه يعكس حجم القلق لدى بعض قيادات المؤسسة العسكرية نفسها.
وبعد إقالة خان، شهدت باكستان إعادة ترتيب سريعة لموازين السلطة، مع صعود حكومة ‘شهباز شريف’، وتعزيز نفوذ الجيش بقيادة الجنرال عاصم منير .. نجم الوساطة الباكستانية حالياً بين واشنطن وطهران.