رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب : دونية المختلف: من الزنجي الى الأسمر

كما فرض الاستعمار الغربي على الافريقي الاسود عقدة الشعور بالنفور من نفسه، وإنحرافا وجودياً في نظرته لنفسه بتعبير المفكر والروائي فرانز فانون في كتابه: “بشرة سوداء وأقنعة بيضاء”
فرض علينا الاستعمار الغربي الأمريكي العقدة نفسها:
النفور من الهوية ومن التاريخ ومن الحضارة ومن الذات، وكما كان الأسود يحلم يوماً بتغيير بشرته السوداء الى بيضاء، للهروب من ذاته المحقّرة، مايكل جاكسون نموذجاً، أو الزواج من شقراء تنقذه من الشعور بالدونية،
كذلك صار بعضنا يحلم بتغيير الهوية والهروب من الذات،
وبدل تغيير الجلد والنفور منه في حالة الأسود صار تغيير الهوية والنفور منها في حالتنا، لكي” يتماهى” مع الغربي المتحضر.
لكي تفكر جيدا وتكون انسانا يجب ان تفكر بطريقة أوروبية. تلك هي ” المركزية الأوروبية” التي اعتبرها مفكرون مثل سمير أمين رؤية طبقية عنصرية تلغي كل الثقافات.
لقد تحول زنجي فانون الأسود الافريقي الى الأسمر العربي المسلم كما في كتاب المفكر الامريكي الايراني الاصل حميد دباشي” بشرة سمراء وأقنعة بيضاء” ودباشي مؤرخ وفيلسوف وأحد تلاميذ أدوارد سعيد واستاذ في جامعة كولومبيا الامريكية.
بعد تمزيق الدول والمدن والكيانات والجماعات الى اشلاء وطوائف ومذاهب للسيطرة والتحكم، انتقلوا الى داخل الانسان لتمزيقه نفسيا وعقليا لكي لا يرى بوضوح ولكي يصدق ان المأزق فيه. لا يمكن السيطرة على انسان ثابت بهوية متماسكة ونهبه بل يتم ذلك في خلخلة الاسس والجذور التي يقف فوقها كالهوية والتاريخ والارض والتراث.
هذا الهروب من الذات دون وعي الأسباب الحقيقية لهذه النظرة الدونية للذات،
وهي ليست من طبيعة الهوية ولا التاريخ ولا الدين، لكنها من طبيعة سياسية تلازم الاحباط والفشل والخيبة في بناء الدولة الحديثة التي حاول الغرب الاستعماري الأمريكي وما يزال عرقلة ولادتها بشتى الطرق،
ولم يستطع العربي المسلم فهم العلاقة المتينة بين واقعه المتخلف،
وبين الهيمنة الاستعمارية المتغيرة الأشكال،
وعززت الثقافة الكولونيالية حتى بعد رحيل الاستعمار فيه الشعور بالنقص والتخلف العقلي لا لكي يواجهها هي كأحد مصادر الشر،
بل لكي يواجه ذاته المستلبة ويرثي حاله في نوع من الهروب من مواجهة الازمة الحقيقية الى التحايل على الذات وجلدها بعد أن أوهموه بالتكرار الممل والاعلام والسياسة والحروب والارهاب انه هو السبب لذلك نقل الأزمة من الخارج كأزمة هيمنة الى مشكلة ذاتية نفسية او أزمة هوية مفككة.
هذه الهندسة النفسية المشوهة هي نتاج الجهل والفشل في فهم طبيعة الأزمة وفي الفشل في التفاهم مع الذات،
وإذا كانت هذه النظرة الاستعمارية المشوهة قد فشلت مع الصينيين
ومع الهنود الذين كانوا في الفكر الغربي مخلوقات دون مستوى التفكير،
بل حيوانات ،
وهو أمر طبيعي من” المركزية الغربية” التي ترى العالم بعيونها هي،
اذا كانت هذه النظرة الدونية قد فشلت مع هؤلاء، بسبب جهود حكماء وفلاسفة ومثقفين وعلماء،
وبنت الصين والهند الدولة المدنية الحديثة، لكن هذه النظرة السلبية زرعت في العربي والمسلم، حتى صار ينظر لنفسه بعيون أخرى،
ويحاول الهروب من ذاته مع أن الحل الحقيقي هو الهروب الى الذات والتفاهم معها.
نحن شعوب ظُلمت وتستحق حياة أفضل،
واذا كانت السيطرة الاستعمارية والثقافية ونظم الحكم الدكتاتورية والبدائية
المدعومة من الغرب قد فرضت وأسست واقعنا اليوم،
فلا يتعلق الامر بثقافة او هوية او تاريخ ، بل في علاقات الهيمنة والنهب والمصالح وكل خلافات الهويات هو لخلق دوامة ومتاهة لا مخرج منها والازمة في العمق سياسة امبريالية جديدة تظهر على عكس حقيقتها ونظام دولي للهيمنة بقفازات جديدة من خلال منظمات الارهاب وصندوق النقد الدولي وسياسات الحصار الاقتصادي وغيرها.
كل محاولة الأسود للهروب من ذاته فشلت لذلك عاد للحل الوحيد وهو التصالح معها واحترامها والاعتزاز بها،
كذلك فشلت وستفشل كل محاولاتنا للهروب من الذات وجلدها وتحقيرها،
ولا خيار لنا غير التصالح مع الذات والهوية والتاريخ من خلال التصفية من الشوائب والقطيعة مع الجانب المشوه ، وهذا التصالح لا يعني القبول بكل شيء، بل القطيعة الفكرية مع الماضي، والقطيعة لا تعني الانفصال عنه بل التصفية،
والتمسك بالينابيع الصافية التي ما تزال حية ومشرقة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى