تاريخ العرب

البرامكة .. ملوك الظل الذين كادوا يحكمون العالم:

هل تخيلت يوماً أن رجلاً ينام وزيراً في أوج المجد ، ثم يستيقظ جثةً مقطوعة الرأس معلقة على جسر العاصمة؟!
هذه ليست رواية خيالية .. بل واحدة من أكثر القصص غموضاً وإثارة في التاريخ العباسي.
– دولة داخل دولة .. النفوذ الأسطوري:
في أواخر القرن الثاني الهجري ، كانت (بغداد) عاصمة الدنيا ، مدينة تتدفق إليها الثروات من الشرق والغرب ، وتمتد سلطة الدولة العباسية من حدود الصين شرقاً إلى تخوم الأندلس غرباً.
وفي قلب هذه الإمبراطورية الهائلة ، برزت أسرة واحدة حتى كاد الناس يظنون أن الخلافة كلها أصبحت في يدها .. إنهم البرامكة.
كان “يحيى البرمكي” المربي والمستشار الأقرب للخليفة “هارون الرشيد” ، حتى قيل إن “الرشيد” كان يناديه: «يا أبت».
أما ولداه “الفضل” و “جعفر” ، فقد بلغا من النفوذ ما لم يبلغه وزراء قبلهم .. كانوا يشرفون على الدواوين ، ويعينون الولاة ، ويقودون المشاريع الكبرى ، وينفقون الأموال بسخاء مذهل ، حتى أصبحت أسماؤهم تتردد في الآفاق كما تتردد أسماء الخلفاء.
هل كان هذا إخلاصاً في البناء ، أم إستعراضاً للقوة إستفز العرش؟
2- ليلة السقوط .. لغز النكبة:
وكان “جعفر البرمكي” على وجه الخصوص صديق “الرشيد” ونديمه المقرب ، لا يكاد يفارقه في سفر أو حضر ، وبدا للناس أن العلاقة بين الخليفة والبرامكة أقوى من أن تهتز .. لكن التاريخ كثيراً ما يخبئ العاصفة خلف الهدوء.
وفي ليلة واحدة سنة 187هـ تقريباً .. وقعت الصاعقة ، تغير كل شيء ، إنقلب عليهم “هارون الرشيد” إنقلاباً مرعباً ، أمر بقتل “جعفر البرمكي” فوراً ، وسجن “يحيى البرمكي” وابنه “الفضل” ، وصودرت الأموال والقصور والضياع ، وتحولت الأسرة التي كانت تحكم من خلف الستار إلى ذكرى يخشى الناس حتى الحديث عنها.
كانت تلك الحادثة التي عُرفت في كتب التاريخ باسم .. (نكبة البرامكة).
لكن السؤال الذي حيّر المؤرخين منذ أكثر من ألف عام .. لماذا فعل “هارون الرشيد” ذلك؟!
هنا تبدأ الروايات بالإختلاف .. فمن أشهر الروايات:
– الرواية العاطفية:
تقول إن السبب هو زواج “جعفر” سراً من العباسة أخت “الرشيد” وإنجابه منها ، وهو ما إعتبره “الرشيد” خيانة لا تغتفر.
غير أن كثيراً من الباحثين والمؤرخين يرون أنها أقرب إلى الروايات الأدبية منها إلى الحقائق التاريخية الثابتة.
– أما الرواية السياسي:
وهي الأرجح ، والتي يميل إليها عدد من المؤرخين ، فيرى أن البرامكة بلغوا من القوة والنفوذ والثروة درجة جعلت الخليفة يخشى أن تتحول دولتهم الخفية إلى دولة داخل الدولة ، فكان القرار الحاسم باستئصال نفوذهم قبل أن يصبح أقوى من العرش نفسه.
– البرامكة .. والجدل العرقي والقومي:
لم يتوقف الجدل عند هذا الحد .. فكان يُنظر للبرامكة أحياناً كرمز للنفوذ الفارسي داخل الدولة العربية.
فقد أتهمهم بعض المؤرخين بأن لهم ميولاً دينية وفكرية مثيرة للجدل ، وهي محاولتهم توسيع النفوذ الفارسي داخل الدولة العباسية ، وإحياء المجوسية تحت غطاء الإسلام ، وأنهم كانوا يخططون لإضعاف العرب لحساب الفرس.
– من القصور إلى القيود:
يُروى أن “يحيى البرمكي” وهو في السجن ، بعد أن فقد الجاه والسلطان ، سأله ابنه: «يا أبتِ ، بعد العز والجاه ، نصير إلى هذا؟».
فأجابه بكلمة تكتب بماء الذهب: «يا بني ، لعلها دعوة مظلوم سرت في ليل ، غفلنا عنها ولم يغفل الله عنها».
ومهما يكن من أمر .. فإن نهاية البرامكة بقيت واحدة من أعجب تقلبات الزمان.
فنكبة البرامكة تذكرنا بأن السلطة مهما عظمت فهي زائلة ، وأن القرب من الملوك قد يكون طريقاً إلى المجد أو إلى الهلاك .. وأن دوام الحال من المحال.
رحل البرامكة ، ورحل “الرشيد” ، وبقيت قصتهم شاهداً على أن عجلة التاريخ لا ترحم أحداً .. فما أكثر من ظنوا أن ملكهم لا يزول ، ثم أصبحوا سطوراً في صفحات الكتب.
المصادر:
– تاريخ الطبري
– الكامل في التاريخ
– البداية والنهاية
– مروج الذهب

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى