رؤي ومقالات

د.عاطف معتمد يكتب:إهناسيا الخضرا…إهناسيا المدينة !

سافرت الشهر الماضي في رحلة نهار واحد إلى إهناسيا في محافظة بني سويف.
في موقف ميكروباص الجهة القبلية من بني سويف صفوف عديدة تحمل أسماء البلدات والقرى، في صفين متجاورين تقف عربات إهناسيا الخضرا، وإهناسيا المدينة.
ليلة أمس تذكرت رحلتي تلك قبيل خلودي إلى النوم بعد إعلان وزارة الآثار عن كشوف جديدة في إهناسيا المدينة، كشوف تنتمي إلى عصور متتابعة فوق بعضها البعض من المصري القديم إلى العصر البيزنطي.
في رحلتي القصيرة إلى إهناسيا مررت أولا بإهناسيا الخضرا، وهو ما زال اسما على مسمى، إذ تحيط بها الحقول اليانعة من كل حدب وصوب.
لكن العين لا تخطئ التمدد العمراني من هذه القرية إلى تلك والتهام الأرض الزراعية.
الطريق الأسفلتي من بني سويف إلى إهناسيا المدينة ناعم ممهد، وهو تطور كبير في طرق النقل الداخلي بين القرى والبلدات.
لكن الطريق في مصر – وكما كتبت في مقال هنا قبل 5 سنوات – يتقمص شخصيتين متناقضتين:
– ففي الصحراء يصبح الطريق شريانا للحياة وناقلا للتعمير وأملا في مستقبل أفضل
– وفي الأرض الزراعية في الوادي والدلتا يصبح الطريق نذير خطر وطليعة هجوم واقتناص للأرض الزراعية وخصم من قدرات مصر في الأمن الغذائي.
وجود طريق أسفلتي يرفع سعر الفدان إلى عدة أضعاف، وقد يصل في بعض الأحيان إلى 10 أمثال ما كان عليه قبل مد الطريق، وذلك بسبب الطلب عليه للمباني والورش والاستغلالات التجارية والسكنية.
الأمر معضلة حقا، فمن ناحية لابد للناس أن ترتاح في التنقل من بلدة إلى أخرى.
لكن من ناحية أخرى فإن الملكية الفردية للقراريط والأفدنة تجعل كل فلاح مستعد للتصرف في الأرض وفق العرض والطلب.
ها قد وصلت إلى مدخل إهناسيا المدينة، وهو مدخل مبشر للغاية لمدينة تاريخية معروفة من آلاف السنين.
هذا المدخل الواسع المنظم أقيم أيضا على اقتصاص مساحات زراعية واسعة كي تبدو البلدة جميلة ومنظمة في استقبالها للخارجين والداخلين.
تجولت في بطن المدينة وتكشف لي نوعين من استخدامات الأراضي:
– التل الأثري الذي كانت عليه المدينة التاريخية
– البيوت والأزقة والشوارع الريفية التي تعد أفضل حالا نسبيا من بقية بلدات وقرى بني سويف.
لم تحمل إهناسيا صفة “المدينة” من فراغ، فقبل أربعة آلاف سنة أو يزيد كانت إهناسيا عاصمة لمصر كلها، في عهد الأسرتين التاسعة والعاشرة في تاريخ مصر القديم، ثم صارت لاحقا عاصمة للإقليم الإداري العشرين في مصر العليا.
وحين خضعت مصر للحكم اليوناني ومن بعده الروماني صعد هؤلاء الوافدون الغرباء فوق نواة المدينة المصرية القديمة.
مثلها مثل دلاص وأبو صير الملق وغيرها من بقية بلدات محافظة بني سويف، تعد إهناسيا المدينة كتابا متراكب الصفحات التاريخية.
أستاذنا محمد رمزي صاحب القاموس الجغرافي في منتصف القرن العشرين عاد إلى اثنين من عظماء تفسير أسماء الأماكن الأثرية في مصر وهما هنري جوتييه وإميل أميلينو، كما عاد إلى كتب التراث الجغرافي العربي في العصور الوسطى.
ومن هذه المصادر نعرف من محمد رمزي أن “إهناسية الخضرا” كان اسمها الأصلى إهناس الصغرى تمييزا لها من إهناس المدينة، ولما كانت كلمة الصغرى تحط من شأن هذه القرية، غيرت بالخضرا تفاؤلا بلون زرعها، ووردت منذ نهاية القرن 18 بهذا الاسم وما تزال إلى اليوم.
أما “إهناسية المدينة” فقد ذكر لها جوتييه في قاموسه بعض أسماء قديمة وهى : Hat nen nsout ومعناها قصر الطفل الملوكي، ثم تحرف الاسم إلى “خنـنسو” و “خننسي” وأصبح الاسم تحت حكم الرومان ولا سيما في العصر البيزنطي “مدينة هرقليس الكبرى”Heracleopolis Magna ، ولكن الاسم القبطي أخذ صياغته من الاسم المصري القديم وصارت تعرف بـ خنيس أو “هينيس” ومنه جاء الاسم العربي إهناس .
وكانت تعرف باسم “إهناس المدينة” حتى العصر العثماني ثم حرفت إلى إهناسية المدينة منذ ذلك التاريخ.
ومن أجمل ما ذكره الجغرافيون العرب قبل قرون عديدة وصفهم لإهناسيا المدينة بقولهم:
“”إهناس مدينة صغيرة متحضرة كثيرة الأهل، واسعة الخيرات، جامعة للبركات، نامية الزراعات، وكل شيء من المأكول بها كثير رخيص، ومتاجرها نافعة، وأسواقها مربحة “.
كنت قد توجهتُ إلى زيارة التل الأثري في إهناسيا المدينة لعلي أجد بعثة أثرية أو عاملين في الموقع لسؤالهم والاستفادة منهم، لكني وجدت المكان مغلقا مسيجا بسور، حماية له من الأيدي العابثة في المواقع الأثرية.
وبالأمس – 5 يونيو 2026 – أعلنت وزارة الآثار عن مكتشفات حديثة في إهناسيا المدينة ومن بينها المكتشفات التالية:
🔹 خرطوش للملك سنوسرت الثالث من الأسرة 12 في الدولة الوسطى.
ويتضمن الخرطوش اسمي التتويج والميلاد، علاوة على خرطوش آخر يحمل اسم المعبود “أوزير نا رف”، أحد المعبودات الرئيسية التي حظيت بالتقديس في إهناسيا خلال العصور المصرية القديمة والعصر البطلمي.
🔹 رأس تمثال نادر للمعبودة أفروديت إلهة الحب والجمال عند الإغريق، والتمثال مصنوع من الرخام، ويتميز بدقة التنفيذ وجمال التفاصيل الفنية التي تظهر ملامح الوجه والشعر المجعد بأسلوب يعكس السمات الفنية الكلاسيكية الشائعة في تماثيل المعبودات والشخصيات البارزة خلال تلك الفترة.
🔹أطلال كنيسة رومانية بدأت في الأصل في العصر اليوناني كمبنى عام للاجتماعات والأنشطة الإدارية والتجارية، قبل أن تتحول خلال العصر المسيحي المبكر إلى كنيسة لممارسة الشعائر الدينية والاجتماعات الكنسية.
ورغم اختفاء إهناسيا وتراجع شهرتها في العصر الحديث ها هي المكتشفات الأثرية الجديدة تضعها مجددا تحت دائرة الضوء وتعيد تذكيرنا بأنها مدينة عريقة وعاصمة لمصر وصاحبة مجد قديم !

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى