رؤي ومقالات

د.وليد عبد الحي يكتب:المُرَكَبْ الآيديولوجي ومستقبل العولمة

اعتقد ان الفيلسوف الالماني “هيغل” كان أكثر ادراكا من ماركس حين جعل من الديالكتيك ” منهجا ” لفهم آلية التحولات التاريخية بخاصة ان ماركس اعتقل المنهج في سجن مادي من ناحية ، وتوهم – من ناحية اخرى- بأن الشيوعية هي نهاية المطاف ، وستغلق الباب خلفها، بينما ابقى هيغل الباب مشرعا امام سلاسل متلاحقة من ” المُرَكَبات ” المتوالدة من رحم بعضها البعض .
ولو نظرنا في عدد الدول التي حكمتها احزاب شيوعية عام 1990-1991، سنجد انها 24 دولة ، لكن عددها هبط الآن الى 5 دول ، ولو نظرنا الى عدد الدول التي ما زال القطاع العام هو المساهم الأول في اجمالي الناتج المحلي ، فاننا سنجد البيانات التالية:
1- دولتان يتراوح نصيب القطاع العام بين 70-80%
2- 3 دول يتجاوز نصيب القطاع العام 50% بقليل.
3- 188 دولة يساهم القطاع الخاص بنصيب اعلى من القطاع العام ومن ضمنها الصين(نسبته 60%) وروسيا( 51.5% طبقا لتقديرات معهد الدراسات الاقتصادية التطبيقية (IEPI).
4- ان نصيب القطاع الخاص في بريطانيا التي توهم ماركس بانها ستكون مركز انطلاق الثورات الاجتماعية ما زال وبفارق كبير هو المسيطر(حوالي 90%).
ولو حسبنا المناصرة الميدانية- بين التحالفات الدولية – في حالات التنازع او الصراع الدولي سنجد ” حاليا ” ان القوى الرأسمالية اكثر تكرارا لنجدة حلفائها من عدد ومستوى نجدة القوى ذات النزوع الاشتراكي او اليساري للحلفاء ، كما توارت في ادبيات دول اليسار وبقدر لا يستهان به مفاهيم التحرر الوطني او النظرة الانسانية التي سادت لفترة ،ويكفي التدقيق في الموقف الفيتنامي من اسرائيل حاليا ومقارنتها بأدبيات هوشي منه،او ادبيات ماوتسي تونغ ومقارنتها بادبيات دينغ هيساو بنغ او شي جين بينغ الحالية…الخ.
ان الترابط الذي تنسجه العولمة(الترابط التكنولوجي والاقتصادي والمالي والثقافي والبيئي والاجتماعي والسياسي ..) يُجبر الآيديولوجيات على تكييف مرتكزاتها بما يتناسب مع هذا الترابط ، ومن هنا تتوالد “المركبات” الهيغلية ولكن بقدر من المرونة في فهم بنية هذه المركبات.
ولو ذهبنا في اتجاه الثنائية الدينية /العلمانية، سنجد ان حركة التجارة الدولية “بين ” الكتل الدينية( مسلم / مسيحي، او مسلم كونفوشي او هندوسي أو بروتستنتي مع بوذي..الخ) هي اعلى وبقدر كبير من معدل التبادل التجاري ” داخل ” الكتل الدينية وبفارق كبير ،وإذا ذهبنا لمؤشر الحروب الدينية ، سنجد ان نسبتها من اجمالي حروب العالم خلال القرن الماضي والى عام 2020 تتذبذب مع ميل عام للتراجع، ولعل دراسة الباحثة الروسية T Vasneva وموضوعها :
Unrest of the World of Soviet Islam تقدم تفسيرا لذلك بخاصة من جانب تصارع الظاهرة الدينية مع الارتباط القومي الذي تشرحه نظرية التجزؤ الهرمي
(Pyramidal Segmentary)
التي اسهب في شرحها
T V Sathyamurthy
وشرح فيها النزوع الى الولاءات الادنى. وتكشف الدراسات الكمية ان نسبة المسيحيين في العالم ستتركز غالبيتها في العالم الثالث في المستقبل ، وكذلك الحال مع البعثات التبشيرية وعدد الكرادلة في مختلف انماط الكنائس(كاثوليكية او معمدانية..الخ). ولو ربطنا المعطيات السابقة بتنامي التفسير العلماني للظواهر ، وغياب الملحق الديني من اغلب سفارات العالم، وتنامي دور التكنوقراط في هيئات صنع القرار، أو ان عدد الدول التي تنص في دساتيرها على دين الدولة او دين الحاكم تتراجع بشكل واضح، ولا يتجاوز عددها سبع وعشرين دولة
وبعضها يشير الى اعتبار الدين مصدرا للتشريع ، وهناك 30 دولة تنص على “دين محدد للحاكم”، بينما لم تحدد 163 دولة ذلك.
ماذا يعني ذلك:
1- هناك تكييف لكل الآيديولوجيات ، بل ظهرت دراسات عديدة تحمل تعبير (جديد-Neo)، وتُنشر الدراسات عن الماركسية الجديدة والرأسمالية الجديدة والعلمانية الجديدة او ما يعبر عنها مثل الحداثة وما بعد الحداثة، الى ان استقر في ادبيات العلاقات الدولية مصطلح “المابعدية”(Postism” والتي هي تعبير عن جدلية هيغلية واضحة”..
2- عندما وضع عالم الاجتماع الامريكي الشهير “دانيال بيل” كتابه الشهير :The End of Ideology: on the Exhaustion of political Ideas in the Fifties-1960 ، أوضح ان الآيديولوجيات والعقائد المطلقة ستتناطح مع نقائضها وتضطر الى اعادة النظر في الكثير من مسلماتها ،لكن ذلك لا يعني عدم مساهمتها في البنية الجديدة ،لكن تلك المساهمة ستكون ضمن قانون التناقض في بناء المركب الجديد.
لكن ما سبق يفرض سؤالا هاما وهو: هل نحن في الطريق الى عالم واحد متجانس لا تنازع فيه ؟ لا اعرف مفكرا واحدا من مفكري العولمة زعم ذلك ، فحتى اولاد آدم “قتلوا بعضهم ” وهم متجانسون بما يقارب المطلق ، ولا يوجد في التاريخ نموذجا لمجتمع واحد لم يعرف التنازع والصراع، فالاولويات في قانون التناقض ستبقى مصدرا للتصارع، لكن الوهم باغلاق الباب بعد آيديولوجية معينة هو ما ترفضه العولمة ، فلو اخذنا المجتمع الامريكي كنموذج يضم آلاف الهويات الفرعية العرقية والدينية واللغوية والالوان والمذاهب …الخ ،سنجد تواري مفهوم بوتقة الصهر “Melting Pot” من الادبيات الاجتماعية الامريكية لصالح مفهوم جديد شرع بتعميمه المؤرخ الامريكي كارل ديغلر(Carl Degler ) عام 1959 وهو مفهوم “طَبَق السَلطة” “Salad Bowl ” والذي يعني تعدد المكونات التي تحافظ على قدر من “ماهيتها”(او هويتها ) ولكنها تساهم مع غيرها في تشكيل “مذاق مشترك”. وفي تقديري ان العولمة ستسير في هذا الاتجاه …فالمنظومة المعرفية للعالم تتلاقح فكرا وفنا وموسيقى وادبا وعلوما ..الخ ، وهنا يتكون “طبق السلطة ” الذي يتذوقه الجميع بمقدار مشاركتهم في تكوينه، ومن لا يشارك في تكوين الطبق ، ليس من حقه التذوق الا من باب “التسول”.
ان النظرة المعيارية للعولمة امر يختلف عن فهم منهجها، والخلط بينهما يدفع البعض لتغليب المنظور المعياري على ثقل رسوخ المنهج، دون ان يعني ذلك اننا ندعو لاستبعاد المنظور المعياري، ولكنها دعوة للتحرر من قيود الحتميات..ربما.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى