
في هذه الظهيرة، رَحلتْ.
لم ترحلْ فجأة كما يفعل العابرون بل رحلتْ بعد ثماني سنوات كاملة من المفاوضات الصّامتة مع الألم.
ثماني سنوات كانت فيها تستيقظ كلّ يوم وكأنّها تبدأ معركة جديدة،لا تعرف إن كانت ستنتصر فيها أم ستخسر جزءًا آخر من جسدها.
كان المرض يسكنها لكنه لم يكن هي.
كان الأطباء يتحدّثون عن الأورام والتّحاليل ونِسب الشّفاء والانتكاسات بينما كانت هي تتحدث عن الغد وعن زهرة فُتِحتْ في الحديقة وعن وُجوه تحبّ أن تراها تبتسم.
في كلّ مرّة كان السّرطان يظنّ أنّه اقترب من هزيمتها، كانت تُفاجئه بحياة جديدة.
تضحك،تحلم وتزرع الأمل في قلوب الآخرين رغم أنّ قلبها كان يعرف أكثر منهم حجم المعركة.
ثماني سنوات طويلة مرّت عليها بين غُرف الانتظار ورائحة الأدوية البيضاء وأصوات الأجهزة الباردة. تعلّمت خلالها أنّ الألم ليس دائمًا صراخًا بل قد يكون صمتًا طويلًا يختبئ خلف ابتسامة صغيرة.
وكانت تبتسم كثيرًا،حتى أولئك الذين لم يعرفوا مرضها جيدًا كانوا يظنّون أنّ الحياة تُدلّلها.
لم يكونوا يرون اللّيالي التي كانت تقضيها وهي تُفاوض الوجع على قليل من النّوم ولا الدّموع التي كانت تمسحها قبل أن يراها أحد.
كانت تخاف أحيانًا،نعم، كانت تخاف.
فالذين يُقاومون ليسوا أبطالًا من حجر وإنّما هُم بشر من قلب ولحم وذاكرة، لكنّها كانت كلّما خافت تعود فتقف من جديد وكأنّ بداخلها جيشًا كاملًا لا يراه أحدٌ.
واليوم، عندما توقّف قلبها عن الخفقان، قال البعض إنّ السّرطان انتصر،لكن الحقيقة كانت مُختلفة.
فالمرض الذي احتاج إلى ثماني سنوات كاملة كي يُرهق جسدها لم يستطع خلال تلك السّنوات أن ينتزع منها إنسانيّتها ولا حبها ولا طيبتها ولا حتّى قُدرتها المُدهشة على بثّ النّور في العتمة.
رحلت هي،أمّا المرض فقد رحل معها أيضًا.
انتهى وُجوده في اللّحظة نفسها التي أغمضت فيها عينيها بينما بقيت هي في الذّاكرة.
بقي صوتها وبقيت ضحكتها وبقيت آثار خطواتها في قلوب الذين أحبّوها.
لذلك حين أُغلقت عيناها للمرّة الأخيرة، لم يكن المشهد مشهد انتصار مرض على إنسان وإنّما كان مشهد إنسانة أنهكتها المعركة، ثمّ وضعت سلاحها أخيرًا بعد أن قاتلت بشرفٍ لثماني سنوات كاملة.
وربّما لهذا السّبب لم يكن الحزن اليوم على امرأة رحلت فحسب بل على قصّة شُجاعة وصلتْ إلى فصلها الأخير.
أمّا النّهاية الحقيقية فما زالت تُكتب في قلوب الذين لن ينسوها أبدًا.