حسام السيسي يكتب:ما بعد الحرب: كيف صنعت إيران شرعية إقليمية جديدة بينما انكشف الفراغ العربي؟

لا تكمن أهمية الاتفاق بين إيران والولايات المتحدة في بنوده فقط، بل في ما يكشفه عن تحوّل أعمق يجري في بنية الشرق الأوسط نفسها.
فعادة ما تُقرأ الحروب من خلال الخرائط العسكرية: من قصف أكثر؟ من خسر أكثر؟ من امتلك القدرة التدميرية الأكبر؟
لكن هذه القراءة غالبًا ما تفشل في فهم ما يبقى بعد توقف إطلاق النار.
فالحروب لا تعيد توزيع القوة فحسب، بل تعيد توزيع الشرعية أيضًا.
وهنا تكمن القصة الحقيقية.
طوال عقود، تعاملت معظم التحليلات العربية مع النفوذ الإيراني باعتباره نتاجًا للأيديولوجيا أو التمويل أو الدعم العسكري للحلفاء. لكن الحرب الأخيرة كشفت أن العنصر الأكثر أهمية ربما كان شيئًا آخر تمامًا:
القدرة على إنتاج شعور بالضمان.
في علم الاستراتيجية لا تُقاس القوة فقط بما تملكه الدولة من أسلحة، بل بمدى اقتناع الحلفاء بأنها لن تتخلى عنهم عندما ترتفع الكلفة.
وهذه هي النقطة التي صنعت الفارق.
فمنذ سنوات طويلة بنت إيران سردية سياسية تقوم على معادلة واضحة: الاعتداء على أحد مكونات المحور لا يُنظر إليه باعتباره حدثًا محليًا، بل باعتباره مسألة تمس المنظومة كلها.
قد يختلف كثيرون مع هذه المقاربة، لكن لا يمكن تجاهل أثرها السياسي.
لأنها منحت طهران ما يمكن تسميته بـ”شرعية الالتزام”.
وهي شرعية مختلفة عن شرعية القوة أو شرعية القانون الدولي أو شرعية الانتخابات.
إنها شرعية الحليف الذي يعتقد شركاؤه أنه سيبقى حاضرًا عندما تبدأ المخاطر.
في المقابل، عاش النظام العربي خلال العقود الأخيرة أزمة مختلفة.
لم تكن أزمة موارد.
ولم تكن أزمة جغرافيا.
بل أزمة مشروع.
فمعظم القوى العربية الكبرى تحولت تدريجيًا من فاعلين استراتيجيين إلى مديري أزمات.
والفرق بين الوظيفتين هائل.
الفاعل الاستراتيجي يسعى إلى تشكيل البيئة السياسية والأمنية المحيطة به.
أما مدير الأزمة فيتحرك بعد وقوع الحدث بهدف الحد من الخسائر.
ولهذا السبب بدت دول عديدة وكأنها تراقب التحولات أكثر مما تصنعها.
من هنا يمكن فهم لماذا خرجت إيران من هذه المواجهة بصورة مختلفة.
ليس لأنها حققت انتصارًا عسكريًا مطلقًا.
وليس لأنها أصبحت القوة الوحيدة في المنطقة.
بل لأنها نجحت في ترسيخ صورة الدولة التي دفعت كلفة الدفاع عن شبكة تحالفاتها.
وهذا النوع من الصور السياسية أكثر بقاءً من نتائج المعارك نفسها.
إبستمولوجيًا، تكشف الحرب خطأً متكررًا في فهم الشرق الأوسط.
فكثير من النخب السياسية لا تزال تنظر إلى المنطقة من خلال نموذج الدولة التقليدية الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية.
بينما الواقع الحالي يعمل وفق منطق مختلف.
النفوذ اليوم لا يُبنى فقط عبر الحدود والجيوش والاقتصاد.
بل عبر القدرة على إنتاج شبكات ثقة عابرة للحدود.
أي أن السؤال لم يعد:
من الأقوى؟
بل:
من الأكثر استعدادًا لتحمل كلفة التزاماته؟
وهنا يظهر الفراغ العربي بوضوح.
لأن القضية الفلسطينية، التي كانت تاريخيًا مصدر الشرعية المركزية للنظام العربي، تحولت تدريجيًا إلى ملف يُدار لا مشروع يُبنى حوله.
وفي اللحظة التي تراجع فيها المشروع، بدأت قوى أخرى بملء المساحة الفارغة.
لهذا فإن ما نشهده ليس مجرد صعود إيراني.
إنه أيضًا انعكاس لحجم التراجع العربي.
فالتاريخ لا يترك الفراغات.
والجغرافيا السياسية لا تعرف المقاعد الشاغرة.
أي مساحة ينسحب منها لاعب رئيسي، سيملؤها لاعب آخر.
أما العنصر الأكثر إثارة للاهتمام في هذه الحرب فهو الدور الباكستاني.
نحن أمام تطور يتجاوز فكرة الوساطة التقليدية.
لقد تحدثت سابقًا في كتابي “#الانكشاف_العظيم” عن مفهوم “الوسيط الضامن”.
وهو نموذج مختلف تمامًا عن الوسيط الكلاسيكي.
فالوسيط التقليدي ينقل الرسائل.
أما الوسيط الضامن فيشارك في بناء الثقة ويوفر مظلة سياسية وأمنية تجعل الاتفاق قابلًا للاستمرار.
وفي عالم يتجه نحو تعددية قطبية متسارعة، قد يصبح هذا النموذج أحد أهم أدوات إدارة الأزمات الدولية خلال السنوات المقبلة.
السؤال الحقيقي إذن ليس ما إذا كانت الحرب قد انتهت.
بل ماذا ولّدته الحرب.
لأن الاتفاقات تنهي المعارك.
أما الشرعيات الجديدة فتبدأ عادة بعد انتهاء المعارك.
وإذا كان هذا الاتفاق يمثل بالفعل بداية مرحلة جديدة، فإن أهم نتائجه قد لا تكون اقتصادية أو نووية أو أمنية.
بل إعادة تعريف من يملك الحق المعنوي والسياسي في ادعاء تمثيل قضايا المنطقة.
وعند هذه النقطة تحديدًا يبدأ الفصل التالي من تاريخ الشرق الأوسط.