رؤي ومقالات

محمد كوجا يكتب :ميراث هواري بومدين

في كل سنة يعود اسم هواري بومدين إلى واجهة النقاش العمومي بمناسبتين أساسيتين: 19 جوان، تاريخ الانقلاب الذي حمله إلى السلطة سنة 1965، و29 ديسمبر، يوم وفاته. غير أنّ حضور الرجل لا يقتصر على الذاكرة الرمزية أو الجدل السياسي، بل يتجلى بصورة أعمق وأهدأ في هندسة المؤسسات الوطنية، وفي عقيدة السياسة الخارجية الجزائرية كما تشكلت منذ أواخر الستينيات.
الملاحظ أنّ معظم ما كُتب عن هواري بومدين، وهو في الأصل إنتاج محدود نسبيًا إذا قيس بحجم تأثير هذه الشخصية الوطنية، يظل أسيرًا لاعتبارات ظرفية. كثير من الدراسات الجامعية والبحوث التي أنجزت في الثمانينيات، انشغلت بتثبيت شرعية النظام السياسي الذي أعقبه، أكثر مما انشغلت بتحليل تجربته في ذاتها؛ فكانت، عن وعي أو عن غير وعي، تمدّ خطاب شرعية نظام الشاذلي بن جديد بأدوات تأويلية جاهزة. في المقابل، ظهرت كتابات نقدية حادة اتخذت من بومدين أو من فترة حكمه، هدفًا لتصفية حسابات سياسية أو إيديولوجية، فجاءت أقرب إلى المحاكمة السياسية منها إلى التحليل التاريخي، ولم ترتقِ غالبًا إلى مستوى الموضوعية أو بناء استنتاجات بحثية رصينة.
من هنا تبرز أسئلة جوهرية تتجاوز ثنائية التمجيد والشيطنة: ما هو الميراث السياسي الحقيقي للرئيس هواري بومدين؟
-إلى أي مدى ما تزال خياراته الكبرى مؤثرة في بنية المؤسسات السياسية والعسكرية، وفي منطلقات السياسات الوطنية في مجالي التنمية والتموقع الإقليمي والدولي للجزائر؟
– وهل نحن أمام مرحلة مغلقة في التاريخ السياسي الجزائري، أم أمام “مصفوفة مرجعية” تستمر في تشكيل طريقة تفكير السلطة السياسية حتى اليوم؟
1-المسار و الاقدار
يُجسّد مسار هواري بومدين نموذجًا لما يمكن تسميته التسريع الثوري،في تشكّل النخبة الحاكمة بعد الاستقلال. فمنذ مشاركته الأولى سنة 1955 في قيادة اليخت دينا الذي نقل شحنة أسلحة من مصر، إلى قاعدة جيش التحرير في المغرب، دخل الشاب محمد بوخروبة باسمه الثوري هواري بومدين، في مسار صعود سريع داخل الهرم العسكري للثورة. وقد جسد هذا الصعود في حد ذاته بالنسبة لبومدين وللالاف من الشباب الجزائري المنخرط في الثورة الجزائرية، دينامية ثورية تعيد توزيع الأدوار والمهام ضمن افق وطني تحريري، يدفع تحت ضغط حرب تحرير شاملة، بالطاقات الأكثر استعدادًا إلى المواجهة مع الكولونيالية الفرنسية في أكثر صورها عنفًا.
تشكلت شخصية بومدين في تقاطع بعدين متلازمين: البعد العسكري–الثوري، والبعد السياسي الذي عرف تسارعًا لافتًا. مع قيام الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، استعاد الجزائريون لأول مرة منذ زمن الأمير عبد القادر، شكل السلطة الوطنية المنظمة. ثم جاء تأسيس قيادة الأركان لجيش التحرير الوطني، التي تولى بومدين قيادتها، ليعيد تجسيد “القيادة العليا للجيش الجزائري” في صيغة حديثة، بعد أن كانت آخر تجلياتها مع جيش الأمير عبد القادر، ومن قبله جيش الداي حسين بقيادة الآغا إبراهيم.وربما من هنا يجب تحليل كاريزما شخصية بومدين وعمقها في الوجدان الشعبي،لان هواري بومدين هو اول قائد اعلى عسكري وطني منذ عصر الأمير عبد القادر.
ادخل التموضع على رأس أركان جيش التحرير بومدين في صراع مباشر مع الحكومة المؤقتة، بلغ حد القطيعة في لحظة الاستقلال، حين تحرك هواري بومدين مع جيش الحدود بسلسلة من المناورات السياسية والعسكرية، انتهت بقيام السلطة التي حكمت الجزائر بعد 1962. في ظرف سنوات قليلة، انتقل الرجل من قائد ناحية عسكرية ثم قائد اركان العامة لجيش التحرير الوطني،إلى وزير للدفاع ثم نائب لرئيس الجمهورية وهو لم يتجاوز الثلاثين من عمره؛ وهي مفارقة تكشف عن تكثف أحد ملامح اللحظة الثورية لجيل الشباب بفظل الثورة التحريرية،جيل شاب تقدّم إلى قمّة هرم السلطة في الجزائر المستقلة، في سياق انهيار النظام الكولونيالي وفشل جيل كامل من السياسيين المحنكيين من الحركة الوطنية.
2-بناء دولة لا تزول بزوال الرجال
من بين أهم إنجازات هواري بومدين غداة الاستقلال،هو إعادة صهر وحدات جيش التحرير الوطني، في إطار مؤسسي جديد هو الجيش الوطني الشعبي. بإعادة هيكلة عميقة على مستويين:
-على مستوى البناء التنظيمي، حيث جرى توحيد الكتائب والفيالق المختلفة في جيش نظامي حديث، مع إعادة توزيع للرتب والقيادات بما يضمن الانسجام مع المهام الجديدة للجيش الجزائري لمرحلة ما بعد الاستقلال.
-على مستوى الفلسفة السياسية للمؤسسة العسكرية، كرّس بومدين تصورًا مغايرًا للجيش عن النموذج التقليدي، الذي تنحصر وظيفته في الدفاع الخارجي وحماية الحدود. في هذا التصور، الجيش الوطني الشعبي هو العمود الفقري للدولة الجزائرية،فهو مؤسسة ذات جذور شعبية، وتتوسع مهامه لتشمل الحفاظ على كيان الدولة ذاتها من الانهيار أو التفكك، خصوصًا في سياق التصدي للتهديدات التي تستهدف البنى السياسية والمدنية ضمن اشكال معقدة من الحروب الهجينة.
لقد تحول هذا الفهم لدور الجيش الجزائري من الممارسة واقعية، إلى مبدأ منظِّم للعلاقة بين السياسي والعسكري، كرّسته الدساتيرالجزائرية المتعاقبة بصيغ مختلفة، عبر التأكيد على أن الجيش الوطني الشعبي سليل جيش التحرير، واعتباره ضامنًا لوحدة التراب الوطني واستمرارية الدولة. هنا يتجلى أحد أهم وجوه ميراث بومدين المستمر: مركزية المؤسسة العسكرية ليس فقط في حفظ وحدة الدولة، بل أيضاً في هندسة دقيقة التوازن داخل السلطة؛ إذ كرس هواري بومدين تطبيع فكرة أن القيادة العليا للدولة هي، في الجوهر، صيغة توحيد بين رأس السلطة السياسية وقيادة الجيش. من هذه الزاوية يمكن فهم احتفاظ أغلب رؤساء الجزائر منذ عهد بومدين بمنصب وزير الدفاع الوطني، أو إشرافهم المباشر على هذا القطاع الحساس؛ فالأمر يتعلق بتجسيد قناعة راسخة بأن الفصل الشكلي بين السياسي والعسكري، قد يضعف قدرة الدولة على إدارة التهديدات، بينما وحدة القيادة تُعد ضمانة لاستمرارية النظام واستقرار الدولة.
أظهر الإرث البومديني فيما بعد الدور المحوري للجيش ،في الأزمات الكبرى التي واجهتها الجزائر في مختلف الفترات، وأنه الفاعل غير القابل للاستبعاد في أي ترتيبات سياسية،كما ظهر في مناسبات عدة لاسيما في 1979 و 1992،وفي 1995 و1999 و2019. ومن عمق تأكيدات عودة ميراث بومدين المستمر على المستوى السياسي ،يطرح السؤال الذي لا يزال يؤطر النقاش حول الإصلاح السياسي في الجزائر:
كيف نحافظ على دور الجيش كضامن لوحدة الدولة وإستقرارها،مع مواصلة تعميق الطابع المدني والدستوري للنظام؟
لعلى أحد مظاهر الرد على هذه الإشكالية ما يمكن قراءته في إعادة تنشيط المجلس الأعلى للأمن، بتركيبته التي تجمع بين المكوّنَين المدني والعسكري خلال فترة حكم الرئيس عبد المجيد تبون، بوصفها تعبيرًا مؤسسيًا حديثًا عن استمرارية هذا الميراث البومديني، في تنظيم العلاقة بين السياسي والعسكري داخل القيادة العليا للدولة. فالمجلس، من حيث طبيعته ووظيفته، لا يختزل المسألة الأمنية في بعدها العسكري الصرف، بل يوسّعها لتشمل أبعادًا سياسية واقتصادية واستراتيجية، بما يجعل صناعة القرار العليا أقرب إلى منطق التنسيق البنيوي بين مختلف مراكز السيادة. ومن هذه الزاوية، لا يظهر تفعيل هذا الإطار فقط كآلية لإدارة المخاطر والتهديدات، بل أيضًا كصيغة أعمق لتوسيع قاعدة العلاقات المدنية–العسكرية داخل هرم السلطة، عبر إدماج الرؤية الأمنية في التقدير السياسي، وربط القرار السياسي بالمعطيات الاستراتيجية والعسكرية في إطار مؤسسي منظم.
وهكذا يتأكد أن أحد وجوه الاستمرارية في الدولة الجزائرية، لا يكمن فقط في محورية دور المؤسسة العسكرية، بل في السعي الدائم إلى بناء قنوات مشتركة، بين المستويين المدني والعسكري لصياغة رؤية موحّدة للقيادة في مواجهة التهديدات والمخاطر.
3- من الشرعية الثورية إلى زعامة الجنوب
إذا كان بومدين قد ترك أثرًا عميقًا في هندسة العلاقة بين الجيش والدولة، فإن بصمته في السياسة الخارجية لا تقل وضوحًا؛ بل يمكن القول إن صورة الجزائر الدولية حتى اليوم ،ما تزال تُقرأ جزئيًا من خلال عدسة المرحلة البومدينية. فقد صاغ بومدين، في سياق الحرب الباردة وتصفية الاستعمار، عقيدة السياسة الخارجية للجزائر تقوم على ثلاثة أعمدة مترابطة: توسيع الانتماء لحركة عدم الانحياز، ودعم حركات التحرر الوطني، وتوظيف الموارد الطاقوية لتكريس الاستقلال الاقتصادي.
في قمة عدم الانحياز بالجزائر العاصمة سنة 1973 ،انتقلت من موقع الدولة الخارجة لتوّها من حرب تحرير، إلى موقع الفاعل الذي يطمح إلى قيادة جزء من العالم الثالث سياسيًا ورمزيًا.كان خطاب الرئيس هواري بومدين في افتتاح المؤتمر الرابع لحركة عدم الانحياز ، تلخيصًا مكثفًا لأجندة الجنوب العالمية: إصلاح منظومة العلاقات الاقتصادية الدولية، الدفاع عن حق الشعوب في تقرير المصير، ورفض تحويل الحركة إلى ملحق لأي من المعسكرين. ساهمت هذه الرؤية في تثبيت صورة الجزائر كقوة وسطية ترفض الاصطفاف العسكري المباشر، لكنها لا تقف على الحياد تجاه قضايا التحرر والعدالة الدولية.
جعل بومدين من دعم حركات التحرّر خيارًا بنيويًا لا تفصيلًا تكتيكيًا. فالدبلوماسية الجزائرية في عهده لم تكتفِ بالخطاب، بل قدمت دعمًا سياسيًا وماديًا لتجارب متعددة: من جنوب إفريقيا وموزمبيق وأنغولا إلى فيتنام وتيمور الشرقية، مرورًا بالقضية الفلسطينية التي تعامل معها، بوصفها امتدادًا مباشرًا لتجربة التحرر الجزائرية ذاتها. هذا التموقع خلق شبكة واسعة من العلاقات في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، رسّخت ما يمكن تسميته اليوم بـالرأسمال الرمزي للسياسة الخارجية الجزائرية: صورة بلد يقف مع المقهورين، لا بوصفه وسيطًا محايدًا فحسب، بل كشريك في معركة التحرر. إن الجانب المهم في الحضور الحالي للجزائر في ملفات إفريقية وفلسطين، واستدعاء الخطاب المناهض للاستعمار في المنابر الدولية، يستند مباشرة إلى إرث فترة بومدين،و الذي ما زال يشع في الدبلوماسية الجزائرية الى اليوم.
لقد أدرك الرئيس بومدين مبكرًا أن الاستقلال السياسي يبقى منقوصًا دون استقلال اقتصادي، وأن النفط والغاز يمكن أن يتحولا من مادة خام للبيع إلى أوراق قوة في السياسة الخارجية. ومن هذا المنظور شكل تأميم المحروقات سنة 1971 لحظة مفصلية في هذا المسار،لانه كان رسالة سيادية ، وإسهامًا في النقاش الأوسع داخل أوبك والعالم الثالث حول “النظام الاقتصادي الدولي الجديد”،كانت النقلة النوعية لهواري بومدين هي استخدم موارد الطاقة كأداة لإعادة التفاوض،لمنح الجزائر مواقع افظل في المنظومة الدولية وليس فقط لتمويل مشروعه التنموي الداخلي.
إن ثلاثية إرث هواري بومدبن :عدم الانحياز النشط، مركزية دعم حركات التحرر، وتسييس الموارد الطاقوية، أسّس لعقيدة السياسة الخارجية الجزائرية ما تزال ملامحه حاضرة اليوم، وإن في سياق دولي مختلف. فالجزائر تعود بقوة إلى إفريقيا وإلى منابر الجنوب، تستعيد الارث البومديني في الدفاع عن سيادة دول الجنوب ومناهظة الهيمنة ،والمطالبة باسم دول الجنوب الكبير بإصلاح مؤسسات الأمم المتحدة والدفاع على الشعوب المظلومة.
4-نحو “إستدامة” ميراث هواري بومدين
إن أي مسعى لبناء إستدامة ميراث هواري بومدين تدفع الى طرح السؤال التحوّل التالي :
– إلى أي مدى يمكن لعقيدة خارجية تشكّلت، في مرحلة الثورة التحررية ومتطلبات ما بعد الاستقلال، أن تتكيّف مع عالم تتحوّل فيه موازين القوة حول التكنولوجيا و الذكاء الاصطناعي وسلاسل القيمة المعولمة؟
تقدم دراسة وتحليل تجربة هواري بومدين رؤية مفيدة للجزائر حاليا ، ليس فقط لاستعادة “زمن الزعامة”، بل لاستخلاص الدروس حول كيفية استخدام هوامش القوة المتاحة، لدولة متوسطة الحجم لبناء موقع تفاوضي أفضل، في زمن تتغير فيه تعريفات القوة ذاتها.
يمكن النظر إلى تطوّر السياسة الخارجية الجزائرية منذ الاستقلال إلى اليوم، باعتباره تعديلاً في الأدوات واللغة أكثر منه قطيعة مع ميراث بومدين؛ فأساس المواقف الكبرى لم يخرج في جوهره عن الإحداثيات التي رُسمت في سبعينيات القرن الماضي. فقد أسّس الرئيس هواري بومدين لثوابت واضحة تقوم على عدم الاصطفاف في الأحلاف الخارجية، خصوصًا في بعدها العسكري، واعتبار الجنوب العالمي الذي يشمل إفريقيا والعالم العربي وحركات التحرر، الحاضنة الطبيعية لسياسة الجزائر، ورفض كل أشكال الهيمنة والسيطرة على حرية الشعوب واستغلال ثرواتها. هذه الثوابت، المستمدة من بيان أول نوفمبر وتجربة حرب التحرير، تحوّلت مع الزمن إلى “عقل استراتيجي” يُوجِّه خيارات الدولة الجزائرية، حتى عندما تتغير النخب والظروف الدولية.
رغم التحولات العميقة في النظام الدولي من الحرب الباردة إلى تعددية متوترة وحروب بالوكالة وصعود قضايا جديدة كالإرهاب والرقمنة والطاقة، ظلّت الجزائر تُعيد صياغة مواقفها ضمن نفس الأطر المرجعية: استقلالية القرار ورفض التحالفات العسكرية الخارجية الصلبة، الدفاع عن قضايا الجنوب وفي مقدمتها فلسطين والصحراء الغربية، والدعوة إلى نظام دولي أكثر عدلًا في توزيع السلطة والثروة. الفارق الأساسي أن لغة الخطاب انتقلت من نبرة ثورية–راديكالية في زمن بومدين إلى براغماتية أكثر هدوءًا اليوم، لكن مضمون الرسائل لم يتغير كثيرًا: لا للهيمنة، لا للمساس بحرية الشعوب في تقرير مصيرها، ولا لتحويل مواردها إلى مجال استغلال أحادي لصالح القوى الكبرى. إن «ثوابت السياسة الخارجية الجزائرية» يمكن فهمه إلى حد بعيد كاستمرارية محدثة للميراث البومديني، أكثر منه هندسة جديدة منقطعة عن الماضي.
يمكن النظر إلى قرار تأميم المحروقات بوصفه اللحظة التي حوّل فيها بومدين النفط والغاز، حجر الزاوية في معادلة السيادة الاقتصادية للجزائر، وهي معادلة ما زالت تحكم التفكير الاستراتيجي الجزائري إلى اليوم. لقد بنى بومدين رهانه على فكرة بسيطة وعميقة في آن: لا معنى لاستقلال سياسي بلا سيطرة فعلية على الموارد، ولا إمكانية لتنمية وطنية مستقلة ما دامت مفاتيح قطاع الطاقة في يد شركات أجنبية أو ترتيبات تفاوض غير متكافئة. من هنا جاء التأميم ليس كإجراء تقني معزول، بل كاختيار بنيوي يقضي بأن تكون المحروقات هي بمثابة الخزان المالي ورافعة القوة التي تستند إليها الدولة في تمويل مشروعها التنموي، وفي التفاوض مع الخارج من موقع أقل هشاشة.
هذا الرهان ترك ميراثًا طويل الأمد: فمنذ السبعينيات تشكّل وعي سياسي–استراتيجي في الجزائر يرى في قطاع الطاقة محورًا يربط بين الاقتصاد والسياسة والأمن القومي. عائدات المحروقات موّلت برامج التصنيع الثقيل، البنية التحتية، والتعليم والصحة، وأعطت للدولة هامشًا واسعًا لممارسة دور اجتماعي–توزيعي عزّز شرعيتها الداخلية. في الخارج، مكّن امتلاك القرار في قطاع النفط والغاز الجزائر من لعب أدوار تفاوضية معتبرة داخل أوبك ومع الشركاء الأوروبيين والعرب والإفريقيين، بحيث أصبحت عقود الإمداد ومشاريع الأنابيب والاستثمار الطاقوي أدوات ثابتة في إدارة العلاقات الثنائية ومتعددة الأطراف. بهذا المعنى، لم يتبدّد ميراث بومدين مع تغيّر السياقات؛ بل أعيدت صياغته: من حلم التصنيع الاشتراكي إلى منطق الدولة الريعية ، ثم إلى خطاب التحوّل الطاقوي، لكن الفكرة الجوهرية بقيت واحدة: الطاقة هي القلب الصلب للاقتصاد الوطني، وأحد أعمدة السيادة السياسية.
اليوم، ومع التحولات العالمية نحو الطاقات المتجددة والضغط المناخي، نجد أن النقاش الجزائري لا ينطلق من فراغ، بل من الإرث البومديني ذاته: كيف نُحافظ على مكانة النفط والغاز كورقة قوة تفاوضية، وفي الوقت نفسه نستخدم ريعها لبناء قاعدة إنتاجية وتكنولوجية جديدة تضمن استمرار السيادة في عالم ما بعد المحروقات؟ هنا يتجلى عمق تأثير بومدين: ليس فقط في استمرار الاعتماد الكبير على المحروقات في المداخيل، وهو وجهه المقلق، بل في ترسخ فكرة أن السيادة الاقتصادية والسياسية، تمرّ عبر السيطرة على القطاعات الاستراتيجية، واستثمارها في مشروع وطني واضح، لا عبر تركها رهينة منطق السوق والقوى الخارجية.
رغم كل ما كُتب عن هواري بومدين، فإن ميراثه ما زال يحتاج إلى نقاش علمي رصين، يبتعد عن منطق الخصومات الشخصية وتصفية الحسابات، كما يبتعد في المقابل عن توظيف شخصيته كأيقونة إعلامية لبناء شعبية ظرفية لأي نظام سياسي قائم. المطلوب اليوم ليس إضافة طبقة جديدة من التمجيد أو الشيطنة، بل العودة إلى أساسيات هذا الميراث، بما هو جزء من تجربة الدولة الجزائرية الحديثة، لا مجرد امتداد لسيرة فرد واحد.لان ميراث هواري بومدين في جوهره، هو منتوج مباشر للثورة الجزائرية، نتاج لحظة تاريخية حملت جيلًا ثوريًا شابًا إلى السلطة، وفرضت عليه أن يبني دولة من الصفر تحت ضغط التهديدات الداخلية والخارجية.
كما أنّ هذا الميراث ذو طابع عملي أكثر منه عقائدي مغلق؛ فهو لا يختزل في شعارات أيديولوجية جامدة، بل في اختيارات استراتيجية ملموسة: تأميم المحروقات كأساس للسيادة الاقتصادية، بناء جيش وطني شعبي كضمانة لوحدة الدولة، ترسيخ عدم الانحياز ورفض الاصطفاف العسكري، وجعل الجنوب وحركات التحرر حاضنة طبيعية للدور الخارجي للجزائر.
كما ان هذه الخيارات لم تُأتي من فراغ، بل ارتكزت على قناعة شعبية عميقة تشكلت خلال حرب التحرير واستمرت بعدها: قناعة مفادها أن القدرات الوطنية العسكرية والاقتصادية على السواء، يجب أن تكون كافية لحماية البلاد من المخاطر، والحفاظ على الجزائر موحدة ومستقرة، وفي صفّ القضايا العادلة.
لذلك يصعب اليوم على أي نظام سياسي أن يتجاوز هذه الخطوط الحمراء، دون أن يصطدم بذاكرة جماعية متجذّرة، ترى في السيادة الوطنية، واستقلال القرار، ونصرة المظلومين في فلسطين وغيرها، عناصر تعريف أساسية للذات الجزائرية.
من هنا تأتي أهمية قراءة ميراث هواري بومدين، كقناعات طويلة الأمد في وعي الدولة والمجتمع، لا كأداة ظرفية في سجالات الحاضر.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى