
أحد أكبر الأخطاء التي يقع فيها التحليل السياسي التقليدي أنه ما زال يقرأ الشرق الأوسط بعقلية الحرب الباردة؛ حيث تنقسم المنطقة إلى أطراف متصارعة، وقوى عظمى، وحلفاء تابعين، ثم يُفترض أن القوة تُقاس فقط بما تملكه الدولة من جيوش وصواريخ واقتصاد.
لكن ما تكشفه التحولات الأخيرة هو ظهور فاعل جديد لم يحظَ بما يستحقه من الانتباه النظري:
الوسيط الضامن.
ليس الوسيط بالمعنى الدبلوماسي التقليدي الذي ينقل الرسائل بين الخصوم، بل الوسيط الذي يتحول إلى جزء من معادلة التوازن نفسها، بحيث يصبح استمرار الحوار مرتبطًا بوجوده، واستمرار الصراع مرتبطًا بقدرته على احتوائه.
في النماذج الكلاسيكية كان السؤال: من الأقوى؟
أما اليوم فأصبح السؤال: من يستطيع إبقاء الأقوياء داخل الغرفة؟
وهنا تحديدًا يبدأ التحول الإبستمولوجي.
فالدول الكبرى ما زالت تمتلك القوة العسكرية والاقتصادية، لكن امتلاك القوة لم يعد يعني القدرة على فرض الإرادة منفردًا.
الولايات المتحدة تستطيع التهديد.
وإسرائيل تستطيع الضرب.
وإيران تستطيع الرد.
لكن أياً منها لا يستطيع بمفرده إنتاج الاستقرار.
وهنا يظهر ما أسميه:
“احتكار الجسر”.
ففي لحظات الأزمات الكبرى، تصبح الدولة القادرة على إبقاء خطوط التواصل مفتوحة أكثر أهمية أحيانًا من الدولة القادرة على إطلاق الصواريخ.
ولهذا لم يعد الوسيط الضامن مجرد ناقل رسائل، بل أصبح منتجًا للتوازن.
من هذه الزاوية يمكن فهم بعض المشاهد التي بدت هامشية لكثيرين.
فحين يجتمع خصوم لا يريدون منح بعضهم شرعية سياسية أو رمزية، لكنهم يقبلون الجلوس تحت سقف وسيط معين، فإن القوة الحقيقية لا تكون في المصافحة أو الصورة التذكارية، بل في هوية الشخص الذي استطاع جمعهم أصلًا.
ذلك لأن الوسيط الضامن يكتسب ما يمكن تسميته:
“السيادة على المسار”.
أي أن الأطراف المتصارعة قد تختلف على كل شيء، لكنها تتفق ضمنيًا على أن انهيار هذا المسار يضر بالجميع.
وهنا يتحول الوسيط من طرف خارجي إلى جزء من بنية الصراع نفسها.
هذه الظاهرة ليست تفصيلًا بروتوكوليًا.
بل تعكس تحولا أعمق في طبيعة النظام الإقليمي.
فمنطقة الشرق الأوسط تدخل تدريجيًا مرحلة لم تعد تسمح بهيمنة منفردة مستقرة، ولا بانتصارات نهائية حاسمة.
كل الأطراف تمتلك القدرة على الإيذاء.
ولا أحد يمتلك القدرة الكاملة على الإلغاء.
وفي مثل هذه البيئة، ترتفع قيمة الفاعلين القادرين على إدارة التناقضات بدل حسمها.
ولهذا فإن المستقبل قد لا يكون للقوة التي تملك أكبر ترسانة، بل للقوة التي تستطيع أن تصبح الجسر الذي لا يستطيع الخصوم تجاوزه.
إنها لحظة انتقال من منطق “القوة الصلبة” إلى منطق “الضمان الاستراتيجي”.
ومن هنا قد يكون الوسيط الضامن هو أحد أهم الفاعلين الذين ستنتجهم مرحلة ما بعد الهيمنة الأحادية.
ليس لأنه الأقوى.
بل لأنه أصبح ضرورة للجميع.
وهذه ليست وظيفة دبلوماسية.
بل موقع جديد في هندسة النظام الإقليمي نفسه. عرض أقل