رؤي ومقالات

د.وليد عبد الحي يكتب :دلالات البيان الخليجي الامريكي الاخير

بعد اجتماع وزير الخارجية الامريكي ماركو روبيو مع وزراء خارجية دول مجلس التعاون الخليجي في البحرين يوم امس ، صدر بيان مشترك تكشف مضامينه عن اتساق امريكي خليجي مطلق، وهو ما يتضح في الآتي:
أولا: بعد اتساع قاعدة الاعتراف الرسمي العربي مع اسرائيل ، برزت تنظيمات شعبية مسلحة لمقاومة اسرائيل، وشكلت هذه الظاهرة عاملا مقلقا لكل من الولايات المتحدة واسرائيل وبعض العرب ، ولما عجزت الولايات المتحدة واسرائيل عن وقف تمدد هذه الظاهرة بالقوة العسكرية في فلسطين ولبنان والعراق واليمن ، بدأ الضغط الامريكي على الدول العربية المعنية للمشاركة في اقتلاع ظاهرة التنظيمات الشعبية المقاومة لاسرائيل، واتساقا مع ذلك اكد البيان الخليجي الامريكي امس على ما يلي(حرفيا ):
أ‌- الدعوة الى نزع سلاح جميع الجماعات المسلحة في لبنان ، ودعم الجيش اللبناني “لتحقيق هذا المسعى”.
ب‌- نزع سلاح الجماعات المسلحة غير الحكومية في غزة.
ت‌- دعم الحكومة العراقية في جهودها لحصر السلاح بيد الدولة ومنع الجماعات المسلحة غير الحكومية من استخدام الاراضي العراقية لتهديد دول الجوار.
وهنا نسأل: لماذا لا يشار الى تنظيمات المستوطنين الاسرائيليين المسلحة في الضفة الغربية والتي تمارس القتل والاغتصاب وتدمير المنازل واقتلاع الاشجار الزراعية وحرق المحاصيل واغلاق الطرق والاعتقال والسيطرة على المياه …الخ ، وكل ذلك موثق في تقارير المنظمات الدولية والاعلام الدولي ومنه الاسرائيلي.
ثم إذا كانت الجيوش العربية التي تتبع الانظمة السياسية المنخرطة في التطبيع غير مسموح لها التدخل ضد اسرائيل، وإذا نزعنا سلاح تنظيمات المقاومة من يدها ، فهل لوزراء الخارجية أن يحددوا لنا بماذا سيتم الضغط على اسرائيل لتنسحب من لبنان وسوريا وفلسطين ؟ هل وصلت الثقة في حسن نوايا نيتنياهو الى هذا الحد ؟ فرغم اشارة البيان لموقف ترامب من ضم الضفة الغربية(دون ذكر اعترافه بالقدس الكبرى عاصمة ابدية لاسرائيل) فان الاستيطان يتسارع في الضفة الغربية بايقاع يتجاوز اي مرحلة سابقة منذ 1967، فما هي الآلية التي يقترحها وزراء خارجية المجلس الخليجي للضغط على اسرائيل لتحقيق الامن والاستقرار والانسحاب طالما انهم لا يريدون انخراط الجيوش النظامية ولا القوى الشعبية المسلحة ؟ فلم يبق الا الاعتماد على ” نُبل مقاصد نيتنياهو”…
ثانيا: التوافق التام مع التوجه الامريكي لمنع ايران من فرض اية رسوم على العبور من “مضيق هرمز”، لكن المرور من المضيق يستوجب المرور من المياه الاقليمية الايرانية لان عرض المضيق اقل من مجموع المياه الاقليمية لايران وعمان، فإذا كان الخليج يرفض دفع رسوم على سفن تجارية “نؤكد تجارية” ، فلماذا لا يرى ضيرا في دفع الرسوم على الحج الى بيت الله الحرام؟ فالتجارة لا رسوم عليها والحج لبيت الله عليه رسوم؟ ويكفي ان نشير ان الخلاف على تعبيرات “رسوم او خدمات” طبقا لاتفاقية مونترو يسمح بفرض رسوم خدمات، وهو ما تفعله تركيا في مضائق البسفور والدردنيل ،بل انها رفعت قيمة هذه الرسوم بمعدل 15% من بداية شهر يوليو القادم من هذا العام ، وهو الرفع للمرة الرابعة خلال السنوات الاربع الماضية، والقرار التركي ينص على رفع الرسوم بمعدل 5.83 دولار على الطن الواحد من حمولة السفينة، وهو ما يعني ان اجمالي الرسوم ارتفعت سبعة اضعاف خلال اربع سنوات، وهو ما يمكن لايران ان تفعله وليس مهما “التسميات ” رسوما او خدمات..
ثالثا: التاكيد على منع ايران من تطوير سلاح نووي او حيازته “بأي شكل من الأشكال”، وهنا نسأل: اليست فرصة في مثل هذا النقاش طرح التسلح النووي الاسرائيلي ولو من باب “المقايضة” مع موضوعات أخرى ،او ربطه بشروط معينة، ام ان الولايات المتحدة توزع مذكرات قبيل الاجتماعات تحدد فيها “البيان الختامي قبل الاجتماع”.
رابعا: اكد المجتمعون ” التزامهم بسيادة سويا ووحدتها وسلامة اراضيها، وتقديم المساعدة لها في مواجهة التحديات مثل مكافحة الارهاب..الخ”، وهنا نسأل لماذا نص البيان تحديدا على مكافحة الارهاب( وهنا معروف من المستهدف المقصود)، ثم هل هضبة الجولان لا تستحق الذكر رغم انها تعادل حوالي اربعة اضعاف مساحة غزة؟ يُضاف لها مساحة تبلغ حوالي 240 كيلو متر مربع تم التوسع الاسرائيلي فيها بعد هروب بشار الاسد، وتتمركز اسرائيل الآن في تسعة نقاط عسكرية داخل هذه الاراضي المضافة حديثا والتي تعادل تقريبا مساحة قطاع غزة.
خامسا: اكد المجتمعون على ” تحقيق السلام والامن الدائمين في المنطقة يتطلب التصدي لجميع اشكال التهديد الايرانية،بما في ذلك صواريخها ومسيراتها ودعمها لوكلائها في المنطقة”، وهنا نسأل لماذا لا يتضمن البيان نصا موازيا عن اسرائيل ، فالمنطقة هي الأعلى بين اقاليم العالم في عدم الاستقرار السياسي ، وكان ذلك قبل قيام الثورة الايرانية وبعدها، فهل اسرائيل بريئة من “عدم الاستقرار” ام ان جدول الاعمال الامريكي لا يتضمن هذا البند.
سادسا: نص البيان على ” جدد اصحاب المعالي الوزراء التزامهم القوي بالشراكة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة ومجلس التعاون الخليجي”، ومفهوم الشراكة الاستراتيجية مفهوم معاصر في العلاقات الدولية( اصبح رائجا بعد وروده في عام 1994 في بيان الرئيسين الامريكي(بيل كلينتون) والرئيس الروسي (بوريس يالتسين) مع انه تم استخدامه عام 1992 (تركيا والولايات المتحدة) وفي 1993(البرازيل والصين) وفي عام 1996 لاحقا بين روسيا والصين…الخ. والمشكلة لدى اغلب مفكري العلاقات الدولية هو عدم وضوح “نطاق وموضوعات الشراكة ومدى الالزامية القانونية لها”، لكنهم يجمعون على ان الشراكة الاستراتيجية تقع في مرتبة دون التحالف، وهي اقرب للنموذج غير الصفري في العلاقات الدولية. لكن الملاحظ ان اغلب ادبيات الشراكة الاستراتيجية تشير الى بعض الملاحظات: ( تمثل دراسة
Tyushka Andriy و Czechowska Lucna وعنوانها :
Strategic Partnership : International Politics and IR Theory-2019
من الدراسات القيمة في هذا الجانب، وهناك دراسات عديدة لا يتسع المقام لعرضها .)
أ‌- اذا كان طرفا الشراكة الاستراتيجية متقاربان في موازين القوى الكلي تكون اكثر فائدة للطرفين
ب‌- اذا كان هناك خلل في موازين القوى بين طرفي الشراكة فان الشراكة تتحول الى ” تمويه للتبعية”
ت‌- اهمية المتغير الجيواستراتيجي لطرفي العلاقة يزيد من اهمية النقطتين السابقتين
ث‌- ان الشراكة الاستراتيجية تكون اكثر استقرارا بين دول ذات نظم ديمقراطية
ج‌- ان الشراكة الاستراتيجية للطرف الاضعف هي بحث عن حماية يوفرها الطرف الأقوى ، ،بينما للطرف الاقوى بحث عن توظيف الاضعف في سياق استراتيجيته الشاملة.
وهنا نسأل : ما المفهوم الذي يتبناه الطرف الخليجي للشراكة الاستراتيجية؟ وهل الترابط مع القيادة المركزية للقوات الامريكية بعد نقل تبعية اسرائيل من التبعية للقيادة الاوروبية اليها عام 2021 هو جزء من “الشراكة الاستراتيجية بمفهوم التوظيف”…امر بحاجة للتدقيق في مدلولاته.. عرض أقل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى