تقارير وتحقيقات

تصعيد باب المندب: كيف توظف إيران الجبهة اليمنية في معادلتها الإقليمية

كتب:كريم هاني عبد الغفار
من مضيق هرمز إلى باب المندب:
جاءت الخطوة الحوثية بشكل عملي أعقاب غلق إيران لمضيق هرمز وذلك ردًا على الضربات الأمريكية والإسرائيلية التي طالت أراضيها، وهو ما فتح البحث عن ورقة استراتيجية بديلة ومكملة
تكون لها القدرة على توسيع الرقعة التي تؤثر على أسواق الطاقة دون أن تتحمل طهران كلفة المواجهة المباشرة في كل جبهة. ومن هنا نلاحظ أن الحصار الحوثي المُعلن على الملاحة المرتبطة بالسعودية، وما تلاه من استهداف ناقلتي نفط تابعتين للسعودية قبالة السواحل اليمنية، أنه لاينفصل على محاولة الجمع بين ورقتين استراتيجيتين متكاملتين: هرمز في الشرق وباب المندب في الجنوب الغربي. وكانت النتيجة المتوقع حدوثها هي ارتفاعًا حادًا في أسعار النفط وسط مخاوف تتسم بالاضطراب بما يمكن إصابة سلاسل الإمداد العالمية، في وقت كان بالفعل يعاني منه سوق الطاقة العالمي من أزمات لم تكن تعافت من أزمة هرمز نفسها.

ويمكن استنتاج أن هذا الترابط بين المضيقين ليس وليد الصدفة. فالحوثي باعتباره حليفًا رئيسيًا لإيران في محور يُعرف “محور المقاومة”، وسبق أن استخدم التهديد بإغلاق مضيق باب المندب في جولات تصعيد سابقة، لكن الفارق وما يميز هذه المرة عن المرة السابقة أن الخطوة تأتي مع وجود مواجهة مفتوحة بين طهران من جهة، وواشنطن وتل أبيب من جهة أخرى، وذلك ما يمنحها بعدًا تنسيقيًا أكثر وضوحًا من كونها ردة فعل مستقلة. ومع متابعة تصريحات المسؤولين اليمنيين نجد أنها عكست هذا التوصيف مباشرة، حين اعتبروا أن قرار الحصار البحري لم يكن بكونه قرارًا يمنيًا مستقلاً بقدر ما هو تنفيذ لمسار تصعيدي أوسع تقوده وتشرف عليه طهران.

وظيفة الوكيل وحدود الاستقلالية:
ومن زاوية تحليل بعض الوكلاء الإقليميين، يمثل الطرف الحوثي نموذجًا نستطيع تسميته “التصعيد المدار عن بعد”: وذلك بسبب كونها جماعة تمتلك من القدرة القيام بعمليات محلية، لكنها في الوقت نفسه تتحرك ضمن توقيت وأهداف تخدم حسابات الراعي الإقليمي أكثر مما تخدم الأجندة الداخلية المعنية بها. وها قد لمح مسؤولون أمريكيون إلى هذا البعد بوضوح حينما اعتبروا أن الجماعة “وقعت في فخ” إيراني وذلك حين بادرت بمهاجمة الملاحة السعودية، وذلك يعكس قراءة في غاية الأهمية يكمن مفادها أن الجانب الإيراني يسعى لنقل بؤرة التوتر من مضيق هرمز حيث يوجد المواجهة المباشرة والمكلفة، إلى مضيق باب المندب حيث يمكن لطهران الاحتفاظ بمسافة حتى لوكانت ليست بالكبيرة أن تفصلها عن أي مسؤولية مباشرة فيما يخص “التصعيد البحري”.

وتحليليًا يعتبر هذا النمط من التوظيف ليس حكرًا على المساحة اليمنية فقط، لا بل هو يتكرر بصيغة مختلفة في الساحة اللُبنانية، وإن كانت تخضع اليوم لديناميكية مختلفة نتيجة الأثمان الباهظة التي ارتكبها حزب الله في الحرب الأخيرة.

لبنان المفاوضات في ظل ميزان قوى مختل:
تجري المفاوضات اللُبنانية الإسرائيلية، التي انطلقت بصيغة مباشرة بشكل غير مسبوق منذ عقود، في ظل وفقع ميداني وسياسي مختلف جذريًا عما كانت عليه الحال قبل الحرب الأخيرة. وقد أشارت التقارير أن حزب الله قد خرج متكبدَا خسائر بشرية وعسكرية ليست هي بالهينة، والآن يجد نفسه أمام معادلة صعبة: إما قبول تفاهمات تمهيدية تتضمن نزع تدريجي لسلاحة وذلك مقابل انسحاب إسرائيلي جزئي من مناطق محددة، أو عليه التمسك بالتشدد التفاوضي وذلك وفقًا للصناعة الداخلية بأن أي تسوية جزئية لن تُوقف الاستهداف الإسرائيلي المستمر لجنوب لبنان. ويشير الباحث بأن هنالك قراءات عدة تشير إلى أن الملف يتأرجح بين المسار الدبلوماسي الذي تمثل في جولات حوار متعددة، وواقع ميداني مازال قائمًا على استشهاد خروقات، مما يجعل للتقدم السياسي موصوفًا بأنه هش وقابل للفشل والانتكاس في أي لحظة.

ولكن اللافت أن هناك بعض مسؤولي الحزب يصرون على اعتبار مشاركته في الحرب جزءًا من معركة إقليمية أوسع بالتنسيق مع طهران، يصب هدفها في فرض حضور لُبناني في أي تسوية مقبلة لا يقتصر الملف الثنائي مع إسرائيل، بل هو يمتد ليشمل مكانة إيران ونفوذها في المشرق ككل. وهنا بالتحديد يتقطع الملف اللُبناني مع الساحة اليمنية:
فكلا الجبهتين يُستخدموا كأوراق تفاوضية موازية، تمنح طهران هامش لعمل مناورة أوسع في أي تسوية شاملة قد تُطرح في المستقبل، سواء كانت تتعلق بالملف النووي، أو بترتيبات إقليمية أشمل تشمل نفوذها في اليمن أو في لبنان.

الحسابات المتقطعة:
أشار الباحث أنه يمكن قراءة التصعيد الأخير من قِبل الحوثي في ضوء ثلاثة حسابات متداخلة لدى طهران:
-أولًا، عمل تعويض للتسلية الباهظة التي نتجت عن إغلاق مضيق هرمز. ذلك عبر فتح جبهة موازية تكون أقل كلفة بشكل مباشر على إيران، وفي الوقت نفسه تحقق الأثر ذاته والذي يتمثل في عمل زعزعة أسواق الطاقة والملاحة الدولية.

-ثانيًا، عمل كارت تذكير موجه للقوى الدولية، خاصةً واشنطن، بأن أي تصعيد عسكري مباشر ضد إيران سوف يقابله ردّ متعدد الجبهات لا يقتصر على الأراضي الإيرانية، بل سوف يمتد إلى الممرات المائية التي تتقاطع فيها مصالح اقتصادية دولية واسعة، منها واشنطن نفسها.

-ثالثًا، الحفاظ على أوراق ضغط متعددة قابلة للتفعيل أو التجميد وذلك وفقًا لمسار المفاوضات الأوسع، سواء كان ارتباطها بالملف النووي أو بالترتيبات الإقليمية في كلاً من لبنان، وسوريا، واليمن، وذلك يمنح لطهران مرونة في التفاوض أكبر مما كان لديها على أي طاولة حوار مُقبلة.

ختامًا نستطيع القول بأن ما يجري في مضيق باب المندب اليوم لا يمكننا فصله عن الصورة الإقليمية الشاملة والتي يتشكل ملامحها من خلال المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية من ناحية، ووجود مواجهة إيرانية أمريكية مفتوحة قائمة على احتمالات عديدة من ناحية أخرى. فالحوثيون، يمثلون حزب الله كما من قبل، مجرد ورقة تستغلها إيران، وتمثل امتدادًا وظيفيًا لاستراتيجىة إيرانية تقوم على – تعدد الجبهات وتوزيع الكلفة، وذلك لتبقى طهران قادرة على المناورة في كل ملف على حدة، بدون أن تفقد قدرتها على عمل تأثير في الملفات الأخرى مجتمعة. وتقدير الباحث يمكن القول بأن استمرار هذه الاستراتيجية قائمة، فإن أي تهدئة في أي جبهة من الجبهات سواء كان في جنوب لبنان أو في البحر الأحمر، ستبقى مرتبطة بشكل وثيق بمسار التفاوض الأشمل الذي يزال بعيدًا عن بما يسمى نقطة التوازن.

المراجع والمصادر:

USNI News, “Hormuz Transits Remain Low, Houthis Resume Attacks in Red Sea”, 24 July 2026.
The Jerusalem Post, “Houthis attack tankers in Red Sea, Iran blocks Strait of Hormuz, oil prices soar”, 23 July 2026.
CNBC, “Iran war: Houthis claim strikes on two Saudi oil tankers in Red Sea”, 23 July 2026.
Foreign Policy, “Iran-Backed Houthis Declare Naval Blockade on Saudi Arabia”, 20 July 2026.
MSNBC Opinion, “The Houthis’ commandeering of a Red Sea strait is a huge deal”, 24 July 2026.
Wikipedia, “2026 Houthi strikes on Israel”; “2026 Strait of Hormuz campaign”; “2026 United States naval blockade of Iran”.
The Soufan Center, “Landmark Israel-Lebanon Agreement Intersects the U.S.-Iran Conflict”, IntelBrief, July 2026.
Al Jazeera, “Israel-Lebanon deal ties ceasefire to Hezbollah disarmament: Will it work?”, 27 June 2026.
Al Arabiya English, “US says Lebanon, Israel enter next phase of Hezbollah disarmament deal”, 9 July 2026.
Security Council Report, “Lebanon, July 2026 Monthly Forecast

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى