محمود سيد محمد يكتب:هرمز تحت القبضة الإيرانية: واقع جديد يرسم ملامح اقتصادية عالمية قاسية.

–
قبل أيام قليلة، وأنا أتصفح الأخبار العاجلة، وقفت طويلاً عند تصريح للخارجية الإيرانية قالوا فيه إن “الوضع في مضيق هرمز لا يمكن أن يعود كما كان قبل الحرب”. في البداية، ظننت أنه مجرد تهديد دبلوماسي معتاد، لكن مع التعمق في القراءة، أدركت أنهم يعنون كل كلمة قالوها. هذا المضيق، الذي يمر منه خمس إمدادات النفط العالمية، دخل مرحلة تحول جذري، ليس فقط عسكرياً، بل اقتصادياً وسياسياً. وفي هذا المقال، أحاول أن أرسم صورة قريبة من الواقع لهذا التحول، مع ما يحمله من تداعيات قاسية على العالم كله. دعني أوضح شيئاً ربما يغفل عنه كثير من الناس. مضيق هرمز ليس مجرد نقطة على الخريطة، إنه أحد أكثر الممرات المائية حساسية على وجه الأرض. يقع بين سلطنة عُمان وإيران، عرضه لا يتجاوز 33 كيلومتراً في أضيق نقطة، لكنه يتحكم في نقل حوالي 17 مليون برميل من النفط كل يوم. تخيل معي: هذا يعادل خمس استهلاك العالم بالكامل! وأكثر من ذلك، يمر عبره 30% من الغاز الطبيعي المسال، أي أن الدول الكبرى مثل الصين والهند واليابان وكوريا، وأيضاً أوروبا، تعتمد عليه بشكل شبه كامل. كانت إيران تهدد بإغلاقه من سنوات، خصوصاً حين تشتد الخناق عليها بالعقوبات، لكنها غالباً ما كانت تتراجع. هذه المرة مختلفة. الحرب الأخيرة غيّرت كل شيء، وفتحت الباب أمام واقع لم نعهده من قبل. وهنا تحديداً يكمن جوهر الأزمة. المتابع لبيانات الملاحة البحرية يلاحظ شيئاً مذهلاً. قبل الحرب، كان يمر عبر المضيق ما بين 120 و130 سفينة يومياً، حركة طبيعية ونشطة تعكس استقراراً نسبياً. لكن مع اشتعال النزاع، هبط الرقم إلى مستويات صادمة. في بعض الأيام، لم نرَ سوى 5 سفن فقط تعبر، وكلها عبرت من الممر الإيراني، وكأن البحر أصبح ملكاً لهم وحدهم. حتى الآن، ورغم فتح الممر جزئياً، الحركة لم تتجاوز ثلث المعدل الطبيعي. شركات الشحن العالمية، التي أعتقد أنها فقدت الثقة تماماً، فضلت الإبحار حول رأس الرجاء الصالح في جنوب أفريقيا، طريق أطول وأغلى بكثير، لكنه يبدو آمناً مقارنة بمغامرة عبور هرمز. هذا التحول، لو استمر، سيعيد تشكيل خريطة التجارة البحرية العالمية، وليس بالضرورة للأفضل. ربما أكثر ما شد انتباهي في هذه القضية هو تحول إيران من التهديد بالإغلاق الشامل إلى ما تسميه “السيطرة الذكية على مضيق هرمز”. هذا المصطلح، في تقديري، يعكس فهماً جديداً للقوة، فهي لم تعد تريد قطع الممر بالكامل (وهو أمر قد يجرها إلى حرب واسعة)، لكنها تريد التحكم فيه وفق هوى سياساتها. كيف تفعل ذلك؟ أولاً، أصبحت تميز في الملاحة بشكل واضح. السفن الأمريكية والإسرائيلية والأوروبية غير مرحب بها، بل ممنوعة من العبور، بينما السفن الصينية والروسية تمر بسلاسة عبر الممر الإيراني. هذا تمييز خطير، وكأن إيران تعيد رسم التحالفات البحرية في المنطقة وفق ما يخدم أجندتها. ثانياً، المناورات العسكرية المستمرة. لم تعد مجرد استعراضات، بل أصبحت حدثاً يومياً. تجارب إطلاق صواريخ، زرع ألغام بحرية، تحليق طائرات مسيرة. كل هذا يجعل المضيق ساحة عسكرية، تخضع لقواعد اشتباك جديدة لم تعتدها المنطقة من قبل. وأتذكر هنا أن القبطان الأمريكي السابق الذي حذر من أن “كل سفينة في هرمز هي هدف محتمل” لم يكن يبالغ. ثالثاً، توظيف هذا الملف كورقة ضغط في كل مفاوضاتهم، سواء حول النووي أو العقوبات. طهران تدرك أن العالم بحاجة إلى نفطها، بل إلى عبور نفط الآخرين عبر مياهها، وهذه ورقة قوية قد تمنحها مكاسب تفوق كل ما خسرته في العقوبات. لسنا بحاجة إلى خبراء اقتصاد لندرك أن الأسواق العالمية بدأت ترتجف. أسعار النفط قفزت بسرعة، وكالة فيتش رفعت توقعاتها لسعر برنت من 70 إلى 87 دولاراً للبرميل هذا العام، والبعض يتحدث عن أرقام أعلى إذا استمر التوتر. المشكلة أن هذه الارتفاعات ليست مؤقتة، بل قد تكون مستدامة، وهذا يعني أن التضخم سيعاود الظهور بقوة في العديد من الدول. أيضاً، تكاليف التأمين البحري ارتفعت إلى مستويات قياسية. أصبحت شركات التأمين تفرض أقساطاً خيالية على أي سفينة تجرؤ على عبور المضيق. وبالطبع، هذه التكاليف تُحمّل في النهاية على المستهلك النهائي، أي المواطن العادي الذي يشتري السلع والمواد الغذائية التي ترتفع أسعارها نتيجة لارتفاع الشحن. ولست هنا أنسى الجانب الإنساني الذي يغفله الكثيرون. هناك حوالي 11,000 بحار عالقون في المنطقة، بعضهم محتجزون، وآخرون عالقون بسبب تعليق برامج الإجلاء. هؤلاء بشر، لهم عائلات، يعانون في صمت، بينما نتناقش نحن في أسعار النفط وأقساط التأمين. من متابعتي للمشهد، أستطيع أن أرسم ثلاثة سيناريوهات محتملة، لكل منها ثقله. الأول: تسوية تفاوضية تعيد حركة الملاحة إلى طبيعتها خلال أسابيع. لكن دعني أكون صريحاً، هذا السيناريو يبدو بعيد المنال حالياً، فالخلافات عميقة، والمواقف متصلبة، وليس هناك مؤشرات جدية على قرب اتفاق. الثاني: غموض مُدار، وهو الأقرب للواقع الذي نعيشه الآن. حركة الملاحة تتحسن إلى 60 أو 70% من طبيعتها، لكن أقساط التأمين تظل مرتفعة، والتمييز مستمر، والمضيق يبقى قنبلة موقوتة قد تنفجر في أي لحظة. أعتقد أننا سنعيش في هذا السيناريو لفترة طويلة، وسيتعلم الجميع التعايش معه، لكن مع تكاليف باهظة على الجميع. الثالث: تصعيد جديد، وهذا هو الأكثر خطورة. إغلاق كامل أو شبه كامل للمضيق، مما قد يدفع الولايات المتحدة وحلفاءها إلى ردود فعل عسكرية، وتتحول المنطقة إلى ساحة حرب مفتوحة. أتمنى ألا نصل إلى هذه النقطة، لكن لا يمكن استبعادها، خاصة مع استمرار الغطرسة الإيرانية من جهة، والتعنت الغربي من جهة أخرى. من وجهة نظري، ما قالته الخارجية الإيرانية يعكس إدراكاً عميقاً بأن المعادلات تغيرت. طهران لم تعد تنظر إلى المضيق كممر مائي فقط، بل كمنطقة نفوذ حيوية، وساحة لإثبات القوة. هذا التصور الجديد يدفعها إلى تعزيز وجودها العسكري، وتطوير أسلحة مضادة للسفن، وبناء تحالفات بحرية مع روسيا والصين. وهي تستغل فرصة تراجع الالتزام الأمريكي وانشغال أوروبا بأزماتها الداخلية. في نظري، هذا قد يكون الوقت الأكثر مناسبة لإيران لإعادة تعريف قواعد اللعبة في المنطقة، وهي لن تفرط في هذه الفرصة بسهولة. أعتقد أننا أمام واقع جديد، ليس فقط في مضيق هرمز، بل في النظام العالمي ككل. الحرب أثبتت أن القوانين الدولية قد لا تكون كافية لردع القوى الإقليمية الطموحة، وأن الدول الكبرى قد تكون مشغولة أو مترددة في مواجهة هذه التحديات. مضيق هرمز لن يعود إلى ما كان عليه، والأسواق العالمية والدول المستهلكة للنفط ستعيش في ظل هذا الواقع الجديد. إيران أثبتت أنها قادرة على تعطيل حركة الملاحة، وجعلت السيطرة على المضيق جزءاً من استراتيجيتها الدفاعية والسياسية. أتمنى أن تنجح الدبلوماسية في إيجاد مخارج، لكني لا أتفاءل كثيراً، فالعقلية الإيرانية اليوم تعتمد على القوة أكثر من التفاوض، وهذا يضع العالم أمام تحديات أمنية واقتصادية غير مسبوقة. في النهاية، يبقى الأمل معقوداً على العقلانية، لكن الواقع يقول إن هرمز تحت قبضة إيران، وهذا الواقع يرسم ملامح قاسية للاقتصاد العالمي، قد ندفع ثمنها جميعاً، سواء أدركنا ذلك الآن أم بعد حين.