رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب:أشرار خلف الباب

بعيداً عن لغة السياسة المشوهة المصممة على الكذب: لماذا يتغطرس الوضيع ويتواضع الحكيم؟
قد تكون الغطرسة قناعا تخفي هشاشة داخلية في حين لا يحتاج الحكيم الى الغطرسة لان ثقته بنفسه وجماله الداخلي يشعان على الوجه بضوء باهر ومهدئ حتى تشعر بطمأنينة تنتقل اليك كضوء خفي لذلك قال برتراند راسل:
” مشكلة العالم أن الحمقى والمتعصبين واثقون بأنفسهم تماماً، بينما الحكماء تملؤهم الشكوك”.
حتى الشاعر محمود درويش شغلته هذه الثنائية الكريهة فقال:
«أن نكون ودودين مع من يكرهوننا، وقساةً مع من يحبوننا ، تلك هي دونية المتعالي، وغطرسة الوضيع»،
لكن من أين تنبع دونية المتعالي وغطرسة الوضيع؟
من اين تاتي مشاعر العظمة لشخصيات ضحلة وتافهة وسطحية؟
رغم كل محاولات الفهم فشلت في العثور على جواب مقنع، ومع البحث توضح أن هذا السؤال نفسه أرق علماء النفس منذ عشرات السنوات:
كيف للتافه والسطحي أن يتغطرس والحكيم والعالم يتواضع؟
لكن جواب علماء النفس وتشريح الدماغ حلّ هذا اللغز كالتالي:
ان مشاعر العظمة والتظاهر بالثقة بالنفس والتفاخر والتغطرس تحت مظاهر زائفة من المبادئ والشعارات والاقنعة، نابعة من ذات وهمية زائفة لأسباب كثيرة، ومن عقل سطحي وشرير وصورة مضخمة وهمية عن الذات، وهي من يصدّر للفرد هذه المشاعر الزائفة،
في حين أن الذات” المدفونة” تشعره في ومضات ان حقيقته ليست في القناع والواجهة وقدراته الحقيقية ليست كما يعتقد.
مشاعر العظمة والغطرسة من قناع وأنا مزيفة، لكن مشاعر الدونية والاحتقار الذاتي من أنا طبيعية مدفونة ملغية، الأولى تلبي حاجاته للتغطرس واللذة بأخس الطرق،
والثانية تنغص عليه حياته لذلك يعيش حالة التنافر المعرفي (Cognitive Dissonance) صراع بين مشاعر متناقضة يخفيها بالغطرسة واستعراضات الثقة والقوة وهذا الصراع يجعل حياته جحيماً يغطيه بالغطرسة التي تضاعف المشكلة في حين لا يعيش الانسان المتوازن بذات طبيعية هذا الصراع المهلك ويفكر كما يفعل ويقول كما يفكر بلا تناقضات.
يستحيل الاقتراب من هذا النموذج الذي يقرأ رسائل مشفرة متخيلة في كل عبارة بريئة لأن المصفاة محطمة والمترجم مشوه.
من هنا الصراع المستنزف الذي يظهر في الكآبة والدونية الذاتية الخفية
والاحتقار الذاتي وتشكيلة هائلة من الاعراض النفسية الخفية،
والبحث المهلك عن من يشبع حاجته للعظمة والقيمة والمكانة لذلك يكون المصاب في حالة استعراض دائم لاثبات ما لا يثبت عن طريق تسول الاطراء.
بعد حل الشفرة الغامضة بين العظمة الاستعراضية والدونية الخفية ظهر إن هذا السلوك المتناقض أو التنافر المعرفي تعويضي لمشاعر النقص والفشل الحقيقي والاحباط والحقد والكراهية والغل التي تخلقها عوامل مختلفة حسب الافراد،
لكن هذه الشخصيات توصف بالسامة والمتلاعبة وتمارس الكذب القهري
حتى لو كان الصدق يوفر لها مزايا افضل، فهي ” محكومة” بالكذب والطرق الالتفافية:
حسب الوصف الطبي إن هؤلاء لم يتركوا للشيطان ما يفعله، وحياتهم اليومية رحلة صيد وقنص بعد اختراع شخصية نقيضة من الذات المزيفة،
على حساب الذات الملغية،
وأقذر عمل لهذا الصنف اختيار أجمل الصفات والقيم والمبادئ كقناع،
والظهور بواجهة جذابة لكنه نسيج العنكبوت وكل هذه الاقنعة تتهاوى بسرعة من أي وخز دبوس عابر.
إن هذا الصنف تشكيلة واسعة من المخلوقات الأخطر في الحياة وهم في كل المهن حتى بين أطباء ومحامين وساسة زعماء وقادة وعامة الناس وبين كتاب مما يجعل اكتشافهم صعباً حتى من وسط عائلي قريب لقدرة التخفي
والدفاع المستميت وطرح الذات كضحية والتلاعب بمشاعر الاخرين على انهم هم السبب مما يخلق الحيرة والاضطراب والارتباك لدى هؤلاء الضحايا،
الذين لاسباب كثيرة خاصة كالحياة المشتركة والاطفال يضطرون
للتعايش مع مخلوق مزيف وسام في فترات هدنة مؤقته.
العيش مع هذا الصنف هو مشي في حقل الغام ولا تعرف متى ينفجر
بعد صمت طويل كان خلاله ينسج مصيدة لاتفه الاسباب ويطبخ وجبة سامة بعقل بارد تشعره بالقيمة والمكانة واللذة لذلك لا نستغرب كل مرة ان يظهر قاتل من وسط قريب كصديق أو جار أو زميل عمل أو قريب أو زوجة.
تلك الجريمة لم تكن صدفة او وليدة لحظة بل مستترة بذات مزيفة بقناع وصبر طويل على التخفي.
هؤلاء لا علاج لهم أبداً ـــــــــــــــ لأنه ليس مرضا نفسيا كي يعالج ــــــــــــ بل هو اختلال بنيوي عضوي شامل وضحالة اخلاقية دفينة في الذات الاصلية كشجرة معوجة بغلاف سياسي أو فكري بل بعض العلماء قال ان السبب غياب” المادة الرمادية Substantia grisea ” في المخ مركز الضمير والمشاعر والاحاسيس كما يحدث في ولادة ناقصة لعضو جسدي خارجي ظاهر لكنه هنا بسبب غياب الضمير انحطاط في الشخصية وأي اعادة بناء يهدمها لأنها كعمارة ترتكز على عمود أعوج.
كيف تقنع عبقرياً زائفاً إنه مختل وهو يرى الحياة بصورة مقلوبة ومخيفة؟
على العكس من هذا النموذج هناك الشخصية الانبساطية الهادئة الطبيعية
التي تتكلم وتفعل الشيء نفسه، لان الجمال الداخلي ينعكس على الوجه كطيف هادئ مطمئن حتى تشعر بالسكينة، وتقبل على الآخرين بعفوية ترتقي ان تكون جمالاً، لان اللطف والثقة بالذات جمال دائم، ولا تعرف التخطيط والمكر وفكرتها عن نفسها دقيقة بلا عجرفة، والسبب لأنها تتواصل مع ذات طبيعية،
في حين الذات المشوهة عاجزة كلياً عن الدخول في علاقات عفوية بريئة،
فكيف يمكن رؤية الذات بمرايا مهشمة؟
كيف يمكن ان تقيم علاقة سوية مع الاخرين اذا كانت علاقتها مع ذاتها الطبيعية ملغية ومزيفة؟
قد يندفع الانسان خلف هؤلاء بدافع الحاجة الى الرفقة أو الصداقة أو الحنان دون أن يعرف إلا بعد فوات الأوان أنه كان يركض خلف الذئاب تماما كما حدث للرسام فان كوخ الذي قال:
” لطالما دفعت بي حاجتي إلى الحنان، لإلتماسه عند أشخاص كانوا يحاولون تدميري ” وهذا ما حدث له بالفعل: الحاجة الى الحنان والوضوح والمحبة تتحول الى مصيدة وفخ.
هؤلاء حولنا وخلف الباب كما تقول عالمة أعصاب وتشريح الدماغ باربرا أوكلي في كتابها” جينات الشرEvil Genes . Barbara Oakley “،
تقول:” إن هؤلاء الأشرار يحتاجون الى قطع مرحلة تطورية طويلة للوصول
الى مستوى الحيوانات وليس البشر”.
لان الحيوان يمتلك مشاعر تضامن ونجدة وحساً حقوقياً ولا يعرف التلذذ في التعذيب والاستغلال،
وهي صفات تتوفر بإفراط في عديمي الضمائر. أسوأ ما نقوم به هو التفسير السياسي المقولب والجاهز لحالات مرضية شاذة ومنحرفة عميقة تتجاوز السياسة لكنها تستعملها كقناع لارتكاب الجرائم وعندما نفسرها سياسياً أو عقائدياً نفتح لها باب طوارئ بل نضعها في إطار فكري في حين هي حالة مرضية خفية.
وهو ما يؤكده العالم الكندي المرجعي روبرت هير في كتابه؛
” بلا ضميرRobert D. Hare’s with out Conscience ” من خلال تجارب حياة مهنية مختبرية وكشوفات بالاشعة الضوئية للمخ وتشريح الدماغ عن مخلوقات تعيش على حافة الهاوية لكن بأقنعة.
تمتاز هذه الشخصية بتعدد الشخصيات المستقلة عن بعضها داخل الشخص الواحد التي تصل عشرات بل مئات حسب الاشخاص والمناسبات ولكل شخصية لغة واهتمامات ووجه ومشاعر وتنتقل من شخصية داخلية الى اخرى بسلاسة حسب الاشخاص الذين تلتقي بهم لانها محفورة فيها بالعادة والتكرار كما تتنقل بين غرف المنزل دون أي شعور بهذا الانتقال.
لم يكن الأدب العالمي غائبا عن هذه الشخصية المتشظية المقنّعة كرواية دكتور جيكل ومستر هايد رواية لوبرت لويس ستيفنسون، ورواية ” نادي القتال” لــــــــــــــــ تشاك بولانيك، ورواية” أوجه إيف الثلاثة” لــلـكاتبين ثيجن سيكلي وتشارلز كاستل.
غالبا ما يتم الخلط بين انفصام الشخصية وهو عدم القدرة على التفريق بين الواقع والخيال وبين تعدد الشخصيات او اضطراب الهوية ويعني وجود هويات أو شخصيات مستقلة متعددة داخل نفس الإنسان تعمل مستقلة عن بعضها وكل شخصية لها لغة ومعايير واهداف وقواعد والخ ، وهي الحالة التي تناقشها الروايات المذكورة أعلاه.
الصور النمطية عن الطبيب الشريف والمعلم المثالي والمصلح النزيه والواعظ الحكيم والعاشق المتوله والمجرم الشرير بالمطلق ليست صحيحة دائماً بل عبارة عن قوالب تخفي شخصيات مركبة متناقضة وليست سطحاً.
وهو ما حذر منه مبكراً الروائي الفرنسي ستاندال 1783-1842 في روايته” صومعة بورما” عن مخاطر الايمان بالشخصية النمطية وبنى شخصيات مرتبكة مضطربة وتقع في أخطاء بعيدا عن الكمالية الزائفة وقد استشهد الروائي التركي اورهان باموق حامل نوبل بقول ستاندال في مقدمة روايته” الكتاب الأسود” محذرا من الوقوع في حافات المثالية.
اثبتت الاختبارات والدراسات ان هؤلاء حتى على فراش الموت لم يعربوا عن ندم عن افعال شنيعة والسبب ان العقل المشوه له طرق مقلوبة ومخيفة في النظر للحياة والناس ومن العبث استعمال معايير منطقية مع هؤلاء ، فكيف تناقش الهراء بالمنطق؟.
هؤلاء لهم معاييرهم الخاصة خارج معايير الطبيعة والبشر ومن العبث الحوار معهم بمعايير وقواعد سوية رصينة لأنهم عضوياً ونفسياً واخلاقياً يفتقرون للعاطفة والاحاسيس النظيفة والضمير الحي، وحياتهم محاكاة للآخرين في دور تمثيلي مستنزف لا ينتهي ويخدعون أقرب الناس اليهم من خلال الأقنعة وانتحال انبل المبادئ،
لكنهم أتعس المخلوقات رغم الاستعراض التعويضي الخارجي للتغطية على جحيم الداخل لأن التناقض الدائم بين ذات زائفة علنية وبين ذات حقيقية مدفونة هو وقود ومادة صراع مهلك داخلي ونار مشتعلة لا تنطفئ. عرض أقل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى