
أين عمال الأفران وعمال الطابوق في الصيف المشتعل وعمال الأرصفة، بل أين الآباء وهم يعودون في المساء مستنزفين يأكلون وينامون بلا أحلام ولا رغبات ولا حتى جسد ثم يفتحون باب الحظيرة في الصباح للذهاب الى العمل ويعودون في المساء عودة الحيوانات من المراعي من صفحات التواصل؟.
أين الأمهات؟ من يكنس ويطبخ وينظف المنازل ويرعى الأطفال؟ وأين الفلاحات في الحقول، بعضهن حوامل في مواسم الحصاد؟
هذه الطبقة المقصية والمنفية من الحياة التي تعيش على الحافات،
حافات المدن والحياة والفرح والأمل والمستقبل،
هم أيضاً بشر وعشاق ومشاعر وأحاسيس وحكايات جميلة وحزينة،
وحياة قاسية وتفاصيل هائلة .
كيف اختفى هؤلاء من صفحات التواصل والمساحات كلها مخصصة للغراميات الصناعية التي من النادر أن تقنع ناضجاً أو مجرباً رصيناً،
ان الحب كالموت والسكتة القلبية يعاش مرة واحدة ولا يسمى تجربة لأن التجربة تتكرر ؟
أين الأرامل واليتامي ومدن الصفيح و الثكالى؟
كيف ترسخت هذه” الثقافة” الباهتة في حين الأجيال السابقة كانت تركز في الشعر والفن والمسرح واللوحات وفي المسلسلات على هؤلاء؟
لماذا يراد دفع هؤلاء الى زوايا النسيان في الحياة وفي الكتابة؟ المنفى ليس مكاناً بل هو الشعور بالاغتراب في وطن انت جزء ميكانيكي فيه بلا مصير ولا أمل ولا حياة ولا مستقبل.
المنفى المكاني منقذ من الاذلال. الكرامة في منفى وطن، والذل في وطن منفى، وكم كان عبد الرحمن منيف صادقا وعميقا عندما قال:
” في الوطن نكتشف المنفى، وفي المنفى نكتشف الوطن” ،
لأن المنفى المكاني يسقط الفضائل الوهمية عن الوطن ويصبح واضحاً على حقيقته. المسافة تعطي فرصة الرؤية الأعمق والأدق خارج الضجيج والولاءات العمياء والدوامة والغبار والمتاهة.
أين العراقي الصامت، العراقي الذي يضحك وهو يتوجع، الجالس على الرصيف يدخن بقايا العمر، الذي يدفع العربات كما لو يدفع الايام؟
الذي لا يصلح ضيفاً في لقاء متلفز واذا حضر للسخرية منه وجميع البرامج التي تلتقي ببسطاء تنتهي بالسخرية منهم كما لو ان النظافة النفسية والعفوية صارت عادة منقرضة ، الذي يحب بصمت ويجلس ساعات تحت المطر، العراقي الشريف والغريب في سوق الشطارة، العراقي الواضح كسماء الصيف، الذي يفعل كما يفكر ويقول، الذي لم يشترك في وليمة النهب، الذي يأكل من عرق يديه، الذي يتعكز على ملابسه لكي يبدو متماسكاً،
الذي يمثل دور السعيد ويبكي خلف الستارة، الذي يعطي وردا ويستلم خنجرا في الظهر؟
لماذا يحضر اللص ويحضر القاتل ويحضر الخائن ويحضر النصاب وتحضر البلوكر والفاشنيستا والخائنة ويغيب العراقي النظيف؟ هل هي الصدفة في تحويل حياتنا الى بشاعة مطلقة؟
لماذا روى الجميع التاريخ من السفير الى الجنرال ومن الخائن الى اللص ومن الجاسوس الى النصاب ومن زعيم الحزب الى الكاتب الانتهازي لكننا لم نسمع سردية الاسكافي والفران والبائع الجوال وبواب العمارة وبائعة الحليب لان التاريخ الحقيقي هو شهادة الهامشي أو التاريخ من أسفل History from below من القاع وليس شهادة القادة والساسة وسجلات ووثائق النظم المزيفة المكيّفة؟.
أين العراقي الجميل النحيل الاصيل العفيف، من الجنسين، الذي لا حضور له في الفرح ولا في الادب لانه لا يصلح جملة شعرية في الشعر الصناعي , ولا شخصية في رواية، علف مدافع وحطب حروب ومشيع جنائز وحفار قبور ، وعندما يأتي الليل يحتضن ركبتيه ويبكي على كيفه ، صامتا، من غدر الأيام.؟
العراقي الذي يسعل أمامنا ويصرخ أمامنا بصمت لكننا لا نسمعه. عراقي الصفيح وفي الخلفية نيران آبار البترول.
العراقي هو الانسان الوحيد في العالم الذي عندما يصاب بانهيار عصبي،
يمزق ثيابه من “الزيج للزيج ـ الزيق” كما لو انه تلك اللحظ ينتقم من كل منظومات الستر والاخلاق والقيم الفاسدة الملفقة لكي يظهر في لحظة عري امام عري وقسوة ووحشية العالم.
إحتجاج وحالة أنكار كما لو أن تمزيق الثوب هو عبور تلك اللحظة. صرخة كلكامش أمام الموت بعد فقدان صديقه إنكيدو تعبر الأزمنة
لأنها صرخة خالدة والعراقي لم يألف الموت أبداً حتى وهو يغرق به:
“أيها الباب لو كنت أعلم أن هذا ما سيحل بي وان جمالك سيجلب علي المصائب إذن لرفعت فأسي وحطمتك
ولجعلت منك كلكا طوافة ولكن ما الحيلة يا باب وقد صنعتك وجلبتك” .
رأيت كل أنواع المجانين في بلدان مختلفة، فوجدت الهدوء والكآبة العميقة والصمت والنظرات الحائرة أو الفارغة، لكن مثل العراقي في لحظة انهياره لم أعرف مثيلا، إنه يكتب صرخته في هذا المشهد الاستثنائي حين يعجز عن التعبير عن أقسى الوجع المحرق.
لكن العراقي يتحمل كل أنواع الضيم، كل الخيانات، تتراكم عليه كل أنواع الخسارات والاهانات والاذلال والخوف والرعب، وهو يكابر. يحترق ويتمزق من الداخل ويكابر، يعض على نواجذه من الحياء،
دون أن يعرف ان هذه المكابرة تسحقه ببطء كما يسحق القمح في الطحن.
عندما يستهلك كل الطاقة النفسية والعصبية والجسدية، ومعها طاقة الحياء اللاجمة، يحدث الارتطام والتعري وتمزيق الثياب بل الصرخة الوحشية لانه غير قادر على حل أزمته بطرق مختلفة عقلانية بعد الكفر بالعقل الذي اوصله الى هذا الانهيار، واذا قرر الانتقام لكرامته يحرق الاخضر واليابس دون تفكير بالنتائج لانه يصل مرحلة الخاسر كل شيء اذا وصلها إما تقوده الى الجنون أو الشجاعة المطلقة أو الانفجار أو الموت الصامت.
العراقي هو الانسان الوحيد في العالم الذي “يكشط” بأظافره تبليط الشوارع
لفقدان عزيز، نوع من الحداد الذي يشبه الموت ـــــــــــــــ لا يأكل ولا يشرب ـــــــــــ، وهو الانسان الوحيد الذي يسخم وجهه بكل انواع السخام،
سخام قدور ، سخام فحم، سخام زيت، سخام ديزل، عندما يُفجع بموت حبيب أو قريب، ويدخل مع الميت في القبر لحظة الدفن.
العراقي هو الانسان الوحيد في العالم الذي قد تندلع منه صرخة،
فجأة، تكفي لتقويض الصمت الشامل، كذئب يعوي في برية. العراقي البريء، النظيف، المسالم، المخدوع، تحول من ظلم تاريخي طويل الى ذئب بشري،
يكابر كل يوم في الصلاة والضحك والعمل والكتابة والحراثة ومعامل الطابوق والتتن والمأدبة والشارع، لا حضور له في قصيدة او لوحة او فيلم او حتى في الذاكرة، لان همومه ليست هموم بارات وثرثرات المثقفين المراوغين، لانه يحمل صخرة عائلة، وجع السنوات، مخاوف طرق الباب في الليل، لذلك يكابر ويكابر ويخجل من الانهيار، لا يخاف الموت بل يخاف انقطاع التضحية، كما لو ان الموت ليس نهاية بل خيانة القلب، كمداهمة لص أو سقوط سقف من الحجر.
يكابر لكي لا يصرخ ـــــ لكي لا يعوي كذئب ــــ لكي لا يرتطم بالارض،
لكي لا يذهب الى المرعى ويأكل الحشيش، لكي لا يمزق ثيابه من الطول للطول، يفتح فمه على وسعه كما يعوي الذئب نحو سماء صامتة وهو ينزف، وحيداً .
إنه يعيش عزلة الصبار المحروم من العناق ومن المصافحة ومن الاحتضان مع ان رائحة الصبار تعطي عطراً ويمد أغصانه لمصافحة الفراغ.
ـــــــــــــــــ” هذا الاحتلال أقدم من تاريخه وقد وقع منذ تم تجريد الانسان من آدميته وتحويله الى حشرة زاحفة والمخلوقات المهانة لا تخرج لصد غزو حتى لو كان غزو جراد” ـــــــــــــــــ * من رواية: صرخة البطريق.
ـــــــــــ طائر البطريق يطلق صرخات قبل هبوب العاصفة ويهجس بها في الدم ويترك الصيادون السواحل كما انه يطلقها خلال هبوب العاصفة: أي انه يعيشها مرتين: مرة في الدم وثانية في الواقع وهذه بالضبط وظيفة المثقف والكاتب الرائي الاستشراف والتوقع. ما جدوى وصف الكارثة بعد وقوعها كما يحدث اليوم في الأدب والكتابة؟
ــــــــــــــــ لوحة الغلاف “الصرخة ” بالنرويجية Skrik” الصرخة هو الاسم الشائع الذي يطلق على أحد أكثر الأعمال الفنية شهرة للفنان التعبيري النرويجي إدفارد مونك رسمها في عام 1893 وكانت نبوءة بعالم مخيف ومقلق