كتاب وشعراء

الفضائل الشيطانية لإخلاص فرنسيس قصائد تسبح على حافة الوجع… بقلم أعراب خالد

منذ الصفحات الأولى من ديوان “الفضائل الشيطانية”، تشعر أن الدكتورة لا تريد أن تحكي حكاية واحدة، بل تفتح أمام القارئ أكثر من نافذة على حياة داخلية مزدحمة بالحب والفراق والرحيل والذاكرة. القصائد تبدو متفرقة في موضوعاتها، لكنها تلتقي في مكان واحد، في ذات تحاول أن تفهم ما حدث لها، وما الذي تركه الغياب في داخلها. لذلك لا يبدو الديوان مجموعة قصائد منفصلة بقدر ما يبدو مسارا موحدا تتغير فيه الوجوه والأمكنة و حتى الأزمنة في بعض الأحيان، بينما يبقى الإحساس نفسه. ننتقل من الحب إلى الغربة، ومن الغربة إلى الوطن، ومن الوطن إلى الأب، ثم إلى الموت وبعدها إلى الذاكرة. وكلما ابتعدت القصيدة عن موضوعها الأول عادت بطريقة ما إلى الإنسان، إلى ما يخسره وما يحاول الاحتفاظ به. الحب هو أول ما يستوقف القارئ، لكنه ليس حبا مستقرا. في “مراهنة” يبدأ الأمر من علاقة عاطفية، ثم تدخل الذاكرة وتعيد ترتيب الأشياء. تحاول الذات أن تبدو متماسكة، وأن تقول إنها نسيت، لكن تفاصيل القصيدة تفضحها. الاسم والرقم والذكرى تعيد الغائب إلى المشهد. وهنا تبدو المفارقة واضحة، فكل محاولة للابتعاد عن الماضي تؤدي إلى استحضاره من جديد. وهذا الجانب مهم في تجربة إخلاص فرنسيس، لأنها لا تقدم الحب بوصفه خلاصا، وإنما بوصفه تجربة تترك أثرها حتى بعد انتهائها. لذلك يأتي الفراق ملازما للحب، ويصبح النسيان معركة لا تنتهي بسهولة. اما في “نسيان” تتأكد الفكرة أكثر، فالعنوان يوحي بالرغبة في التخلص من الماضي، بينما القصيدة نفسها تكشف أن بعض العلاقات لا تنتهي بمجرد أن نقرر إنهاءها. ومن الحب ينتقل الديوان بصورة طبيعية إلى الرحيل. فالذي يرحل في هذه القصائد ليس دائما شخصا. فأحيانا يكون مكانا، وأحيانا زمنا، وأحيانا أخرى حياة كاملة. ولهذا تبدو الغربة امتدادا طبيعيا للفراق. و في “ذاكرة وطن” تقول الشاعرة .. أتعبني السفر ..، لكنها لا تتحدث عن السفر باعتباره انتقالا بين الأمكنة، وإنما عن التعب الذي يتركه الابتعاد في الإنسان. الوطن يبقى هناك في رائحة الحبق، وفي التفاصيل الصغيرة التي لا ننتبه إليها إلا بعد أن تصبح بعيدة. وهنا يصبح الوطن في الديوان ذاكرة أكثر منه جغرافيا. لا تحضر الأرض في شكل خطاب مباشر أو شعارات، وإنما من خلال الأشياء التي ترتبط بها الروح. فالوطن الذي تتحدث عنه الشاعرة هو الوطن الذي نحمله معنا عندما نغادره، لا المكان الذي نضعه على الخريطة. لكن الرحيل يصل إلى أكثر صوره قسوة عندما يتعلق الأمر بالأب. في قصيدة “أبي” وهنا لا تعتمد إخلاص فرنسيس على الكلمات الأدبية المؤثرة لكي تقول إنها فقدت أباها. تترك الأشياء تتكلم عنها. القميص الأخضر، الحذاء الذي يحمل التراب، العصا خلف الباب، علبة التبغ، أوراق الزوفا، وفنجان القهوة، كلها تصبح شواهد على شخص لم يعد موجودا. و هنا يصبح الغياب ملموسا. القارئ لا يقرأ عن الموت فقط، بل يشعر به في تفاصيل البيت. وهذا ما يجعل القصيدة قريبة من الحياة، لأن الفقد الحقيقي لا يظهر دائما في لحظة البكاء، وإنما يعود بعد ذلك في الأشياء اليومية. قد يرحل الإنسان، لكن مكانه يبقى، وملابسه تبقى، وعاداته تبقى، وربما يصبح فنجان قهوة أكثر قدرة على استحضاره من عشرات الكلمات. ومن الأب نصل إلى الموت، الذي يحضر في الديوان باعتباره جزءا من الحياة وليس مجرد خاتمة لها. في “سدرة المنتهى” تتعامل الشاعرة مع فكرة النهاية بطريقة مختلفة. العودة إلى التراب لا تعني اختفاء الإنسان، فالجسد يمكن أن يتحول في المخيلة إلى شجرة أو ياسمين أو ماء، ويظل الأثر موجودا في الطبيعة وفي ذاكرة الآخرين. أما في “مشكات الرحيل” فإن الموت والرحيل يبدوان مرتبطين بما لم يكتمل. الزمن يتحرك، لكن بعض الأمنيات تبقى في مكانها. وهذا الشعور يتكرر في أكثر من موضع في الديوان، حيث يبدو الإنسان وكأنه يحاول أن يغلق أبوابا تركها الماضي مفتوحة. ولذلك لا يأتي الموت منفصلا عن الذاكرة. كلما حاولت الذات أن تتجاوز شيئا عاد إليها بصورة أخرى.
و في “نسيتك معي” يتحول القلق نفسه إلى عبء، ويصبح الخوف جزءًا من الحياة اليومية. وهنا يتجاوز الديوان حدود التجربة العاطفية ليقترب من سؤال أكبر يتعلق بالإنسان وقلقه أمام الوقت والفقد والنهاية. هذا كله يفسر أيضًا حضور الطبيعة في قصائد إخلاص فرنسيس. الريح والبحر والصنوبر والزيتون والمطر والليل والضوء ليست مجرد مفردات جمالية. إنها تتحرك داخل القصيدة مع حركة الذات. عندما تضيق الذات يتغير المكان، وعندما تستعيد شيئًا من الأمل يتغير الضوء. الطبيعة في هذه النصوص ليست خلفية للمشهد، بل جزء منه. وفي بعض القصائد تتداخل الحقيقة مع الخيال إلى درجة يصعب معها الفصل بينهما. الحلم يصبح قريبًا من الواقع، والذاكرة تتحول إلى مكان، والأشياء الجامدة تكتسب صوتًا وحضورًا. وهذا يمنح النصوص طابعًا خاصًا، لأن الشاعرة لا تشرح مشاعرها بشكل مباشر دائمًا، بل تترك الصورة تقوم بالمهمة. ومن هنا يمكن فهم عنوان الديوان «الفضائل الشيطانية». العنوان نفسه قائم على التناقض، وهو التناقض الذي يسكن الكثير من القصائد. هناك رغبة في الحب، وفي الوقت نفسه رغبة في الابتعاد. هناك حنين إلى الوطن، وفي الوقت نفسه تعب من الرحيل. هناك رغبة في النسيان، لكن الذاكرة ترفض أن تختفي. وفي القصيدة التي تحمل عنوان الديوان تظهر عبارة «صلاة ثنائية العصيان»، وهي صورة تلخص هذا الصراع الداخلي. الشيطان هنا لا يبدو مجرد رمز للشر، وإنما يمكن قراءته باعتباره الوجه المتمرد داخل الإنسان، ذلك الجزء الذي يرفض أن يعيش وفق ما يفرضه الآخرون عليه. ولهذا فإن العنوان لا ينفصل عن التجربة، بل يلخص جانبًا منها، تجربة إنسان يقف دائمًا بين ما يريده وما يُطلب منه، بين ما يخفيه وما يريد قوله. ومن اللافت أن إخلاص فرنسيس لا تتعامل مع الكتابة باعتبارها زينة تضاف إلى التجربة. الكتابة نفسها جزء من حياتها داخل الديوان. في «صلصال الفصول» يصبح الحبر والروح والشعر والفصول مادة واحدة، وكأن الشاعرة تعيد تشكيل ما عاشته بالكلمات. وهنا تتضح العلاقة بين الذاكرة والكتابة. ما لا تستطيع الذات الاحتفاظ به في الحياة، تحاول أن تحفظه في القصيدة. الشخص الذي رحل يمكن أن يعود في بيت، والوطن الذي ابتعدت عنه يمكن أن يعود في رائحة، والحب الذي انتهى يمكن أن يستمر في قصيدة، والأب الذي غاب يمكن أن يبقى في قميص وفنجان وعصا خلف الباب. لهذا لا أرى «الفضائل الشيطانية» ديوانًا عن الحب وحده، رغم أن الحب حاضر فيه بقوة. إنه ديوان عن الأشياء التي تترك أثرًا في الإنسان ولا ترحل بسهولة. عن الحب حين يتحول إلى ذاكرة، وعن الوطن حين يصبح حنينًا، وعن الأب حين يصبح غيابه جزءًا من تفاصيل البيت، وعن الموت حين لا يستطيع أن يمحو أثر من رحل. وما يجعل تجربة إخلاص فرنسيس لافتة هو أنها لا تحاول أن تمنح القارئ نهاية مريحة. لا تقول إن الجرح شُفي، ولا إن الماضي انتهى، ولا إن النسيان تحقق. تترك الأشياء معلقة كما هي في الحياة. وهذا ربما ما يجعل بعض القصائد أقرب إلى القارئ، لأن الحياة نفسها لا تمنحنا دائما نهايات واضحة ربما مبهمة.
وبعد قراءة الديوان لا يبقى في الذاكرة موضوع واحد. الذي يبقى هو ذلك الشعور بأن وراء القصائد ذاتا تحاول أن تمسك بما يتسرب منها، حبا أو وطنا أو أبا أو زمنا، وربما تحاول في المطاف أن تمسك بنفسها. وهنا يصبح عنوان الديوان مفهوما أكثر. بين’ الفضائل’ و’الشيطان’، بين الرغبة والخوف، بين الحب والرفض، بين ما نقوله وما نخفيه، تقف إخلاص فرنسيس وتكتب عن الإنسان كما هو، لا كما ينبغي أن يكون. “الفضائل الشيطانية” في الأخير ليس ديوانا يبحث عن إجابة بقدر ما هو ديوان يطرح الأسئلة التي تظل مع كل واحد منا.
فبعد أن تنتهي القصيدة. ماذا يبقى من الذين أحببناهم؟
ماذا يفعل بنا الرحيل؟
وهل تستطيع الكتابة أن تحفظ ما عجزت الحياة عن الاحتفاظ به؟ ربما لا تقدم إخلاص فرنسيس جوابا مباشرا. لكنها تفعل شيئا أكثر قربا من الشعر. تترك ما تخشى ضياعه حيا داخل القصيدة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى