كتاب وشعراء

دعوا الشّاعر ينام . . . هيثم الأمين / تونس

أنا لا أمشي في الشّوارع مع الشّاعرِ!
أتركهُ، هناك، في خياله الورديْ
يعتني بقبلة صغيرة نسيتها امرأة،
على صدره،
وينتظر أن تصير حديقة أزهارْ…
يربّي قصائد عاريةِ في قبو اللّذةِ
ويضع لها أحمر الشّفاه والمانييكورْ والكحلْ
وحين تُتعبه القصصُ
يستلقي على شاطئ موسيقى وينامْ.
أتركهُ، هناك، في حزنه الشّخصيْ
يرتاد حانات لا تطالبهُ بثمن البكاءْ،
يراقص وحدته التي لا تتأفّف من أمراضه المزمنة
وكقرصان أسطوريّ يسافر في الموج الرّماديّ
دون بوصلة أو نجمة قطبيّة
ويصل
إلى جزيرة الكنز.
اليوم، في الشارع، صفّقت طويلا مع كلّ الكادحين
ففخامته قد أمر بتشييد سجون ومقابر جديدة لنا!
فخامته يخشى
أن نتشرّد في موتنا
ويخشى
أن تحرّضنا، على أنفسنا، جدران الشّوارعْ!
فخامته ألغى جقّ الجميع في التّعليم
ليخفّف علينا أحمال المعيشة
ونحن رقصنا، طويلا، على أنغام النّشيد الوطنيٍ
وطالبنا الإله بإطالة عمر الزّعيم
وطالبنا الزّعيم بتصغير رغيف الخبز أكثر من أجل إنجاح الرّيجيمْ!
ولأنّ البوليس السّرّيّ
كان يراقبنا من المقاهي الفاخرةِ
ومن وراء الملابس الدّاخليّة النّسائيّة على حبال الغسيل
لَمْ نجرؤ أن نطالب حضرته بأن يصير إلها
حتّى لا ندان بتهمة “ادنيس المقدّسات”…
اليوم، ماذا لو كان الشّاعر معي في الشّارع؟!
كان سيرتكب جريمة التّشهير بجوعنا؛
كان – كأيّ رجل مصاب بالقلق – سيشتُم الطّوابير
وكان سيّدعي أنّ الأيادي التي صافحت الأعداء أمام الكاميراوات
-دون انحناء-
كانت ترتجف وهي تقبّل أيادي نفس الأعداء، خلف السّتارْ!
وحينها، سيُتّهمُ بالوطنيّة المفرطة
وستخسرون
شاعرا
كان يكتب عن الحبّ وعن حزنه الشّخْصيْ…

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى