محمد الحسيني يكتب :ماذا يريد ترامب من تحالف مكة؟ وماذا سيحدث لليمن إذا تغيّرت قواعد اللعبة بين واشنطن وطهران؟

ماذا لو كان أخطر ما يجري في المنطقة ليس الصاروخ الذي ينطلق من اليمن، ولا التهديد الأمريكي لإيران، ولا حتى الاتفاق الدفاعي بين السعودية وتركيا وباكستان، بل اللحظة التي بدأت فيها كل هذه الملفات تلتقي في نقطة واحدة؟
الشرق الأوسط يتحرك بسرعة، والتحالفات تعاد صياغتها، والخصوم يتفاوضون وهم يهددون بعضهم بالحرب، والحلفاء يبنون لأنفسهم مظلات أمنية جديدة، بينما تبدو إسرائيل أقل قدرة من السابق على فرض إيقاعها على الإقليم.
وفي قلب هذه الصورة تقف اليمن، فوق أهم ممرات العالم وأكثرها حساسية: باب المندب، فماذا يريد ترامب فعلاً من «تحالف مكة»؟
ولماذا يرحب بتحالف يبدو ظاهرياً وكأنه يمنح السعودية وتركيا وباكستان استقلالاً أكبر عن واشنطن؟
وهل يناور مع إيران أم يستعد لحرب جديدة؟ وإذا تغيرت قواعد اللعبة بين واشنطن وطهران، فماذا سيحدث لليمن؟
ربما تكون الإجابة في مكان آخر تماماً: ترامب لا يريد التخلي عن حلفائه، بل يريد إعادة تعريف علاقتهم بأمريكا؛ لا يريد الحرب بالضرورة، لكنه يريد أن تبقى الحرب احتمالاً حاضراً؛ ولا يريد أن تكون اليمن هامشاً في الصراع، لأن باب المندب قد يصبح أحد أهم مفاتيح المرحلة المقبلة.
ربما لا تكون الصواريخ الخمسة التي أطلقها الحوثيون باتجاه البحر الأحمر هي أهم ما حدث في المنطقة اليوم، لكنها بالتأكيد من أكثر الأحداث التي تكشف ما يجري خلف المشهد.
فاليمن لم يعد مجرد ساحة حرب داخلية بين الحوثيين والحكومة اليمنية، ولا مجرد ملف مؤجل على طاولة المفاوضات.
اليمن يقع الآن عند نقطة تتقاطع فيها حسابات إيران والولايات المتحدة والسعودية وتركيا وباكستان، ويلتقي فيها مضيق هرمز بباب المندب، والطاقة بالتجارة، والحرب بالدبلوماسية.
ولهذا فإن السؤال لم يعد فقط: لماذا يطلق الحوثيون الصواريخ؟ بل: لمن تُرسل الرسالة؟ وما الذي تريد الرياض أن ترد عليه؟ ولماذا يرحب ترامب بتحالف سعودي ـ تركي ـ باكستاني في الوقت الذي يضغط فيه على إيران ويهددها بالحرب؟ حين وصف ترامب اتفاق الدفاع بين السعودية وتركيا وباكستان بأنه «مهم وجريء»، لم يكن بالضرورة يرحب بابتعاد حلفائه عن الولايات المتحدة، بل ربما كان يرى في الاتفاق صورة من النظام الإقليمي الذي يريد أن يصنعه: حلفاء أقوى، يتحملون جزءاً أكبر من عبء أمنهم، ويتحركون بصورة أكثر استقلالاً، لكن من دون أن يخرجوا من المدار الأمريكي.
السعودية وتركيا لا تريدان بالضرورة مغادرة المظلة الأمريكية، لكنهما لم تعودا تريدان أن تكونا مجرد متلقيين للضمانات الأمريكية. وما حدث خلال السنوات الأخيرة أقنع عواصم المنطقة بأن الاعتماد الكامل على واشنطن لم يعد خياراً آمناً.
لذلك يبدو «تحالف مكة» أقرب إلى تحالف تَحوّط منه إلى تحالف قطيعة، إنه يقول لواشنطن: نحتاجك، لكننا نريد أيضاً أن نملك قدرتنا على الدفاع عن أنفسنا.
ويقول لإيران: لا يمكن أن تبقى المنطقة مكشوفة أمام أدوات الضغط الإقليمية، وهنا تحديداً يمكن فهم سعادة ترامب بالاتفاق.
هو لا يريد بالضرورة أن يحكم الشرق الأوسط بالطريقة القديمة؛ بل يريد أن تبقى أمريكا القوة الأكبر، لكن أن يدفع الآخرون أكثر، ويقاتلوا أكثر، ويتحملوا مسؤولية أكبر.
لكن لماذا الآن؟ لأن المنطقة دخلت مرحلة مختلفة، إيران تضغط عبر هرمز، والولايات المتحدة تستخدم العقوبات والتهديد العسكري، والسعودية تواجه تهديدات متزايدة من الحوثيين، والبحر الأحمر يعود إلى واجهة الأمن الدولي، وتركيا تحاول توسيع هامشها الاستراتيجي، وباكستان تبحث عن توازن دقيق بين علاقاتها بالسعودية وإيران والصين. وفي قلب هذه المعادلة تقف اليمن.
السعودية لا تنظر إلى باب المندب باعتباره ملفاً يمنياً فقط، لأن باب المندب بالنسبة إلى الرياض جزء من أمنها القومي، أي تهديد للملاحة هناك يعني تهديداً للتجارة والطاقة والموانئ السعودية، ويمنح الحوثيين قدرة على تحويل الجغرافيا اليمنية إلى سلاح في مواجهة الإقليم كله.
ولهذا فإن ما يجري في المخا والبحر الأحمر أكثر من مجرد اشتباك عسكري جديد، حين يطلق الحوثيون الصواريخ، فهم لا يضغطون على الحكومة اليمنية وحدها.
هم يضعون السعودية أمام اختبار، ويبعثون برسالة إلى واشنطن، ويقولون لطهران ـ بصورة مباشرة أو غير مباشرة ـ إن باب المندب يمكن أن يصبح جزءاً من معادلة الردع في أي مواجهة أكبر.
لكن لا ينبغي القول إن السعودية وتركيا وباكستان تتبنى الموقف الأمريكي نفسه من اليمن، هناك تقاطع، لكنه ليس تطابقاً.
السعودية تريد منع الحوثيين من امتلاك قدرة تهدد حدودها وموانئها وممراتها البحرية، وتقليص النفوذ الإيراني في اليمن.
تركيا تريد استقراراً إقليمياً يسمح لها بالحفاظ على نفوذها وعلاقاتها، لكنها لا تبدو راغبة في الغرق في حرب مفتوحة.
أما باكستان، فعلى الرغم من قربها الاستراتيجي من السعودية، فإنها أكثر حساسية تجاه أي مواجهة واسعة مع إيران.
يمكن للدول الثلاث أن تتفق على الردع من دون أن تتفق على الحرب، وأن تتعاون عسكرياً من دون أن تتحول إلى قوة تدخل جماعي في اليمن، وهذا بالضبط ما يجعل الاتفاق مهماً بالنسبة إلى ترامب.
فالولايات المتحدة تريد من حلفائها الإقليميين أن يتحملوا جزءاً أكبر من العبء، لا أن تنتشر القوات الأمريكية في كل أزمة.
وإذا كان بإمكان الرياض وأنقرة وإسلام آباد أن تبني شبكة دفاعية مشتركة، فهذا يخفف بعض الكلفة عن واشنطن ويمنحها في الوقت نفسه نفوذاً أوسع على شبكة أمن إقليمية أكثر تنظيماً.
لكن المفارقة أن ترامب يفعل ذلك في الوقت الذي يفاوض فيه إيران ويهددها في آن واحد.
وهذا ليس تناقضاً بالضرورة. ترامب يريد أن تبقى الدبلوماسية قائمة، لكن تحت ظل القوة.
يريد أن تعرف طهران أن باب التفاوض مفتوح، لكنه ليس بلا نهاية، وأن رفض التسوية قد يقود إلى كلفة أعلى.
إنها ببساطة سياسة «التفاوض تحت الضغط»، لكن هذه السياسة تصبح شديدة الخطورة عندما يكون الطرف الآخر إيران، لأنها لا تملك ورقة صاروخية فقط؛ بل تملك جغرافيا وممرات بحرية وشبكات نفوذ، وفي الجهة المقابلة من الخليج توجد جماعة الحوثيين التي تستطيع تحويل باب المندب إلى امتداد للصراع.
وهنا يصبح اليمن جزءاً من الحساب الأمريكي ـ الإيراني، شاء اليمنيون أم لم يشاؤوا، إذا اندلعت حرب أمريكية واسعة ضد إيران، فإن الحوثيين قد يتحولون إلى واحدة من أهم ساحات الرد غير المباشر.
وإذا نجحت المفاوضات، فسيصبح الحوثيون اختباراً حقيقياً لمعرفة ما إذا كانت أي صفقة أمريكية ـ إيرانية تستطيع الوصول إلى وكلاء الصراع. وإذا لم يحدث هذا ولا ذاك، فستظل اليمن ورقة ضغط مفتوحة.
ولهذا فإن السؤال: «هل ترامب يناور أم يستعد للحرب؟» قد تكون إجابته الأقرب إلى الواقع: يفعل الأمرين معاً، لكن ليس بالضرورة بالقدر نفسه. هو يريد أن يجعل إيران تخشى الحرب حتى لا يضطر إلى خوضها.
فالولايات المتحدة تستطيع عسكرياً إلحاق أضرار هائلة بإيران، لكن القدرة على ضرب إيران شيء، والقدرة على إنهاء الحرب بالشروط الأمريكية شيء آخر.
إيران دولة واسعة، تملك صواريخ وطائرات مسيرة وشبكات إقليمية وقدرة على تهديد الملاحة والطاقة، ويمكنها توزيع كلفة الحرب على أكثر من ساحة.
لذلك فإن «الحرب الحاسمة» قد تكون حاسمة عسكرياً، لكنها ليست بالضرورة حاسمة سياسياً، وقد يكون باب المندب أول مكان تدفع فيه المنطقة ثمن الخطأ في الحساب.
وهنا تتصل اليمن بغزة وإسرائيل أيضاً. فترامب يريد دفع خطته في غزة، ويحتاج لإنجاحها إلى تفاهم مع السعودية وتركيا وقطر ومصر وبقية القوى العربية والإسلامية، لا إلى الاعتماد على إسرائيل وحدها.
وفي المقابل، تبدو الحكومة الإسرائيلية أكثر تمسكاً بشروطها العسكرية والسياسية، ما يخلق فجوة متزايدة بين الرؤية الإسرائيلية وبعض ما تريده واشنطن.
وهذا لا يعني أن إسرائيل خرجت من الحساب الأمريكي، لكنه يعني أن قدرتها على تحديد شكل المعادلة الإقليمية لم تعد كما كانت.
فالشرق الأوسط الذي يتشكل الآن لا يبدو شرق أوسط إسرائيلياً، ولا أمريكياً خالصاً، ولا إيرانياً، إنه شرق أوسط تتنافس فيه عدة قوى على صناعة التوازن، فيما تحاول الولايات المتحدة أن تبقى القوة التي تدير التوازن.
حتى روسيا دخلت على هذا الخط، وإن من بوابة مختلفة. موسكو توسع حضورها في أفريقيا، وتبني علاقات أمنية جديدة، وتواجه أوروبا في ملف العقوبات والطاقة والملاحة. وما تقوله موسكو عن السفن وطرق التجارة ليس منفصلاً تماماً عما يجري في البحر الأحمر وهرمز: العالم يدخل مرحلة يصبح فيها الميناء والمضيق والسفينة والعقوبات جزءاً من أدوات الصراع مثلها مثل الصواريخ. السعودية تبني شبكة أمان، تركيا توسع هامشها، باكستان تبحث عن توازن، إيران تحاول استخدام أوراقها قبل أن تفقد قيمتها، أمريكا تضغط وتتفاوض وتلوّح بالقوة، وإسرائيل تحاول الحفاظ على أكبر قدر ممكن من مكتسباتها، فيما تستثمر روسيا في الفراغات التي يتركها الصراع. وفي المنتصف تقف اليمن.
ليس باعتبارها الحلقة الأضعف فقط، بل باعتبارها الحلقة التي تصل إيران بالخليج، والسعودية بالبحر الأحمر، وهرمز ببن المندب، والحرب بالتجارة، والدبلوماسية بالتصعيد. ولهذا فإن النظر إلى اليمن بوصفها «مشكلة داخلية» لم يعد كافياً.
إذا نجحت واشنطن وطهران في التوصل إلى صفقة، فسيكون على الصفقة أن تمر باختبار اليمن.
وإذا فشلت المفاوضات، فستكون اليمن من أولى الساحات المرشحة لدفع الثمن. وإذا قرر ترامب الذهاب إلى الحرب، فقد تصبح اليمن إحدى أهم أدوات الرد الإقليمي على تلك الحرب.
وإذا استمر في المناورة بين الضغط والتفاوض، فستبقى اليمن ورقة مفتوحة إلى أن تتضح قواعد اللعبة الجديدة.
لذلك فإن السؤال الأهم لم يعد: هل سيضرب ترامب إيران؟ السؤال الأعمق هو: إذا تغيرت قواعد اللعبة بين واشنطن وطهران، من سيعيد ترتيب اليمن؟ فالذي يعاد تشكيله الآن ليس ميزان القوى في اليمن وحده، بل موقع اليمن نفسه داخل ميزان القوى في المنطقة.
ومن يقرأ الصواريخ التي تسقط قرب المخا باعتبارها مجرد قذائف في حرب يمنية، قد يفوته المعنى الأكبر: باب المندب بدأ يدخل غرفة صناعة القرار الإقليمي، واليمن لم يعد على هامش المعادلة .. بل أصبح أحد مفاتيحها.