
نسمع كثيرًا: «اصبر، كل شيء سيمر».
والصبر بالفعل قيمة إنسانية عظيمة، يساعدنا على تحمل الأوقات الصعبة، ويمنحنا فرصة للتفكير بهدوء وعدم اتخاذ قرارات متسرعة في لحظات الانفعال.
لكن هل كل ما نتحمله يُسمى صبرًا؟
أحيانًا نخلط بين الصبر وبين الاستمرار في تحمل ما يؤذينا.
قد يصبر الإنسان على ظروف مؤقتة لأنه يعرف أنها ستتغير، وقد يصبر على أزمة لأنه يعمل على تجاوزها، لكن المشكلة تبدأ عندما يصبح الصبر مجرد انتظار بلا نهاية، أو عندما نستخدم كلمة «الصبر» لإقناع أنفسنا بالبقاء في وضع يستنزفنا نفسيًا.
الصبر الصحي لا يعني أن نتخلى عن أنفسنا.
فليس من الصبر أن أعيش طوال الوقت في خوف، أو أن أقبل الإهانة حتى لا أخسر علاقة، أو أن أكتم مشاعري باستمرار حتى لا أغضب الآخرين، أو أن أتحمل فوق طاقتي لأنني أخشى أن يقول الناس إنني لم أكن صبورًا بما يكفي.
ومن منظور الصحة النفسية، هناك فرق بين أن أتحمل شيئًا لأنني أختار ذلك مؤقتًا بهدف الوصول إلى حل، وبين أن أتحمل لأنني لا أرى أمامي خيارًا آخر.
الأول قد يكون صبرًا، أما الثاني فقد يتحول إلى استنزاف.
والاستنزاف النفسي لا يحدث دائمًا بصورة واضحة. قد يبدأ بتعب مستمر، ثم فقدان الحماس، وسرعة الانفعال، واضطراب النوم، والشعور بأن الإنسان لم يعد يشبه نفسه.
وقد يصل الأمر إلى مرحلة يصبح فيها الشخص معتادًا على الألم لدرجة أنه لم يعد يسأل نفسه: «هل أنا بخير؟» بل أصبح سؤاله الوحيد: «كم أستطيع أن أتحمل؟»
وهنا يجب أن نتوقف.
ليس المطلوب أن نهرب من كل مشكلة عند أول صعوبة، ولا أن نتخلى عن مسؤولياتنا بمجرد أن نشعر بالتعب. الحياة بطبيعتها تحتاج إلى قدر من التحمل والمرونة.
لكننا نحتاج أيضًا إلى أن نعرف متى يكون التحمل قوة، ومتى يصبح ظلمًا للنفس.
أحيانًا لا نحتاج إلى مزيد من الصبر، وإنما نحتاج إلى قرار، أو إلى وضع حدود، أو إلى طلب المساعدة، أو إلى إعادة النظر في الطريقة التي نتعامل بها مع المشكلة.
والاهتمام بالصحة النفسية لا يعني أن نحيا حياة خالية من الألم، فهذا غير واقعي، وإنما أن نمتلك الوعي الذي يجعلنا قادرين على التمييز بين الألم الذي نمر به ونحن في طريقنا إلى التعافي، والألم الذي يتكرر لأننا لا نغير شيئًا في الطريقة التي نتعامل بها مع حياتنا.
لذلك، إذا كنت صابرًا، اسأل نفسك من وقت لآخر:
هل صبري يقودني إلى حل، أم أنه يجعلني أعتاد على الاستنزاف؟
فليس كل انسحاب هروبًا، وليس كل تحمل قوة، وليس كل صمت حكمة.
وأحيانًا يكون أكثر أشكال القوة أن نعترف لأنفسنا بأننا تعبنا، وأن نبحث عن طريقة أكثر صحة للاستمرار.
اصبر عندما يكون للصبر معنى، لكن لا تجعل الصبر سببًا لأن تخسر نفسك.