صحه ومرأه

الصحة النفسية “أن ترى الكأس كاملًا”….بقلم د سهير ديب

يقال لنا دائمًا: انظر إلى الجزء الممتلئ من الكأس

وأقول: نعم، انظر إلى الجزء الممتلئ، وقدّر ما لديك من نعم وإمكانات وفرص، لكن لا تتجاهل الجزء الفارغ. انظر إليه أيضًا، وتعلّم كيف تتعامل معه.

من هنا ندرك ‘ ان الحياة ليست مشرقة دائما ولا نقصد ان نعتني بصحتك النفسية أن نعيش حياة مثالية، ولا أن نستيقظ كل صباح ونحن في حالة من السعادة والرضا الكامل. الحياة بطبيعتها تحمل في داخلها الفقد، والخيبة، والضغوط، والخلافات، والقلق، والتغيرات التي لم نخطط لها.

ولذلك فإن تعزيز الصحة النفسية لا يعني أن نمنع المشكلات من الوصول إلينا، فهذا أمر لا يستطيع أحد أن يضمنه، وإنما يعني أن نمتلك القدرة النفسية والمرونة النفسية ‘ التي تساعدنا على مواجهة ما يحدث لنا دون أن نفقد أنفسنا في الطريق.

أن تكون بصحة نفسية جيدة لا يعني أنك لن تحزن، بل أن تعرف كيف تتعامل مع حزنك. لا يعني أنك لن تقلق، بل أن تدرك قلقك ولا تسمح له بأن يقود حياتك. ولا يعني أنك لن تتعرض للخسارة، بل أن تجد في داخلك القدرة على النهوض والتكيف وإعادة بناء نفسك بعد الألم.

اما الاعتقاد بأن الصحة النفسية علاجًا للمريض فهذا قد يكون جزءا صغيرا من حقيقتها العميقة ، في الحقيقة هي أوسع من ذلك بكثير. هي وعي بالذات، وفهم للمشاعر وتنظيمها ‘ قدرة على التعامل مع الضغوط، وبناء علاقات أكثر توازنًا، ومعرفة متى نحتاج إلى التوقف، ومتى نحتاج إلى طلب المساعدة.

فالإنسان القوي نفسيًا ليس هو الذي لا ينكسر أبدًا، وإنما هو الذي يعرف كيف يتعامل مع لحظات ضعفه، وكيف يتعلم من تجاربه، وكيف يطلب الدعم عندما يحتاج إليه دون أن يعتبر ذلك ضعفًا أو عجزًا.

ومن هنا تأتي أهمية تعزيز الصحة النفسية في حياتنا اليومية. نحن لا نعمل على بناء عالم مثالي خالٍ من المشكلات، وإنما نعمل على بناء إنسان أكثر وعيًا بذاته، وأكثر قدرة على مواجهة تحديات الحياة، وأكثر مرونة في التعامل مع ما لا يستطيع تغييره.

قد لا نستطيع أن نملأ الجزء الفارغ من الكأس دائمًا، وقد لا نستطيع تغيير الظروف التي نمر بها، لكننا نستطيع حتما أن نتعلم كيف نحمل الكأس دون أن نسقطه، وكيف نرى ما فيه بدل أن ننشغل فقط بما ينقصه.

الصحة النفسية ليست وعدًا بحياة بلا ألم، وإنما قدرة على أن نعيش الحياة بكل ما فيها، وأن نواجه صعوباتها دون أن نفقد سلامنا الداخلي أو إنسانيتنا.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى