
حين نتحدث عن الطعام، غالبًا ما نفكر في السعرات الحرارية، الوزن، الحمية، أو في السؤال المعتاد: ماذا نأكل؟
لكن هناك سؤالًا آخر يستحق أن نتوقف عنده:
لماذا نأكل؟
فالإنسان لا يتعامل مع الطعام بوصفه حاجة جسدية فقط. أحيانًا نأكل لأننا جائعون، وأحيانًا نأكل لأننا متوترون، أو نشعر بالملل، أو نبحث عن لحظة من الراحة بعد يوم طويل.
وهنا تبدأ العلاقة بين الغذاء والصحة النفسية.
الأبحاث الحديثة أصبحت تهتم بصورة متزايدة بالعلاقة بين جودة الغذاء والمزاج والرفاه النفسي، كما تدرس تأثير أنماط الطعام في بعض جوانب الصحة النفسية. وتشير الأدلة إلى ارتباط الأنظمة الغذائية الغنية بالأطعمة الكاملة والخضروات والفواكه والألياف والدهون الصحية بنتائج نفسية أفضل، مع التأكيد أن الغذاء لا يمثل علاجًا منفردًا للاضطرابات النفسية. (APA)
عندما يتحول الطعام إلى وسيلة للتعامل مع المشاعر
قد يمر الإنسان بيوم مليء بالضغوط، فيجد نفسه يبحث عن الحلوى أو الوجبات السريعة، ليس لأنه يحتاج إليها جسديًا، وإنما لأنه يبحث عن شعور سريع بالراحة.
وهذا ما نطلق عليه في علم النفس الأكل العاطفي.
وقد أظهرت أبحاث الجمعية الأمريكية لعلم النفس أن التوتر يمكن أن يؤثر في عادات الأكل، وأن بعض الأشخاص يلجؤون إلى الإفراط في تناول الطعام أو اختيار أطعمة أقل صحية أثناء فترات الضغط. (APA)
لكن المهم هنا ألا نحول هذه المعلومة إلى حكم على الإنسان.
فالشخص الذي يأكل تحت الضغط ليس بالضرورة ضعيف الإرادة.
ربما هو شخص لم يتعلم بعد طريقة أخرى لتنظيم مشاعره.
وهنا يأتي دور الوعي النفسي.
بدلًا من أن نقول لأنفسنا:
«لماذا لا أستطيع السيطرة على نفسي؟»
يمكن أن نسأل:
«ما الذي أشعر به الآن؟ وهل أنا جائع فعلًا، أم أنني أحاول أن أهدئ شعورًا آخر؟»
هذا السؤال البسيط قد يكون بداية تغيير حقيقي.
الطبخ ليس مجرد إعداد وجبة
ومن الجميل أن برنامجًا للطبخ يمكن أن يتحدث أيضًا عن الصحة النفسية؛ لأن الطبخ في حد ذاته قد يكون تجربة نفسية واجتماعية.
التخطيط للوجبة، تحضير المكونات، استخدام الحواس، ثم رؤية النتيجة النهائية، كلها تفاصيل تمنح الإنسان شعورًا بالمشاركة والإنجاز.
والأهم من ذلك أن الطعام يجمع الناس.
مائدة الطعام يمكن أن تكون مساحة للحوار، وللضحك، وللتواصل بين أفراد الأسرة.
وفي زمن أصبحت فيه كثير من الوجبات تُؤكل أمام الشاشات، ربما نحتاج أن نستعيد فكرة أن المائدة ليست مكانًا للطعام فقط، بل مكان للعلاقة أيضًا.
لا تجعلوا الطعام مصدرًا للذنب
من أكثر الأشياء التي قد تؤذي علاقتنا بالطعام أن يتحول إلى مصدر دائم للذنب.
«أكلت كثيرًا.»
«أفسدت الحمية.»
«لا يجب أن آكل هذا.»
«أنا لا أملك إرادة.»
ومع تكرار هذه الأفكار، قد تتحول العناية بالجسد إلى علاقة مليئة بالقلق والخوف.
الصحة لا تعني الكمال.
ولا توجد وجبة واحدة تحدد صحة الإنسان، كما أن تناول طعام معين في مناسبة لا يعني أننا فشلنا.
المطلوب هو نمط متوازن وعلاقة أكثر وعيًا بالطعام.
وماذا عن الأطفال؟
ربما هنا تقع مسؤولية كبيرة على الأسرة.
فالطفل يتعلم علاقته بالطعام من خلال ما يراه ويسمعه.
عندما نستخدم الحلوى كمكافأة في كل مرة، أو نجعل وزن الطفل موضوعًا للسخرية، أو نربط الطعام بالحب والعقاب، فإننا لا نعلمه فقط ماذا يأكل، بل نعلمه أيضًا كيف ينظر إلى جسده وإلى نفسه.
لذلك نحتاج إلى أن نعلّم أبناءنا أن الطعام وسيلة لتغذية الجسم والاستمتاع به، وليس مقياسًا للقيمة الشخصية.
صحتك ليست جسدًا فقط
من وجهة نظري كاستشارية صحة نفسية، لا يمكننا أن نفصل الإنسان إلى أجزاء منفصلة: جسد هنا، ونفس هناك.
نحن منظومة واحدة.
الغذاء الجيد يدعم الجسد، والنوم الجيد يدعم الطاقة والمزاج، والعلاقات الصحية تدعم النفس، والحركة تساعد الإنسان على الحفاظ على نشاطه، والوعي بمشاعره يساعده على اتخاذ قرارات أفضل.
ولهذا فإن الاهتمام بالصحة لا ينبغي أن يكون معركة بين «الطعام» و«الحمية»، وإنما علاقة أكثر توازنًا بين الجسد والعقل والمشاعر.
وقد يكون السؤال الذي نحتاج إلى طرحه على أنفسنا كل يوم ليس فقط:
«ماذا سأضع في طبقي؟»
بل أيضًا:
«ماذا أضع في يومي من راحة، وهدوء، وحب، وتواصل، ومعنى؟»
فالإنسان يحتاج إلى غذاء لجسده، لكنه يحتاج أيضًا إلى ما يغذي نفسه.
وغذاء النفس لا يقل أهمية عن غذاء الجسد.