
لا أعتقد أنّ ثمة موضوعاً يشغل بال الكتّاب فيما يتصل بصنعة الكتابة أكثر من موضوع الذكاء الاصطناعي، هذه التقنية التي جعلت من الجميع يبدو كاتباً، كيف بدت لي هذه القصة؟ وكيف تطورت؟ لا سيما بعد ما أثير من لغط حول الكاتبة البولندية (أولغا توكارتشوك) التي أثارت الجدل في اعترافها بأنها تستخدم بعض النماذج المتقدمة للذكاء الاصطناعي في تطوير أفكارها الكتابية.
بدأ التساؤل يغزو أفكار الكتّاب منذ طرحوا خطر مواقع التواصل الاجتماعي على الكتابة، وقبل ذلك التلفاز وطغيان الصورة، ومن ثَمّ الفيضان الفضائي، وأدليت بدلوي في حينه، وكتبتُ شيئاً لم يرق للكثيرين، ثم تطورت المسائل سريعاً لأعيد قراءة أطروحة رونان ماكدونالد حول “موت الناقد” وتسيّد القراء المشهد في الحكم على الكتب المقروءة ونشر المراجعات حولها في مواقع إلكترونية متخصصة، وكتبتُ في تلك الفترة رأيي في هذه المسألة في عدة مقالات جعلتها في باب خاص في كتاب “بلاغة الصنعة الشعرية” (2020)، وناقشت مسائل ذات اتصال بمسائل حديثة خطيرة على صنعة الكتابة، وأختار من هذا الفصل هذه العناوين الماسّة لهذه القضية: “تدوينات الفيسبوك وتغريدات تويتر رجع لعقليات متباينة”، و”حول ما يجري من اتهام لقصيدة الفيسبوك”، و”الفيسبوك والارتباط الإنساني”.
وفي غير هذا الكتاب وقبله ناقشت المسـألة في مقالين؛ الأول “حتى لا يفقد الفيسبوك بريقه” (2015)، والآخر بعنوان “الكتابة في ظل الفيسبوك” (2016) خلال ندوة قدمتها في مقر الجمعية النسوية في نابلس، وتناولت في هذا الأخير كيف أصبح الجميع كتّاباً في ظل الفيسبوك، فقلت فيه: “في ظل معمعة الفيسبوك وفوضاه الفاضي بعمل كاتب كذلك”، وفصّلت في هذه الحالة، ونشرت المقال لاحقاً في كتاب “ملامح من السرد المعاصر- قراءات في متنوع السرد” (2019)، ضمن الفصل الثالث المخصص لبحث الأدب الإلكتروني.
كما تعود هذه الأفكار إلى الواجهة بعد موت الفيلسوف الألماني يورغان هابرماس (آذار 2026)، هذا الفيلسوف الذي مرق من الإنسانية وانحاز إلى “شياطين الاستعمار” وتبرير الإبادة الجماعية التي استعرت في غزة بعد السابع من أكتوبر، تحدّث في كتابه “تحول هيكلي جديد للمجال العام والسياسة التداولية” (2023) عن مواقع التواصل الاجتماعي فكتب: “كما جعلت الطباعة كلّ شخص قارئاً محتملاً، فإن الرقمنة اليوم تحوّل كلّ شخص إلى مؤلف محتمل”. هذه المسألة أيضاً تعيد إلى الأذهان مواقف كثير من الأدباء الذين ناصبوا مواقع التواصل الاجتماعي العداء.
هذه تطورات بشرية وتكنولوجية، عادة ما تصاحبها توجسات قد تكون مبررة وحقيقية، وقد لا تكون أكثر من قلق يسيره الفكر الكلاسيكي المتحجر، فما يضير هابرماس إن صار الناس جميعاً مؤلفين أو قراء؟ هل كان يظن أن تظل هاتان “المهنتان” أو “المهمتان” حكراً على طبقة كلاسيكية من القراء والمؤلفين، ليحظى هو وأمثاله من هؤلاء “الأرستوقراطيين” بلقب كاتب أو مثقف أو فيلسوف؛ ليمارسوا على الجماهير منهجهم من تزييف الوعي كأن واحدهم يقول “ما أريكم إلا ما أرى”، إن في قوله- بلا شك عندي- شيئا من التعالي البغيض والعنصرية التي تلوح بأنفاسها من بين هذه الكلمات القليلة، وبهذا القدر نفسه من الاحتكار وصف الفيلسوف الفلسطيني أحمد البرقاوي في لقاء له على شبكة (سكاي نيوز) هذا الجمهور الافتراضي بأنه “رعاع”، فلا تتساوى هذه الشريحة من الناس مع النخبة المفكرة.
على أية حال، لا شيء يوقف التطور التقني التكنولوجي الذي جاء ليساعد الإنسان في أعماله، أسوق هذه الحادثة البسيطة التي وقعت معي. في آخر مرحلة من مراحل عملي معلماً (2007/ 2008)، كان ثمة مزاوجة بين طباعة الأسئلة والأنشطة على الحاسوب وبين كتابتها باليد، لاحظ زميلي معلم التكنولوجيا أنني أنفق وقتاً أطول في الطباعة أكثر مما لو كتبتها باليد، فقال لي: لقد جاءت التكنولوجيا لتختصر الجهد والوقت، وأنت في هذه الحالة لم تستفد منها. ارجع للكتابة باليد”. كان رأيه صائباً في براغماتيته، لكنني لو استجبت له لم أطور مهاراتي الحاسوبية التي أعتبرها اليوم متقدمة جداً على كثير من زملائي من غير المتخصصين بالحاسوب، حتى أنني أصبحت أكتب كل كتبي ومقالتي ونصوصي وتقارير عملي الإشرافي مباشرة على الحاسوب، واستغنيت تماماً عن القلم والورقة إلا من أجل كتابة بعض الملحوظات الضرورية لكتابة حاسوبية محتملة، وأصمم شخصياً أغلفة بعض كتبي وأصمم الصفحات الداخلية لبعضها كذلك، وأستفيد مما في الحاسوب من إمكانيات مراجعة إملائية ونحوية. هذا جهد تكنولوجي معتبر ويعتد به. فقد ساعدتني هذه التقنيات الهائلة في قيمتها مثلاً إلى أن أنتبه إلى ما وقعت فيه من أخطاء وأنا أكتب الآن هذه الأفكار، فصححني في كثير من المواقع.
هل أرفض هذه المساعدة؟ أم هل أعطّل خاصية التصحيح الإملائي والنحوي؟ إنني إن فعلت ذلك أكون نعامة تدفن رأسها في الرمل، ولا تريد أن تستفيد مما أتاحه لها العقل البشري العبقري من إمكانيات.
بالمجمل بعد هذه المسيرة الطويلة أصبحت كثيرٌ من الأعمال التي تؤديها التكنولوجيا نيابة عنا شرعية تماماً، ففي مجال الأبحاث على سبيل المثال ثمة توجيه رسمي معترف به إلى ضرورة استخدام البرامج الحاسوبية في كتابة التوثيق ومسرد المراجع، وفي التحليل الإحصائي؛ إذ نادراً ما يقوم الباحث بهذين العملين بنفسه، وخاصة الباحثين الجدد، إذ إن كل الاعتماد على “المبرمجين” وأصحاب الكفاءة التكنولوجية، وتعتمد مخرجات تلك البحوث على الرغم من أن الباحثين لم يقوموا بها بأنفسهم، وتصبح “معلومات” موثقة يعود إليها الباحثون اللاحقون، وهكذا كثير من المزايا في تخصصات الهندسة والإعلام والتصميم الجرافيكي وأشياء أخرى، ليس لي علم بها، يعلمها كلّ في مجاله واختصاصه.
نأتي الآن إلى المحطة الأخيرة، عصر الذكاء الاصطناعي وتقنياته التي تُصور على أنها الأشد خطورة على المعرفة البشرية، فثمة شكٌّ كبير وعدم ثقة مطلقة بكل ما يولّده الذكاء الاصطناعي وخاصة في المجال اللغوي، وصار معروفاً أن من ينتج نصاً باستخدام تلك التقنيات مجرّم ويوضع في دائرة الشك وتثار ضده التهم كما حدث مع الروائية البولندية (توكارتشوك) سالفة الذكر. لقد انتبهت الجامعات مؤخراً إلى ضرورة فحص الأصالة في البحوث المقدمة بحيث لا تتسامح ولو بنسبة 1% أن يكون شيء من النص ذا أثر من الذكاء الاصطناعي، لكنها تحث على التوثيق التكنولوجي والتحليل الإحصائي اللذين ليس للباحث يد فيهما، وربما سمحت باستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في مرحلة جمع الدراسات السابقة واستخراج “فجوة بحثية” مناسبة لإعداد “خطة عمل بحثية متقنة” لبحث جديد، فهل هذا نوع من التناقض أم أن بين الأمرين اختلافاً من نوع ما؟
لا أدري كيف يمكن أن يختلف الأمران، لكن في هذه الحالات كلها ثمة جهد بشري لا غبار عليه، فالأدوات السابقة المعترف بها أكاديمياً ورسمياً، وأدوات الذكاء الاصطناعي أيضاً ذات استخدام وتوجيه بشري على المرء أن يحسن من استخداماتها كلها، ولذلك أعجبني رأي العلامة الجزائري امحمد صافي المستغانمي في برنامج “50 دقيقة” على قناة المشهد، عندما نطق بجملة رائعة؛ تختصر المسألة برمتها، فقال: “الذكاء الاصطناعي لا يحسن استخدامه إلا الأذكياء”. وظاهر كلام المستغانمي أن الذكاء الاصطناعي يجب أن نستفيد منه، ولكن ينبغي ألا يعمل بمفرده؛ بمعزل عن الجهد البشري الواعي، كمن قال: “أنت أبوها وسمّها”، لا، أبداً يجب أن يكون للمرء تحكّم ما، وبصمة واضحة، توجه الأداة نحو ما يريد الباحث، لأنها باختصار توفر له الجهد والوقت، وقد تجلب له المال أيضاً، لذلك لا عيب في استخدامه في الشركات الرأسمالية وإعداد التقارير المالية، وتحليل السوق وطبيعة العملاء المحتملين لسلعة ما، ولأن هذه الشركات لا يعنيها شيء إلا النتائج الدقيقة الصائبة المنجزة في أقل وقت وجهد أخذت تستخدم أدوات الذكاء الاصطناعي في أعمالها، وصار إتقان الشخص لهذه المهارات مدعاة للتقدّم في العمل أو الاحتفاظ بوظيفته، فالعبرة يجب أن تكون دائماً بالنتائج في الكتابة والعمل والإعلام وفي كل مجال، فليس المطلوب كيف عملت وإنما ماذا عملت ونتيجة هذا العمل.
والشيء نفسه يقال عن حث الجهات الرسمية العاملين في حقل التربية والتعليم على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في شرح المحتوى التعليمي وإعادة صياغته وتصميمه، وإعداد التقويم، والعروض التقديمية و(الفيديوهات/ المرئيّات) المساعدة، وقد تبنّت ذلك وزارة التربية والتعليم العالي الفلسطينية، فدرّبت المعلمين على استخدام (NotebookLM)، وجعلت من بنود تقييم المعلمين نسبة لا بأس بها للأدوات التكنولوجية في التعليم بشتى المظاهر والآليات والإمكانيات، عدا انتهاجها إستراتيجيات تعليم متقدمة تقوم على التكنولوجيا منذ أكثر من عشر سنوات، وتشجّع المشاريع الطلابية القائمة على التكنولوجيا بتقنياتها المتقدمة.
كل ذلك جعلني أفكر طويلاً في هذه الأداة كيف يمكن أن أستخدمها، ولن أخجل عندما أقول إنني استخدمتها لأنني أعلم أنها أداة أتت لتنفعني وليس لتضرني، وفي كلتا النتيجتين أنا المسؤول عن النفع والضرر وليست هذه التقنية، فمن العبث أن تفكر بالوصول إلى أمريكا ماشياً وأنت بإمكانك أن تصل بأحدث طراز من طائرات السفر، أو أن تحفر بئراً بالفأس والرفش وأنت بإمكانك تجهيزه بأحدث آلات الحفر المتطورة.
لقد بات مستقراً عند الإعلاميين شرعية استخدام الذكاء الاصطناعي، في ظل التسارع الكبير والمعرفة المفتوحة وانفجارها، وطبيعة الحياة وضغوطاتها وكثافة ما تريد تقديمه تلك الوسائل الإعلامية، ومراعاة لوقت المتلقي فإنها صارت ترى إمكانية الاستعانة بالذكاء الاصطناعي في تلخيص الأفكار والأخبار مثلاً أو في إعداد الصور المطلوبة، وأصبح وارداً جدا التخلي عن المصمم الجرافيكي حتى في تصميم الشعارات والأيقونات. كل ذلك صار مباحاً متاحاً ومصرحاً به.
في إحدى الفضائيات التي أتابعها يومياً- وهي قناة ثقافية لا إخبارية- أدقّق في لغة المقدّم/ ـة أرى أن اللغة هي لغة الذكاء الاصطناعي، إنها سلسة وقوية، ومنهجية، وصائبة، لا يشوبها خلل معرفي ولا لغوي، والسمت سمت خوارزميٌّ واضح تماماً. من المؤكد عندي أنها خضعت لمراجعة من مستوى معين، لا أقول إنها خضعت لمراجعة دقيقة إنما لم تنتقل من “مصنع الإنتاج الخوارزمي” إلى المتلقي مباشرة، ثمة تصفية، وثمة مراجعة. ليس هذا وحسب، بل إن شارات بعض تلك البرامج مصممة بوساطة الذكاء الاصطناعي، ولا أستبعد أنه في البرامج الحوارية أو بعضها على الأقل- وخاصة اليومية- تُعدّ الأسئلة بمساعدة الذكاء الاصطناعي. إن هذا أمر جيد، ما دامت الأسئلة قوية صحفياً، وتؤدي الغرض، فما المشكلة في ذلك؟
نتقدم خطوة أخرى، نحو تصميم أغلفة الكتب، هذا عمل إبداعيّ له شروطه، وله معناه ومعاناته ودلالاته، إذ دائماً ما يأخذه التحليل النقدي بعين الاعتبار في المنهج السيميائي أو في تحليل العتبات، كما في فكر الناقد جيرار جنيت، كما أن الغلاف يعدّ من “النصوص المحيطة” مع العنوان، ونوع النص (الجنس الأدبي)، والعناوين الداخلية، والاستهلالات والإهداء، والشكر، والإشارات، والاقتباس الاستهلالي، والتظهير. إذاً يقف وراء الغلاف رؤية وفكرة ومعنى تتصل كلها بالعمل الأدبي، فلو سلمنا بداية أن الكاتب لا يختار غلاف كتابه، وإنما تفرضه عليه دور النشر، وقليلاً ما استشارت دور النشر الكاتب في رؤيته لغلاف كتابه، فعندٍ يكون الغلاف رؤيا مصمم الدار وليس للمؤلف، وهذا يعني أن هذا المصمم فرض فهمه- إن قرأ العمل- على المؤلف والقارئ، وألزمه بوجهة نظر معينة، قد لا تكون هي ما يراه الكاتب من فكرة أو رسالة، فكيف إذاً تصحّ المسألة عند التحليل النقدي؟ ولذلك حرصت أحياناً أن أقدّم رؤيتي للغلاف مع مخطوطة الكتاب حتى لا أقع فريسة لاختيار الآخرين إن لم أصممه بنفسي.
والآن، لمن هذا الغلاف المُنتَج برؤية دار النشر؟ بالطريقة ذاتها فكروا معي وقد أخذ مصممو الأغلفة يستعينون بالذكاء الاصطناعي بعد أن يمدوا الأداة بفكرة الكتاب، ويشرحون لهذه التقنية ما يريدون من غلاف، يصورنه كتابياً؛ كأنه الرسم بالكلمات، وتولّد عن ذلك غلاف باهر، ماذا سنقول؟ هل سنرفض هذا الغلاف؟ هل الغلاف من تصميم الموجه البشري الذي أطعم الفكرة للأداة أم الغلاف للذكاء الاصطناعي؟
أعتقد أنه من الضروري الإشارة إلى هذه العملية- كما يفعل الدكتور عدلي الهواري بأغلفة أعداد مجلة عود الند الثقافية المنتجة بهذه الأدوات- لتثبيت شرعيتها أولاً، ثم ليرى المتلقي أن هذه الأداة لا تعمل بمفردها دون توجيه، وتستطيع أن تخضع للفكر البشري المقنن والمحدد بدقة، ساعتئذ سيكون هذا المنتج إبداعياً ساعدت الأداة على توليده، إنه أشبه بعملية التلقيح الصناعي لتوليد أبناء الأنابيب؛ فلا أحد يقول إن هذا المولود ابن للمختبرات الطبية، فالنطفة لرجل معروف ولكن ثمة تدخل طبي تقني ساعد على التخلّق وإنتاج حياة مكتملة، كذلك هذه الأداة ساعدت وبشكل كبير ومؤثر على ولادة هذا المنتج، لكنها لن تستطيع دون “نطفة الفكرة” الأساسية أن نتج كل هذا الجمال.
وأما المجال الآخر الذي لا بد من الإشارة إليه، وهو توليد الموسيقى بالذكاء الاصطناعي، ووضع ألحان للنصوص المغناة بمساعدة هذه الأداة، فقد راج على الفيسبوك قبل فترة حساب يؤدي مجموعة من الأغاني التراثية معدّة بتقنية الذكاء الاصطناعي، بتصميم مغنية جميلة الشكل والأداء، وتقدم كل اللهجات العربية، عدا ذلك، فإن (Gemini) صار يوفر إمكانية لتلحين النصوص، وثمة أدوات أكثر تطورا من Gemini تقدم لمن أراد ألحاناً متطورة ليؤديها مطرب معروف أو يؤديها الذكاء الاصطناعي نفسه، فكيف يمكننا التعامل مع هذا أيضاً؟
أظن أنه في الأمثلة السابقة، تقل الحساسية في استخدام الذكاء الاصطناعي، بل يبدو لي أنها شرعية تماماً، كأن تلك النتاجات الثقافية غير بشرية تماماً، ولكن تصبح المسألة مجرّمة ومحرّمة إن دخلت في باب الكتابة وتوليد النصوص غير الخبرية وغير الإعلامية، في مقالات الرأي، والمقالات النقدية، والتحليلات الأدبية، والكتابة العلمية إجمالاً التي تنحو نحو الموضوعية، وهذا النوع من الكتابة في التوليد التقني الخوارزمي يعمل عمل العقل البشريّ تماماً، عليّ هنا أن أستحضر نظرية “موت المؤلف” لرولان بارت. بل إنني أعتقد أن شرعية إنتاج النص آتية من هذه الفكرة المخيفة وإن لم ننتبه إلى أنها مخيفة إلا بعد حين. ماذا تقول هذه النظرية؟ تقول إنه لا لغة لأي شخص بريئة من لغات الآخرين، فكل ما نقوله أو سنقوله قيل سابقاً، ونحن فقط نعيده كما هو أو نعيد تدويره، فالمؤلف لا فضل له في كل ما كتبه. لقد تسللت هذه الفكرة إلى أحد النقاد الغربيين، وكنت قرأت له منذ زمن بعيد ما معناه أنه لا خوف على كتاب من الضياع لأن ثمة كاتباً في زمن آخر سيأتي وسيكتب هذا الكتاب، بالأفكار نفسها، وحتى بالأسلوب نفسه. بناء على هذه الفكرة لمن الكتب اليوم؟
تفترض نظرية “موت المؤلف” مشاعية اللغة والألفاظ والأساليب والمعاني واستخدامها كلها، فلا سبق ولا ابتكار لأحد، بناء على أن كل واحد فينا معبأ بلغة مرت على سابقيه، إذاً هو ينضح من خزّان لغوي كبير تشترك فيه البشرية جمعاء، لا يحق حسب بارت أن يمتلك أحدٌ هذه الفكرة أو تلك أو حتى هذا الأسلوب أو ذاك.
بهذه الآلية يعمل “عقل الذكاء الاصطناعي” المبني من ملايين النصوص، ويختزن في ذاكرته المتوسعة يوميّاً ما لا يحصى من الأساليب والألفاظ، وينظمها تنظيما آليا يعجز عنه العقل الجمعي البشري، فما بالكم بالعقل الفردي؟ صحيح أن هذا المخزون مبنيّ بأيدٍ وعقول بشرية، إلا أنه يعمل بطريقة أكبر مما يعمل العقل البشري؛ نظراً لتمدده وقدرته على الاستيعاب والهضم وإعادة التصرف، وبالتالي فقدرته هائلة في توليد أفكار صحيحة يعجز عنها آحاد الكتاب، وإن أخطأ أحياناً إلا أنه لا ينسى معلومة غُذّي بها أبداً، وبالعودة إلى البرقاوي مرة أخرى، يصبح تعريفه للعقل البشري منطبقاً تماماً على العقل الآلي الخوارزمي، ففي كلتا الحالتين يتوفر في العقلين “وحدة الدماغ والخبرة الإنسانية”، وكما تبنى خبرة البشر، تبنى خبرة العقل الآلي، فهو يفكر بناء على معلومات سابقة، ويحجم عن أي نشاط ليس لديه فيه أي سابق معرفة. إنه “أخلاقيّ” كذلك في هذه النقطة من التعامل مع المعرفة، في مستويين على أقل تقدير، استيعابها، وإعادة تدويرها، لإنتاج نص جديد لا يتوفر بحرفيته سابقاً، وكأنه يحقق وجهة نظر رولان بارت بالضبط، فقد أخذ النص الجديد من نصوص قديمة، كما أن الكاتب يعيد تشكيل اللغة التي مرّت سابقاً في نصوص الآخرين في نص جديد.
هذه الآلية مع توجيه بشري محكم وموجّه ومحدد، كما شرحته في النقطة السابقة من تصميم أغلفة الكتب، سيكون بمقدور الكاتب صاحب “النطفة الفكرة” أن يولّد نصاً شرعياً ينتمي لأفكاره، ويعبر عن وجهة نظره، لا سيما وأن التقنية الآلية تعمل مع عدة وجهات نظر، لكنّ الإنسان المشرف على العملية يوجه العمل نحو أفكاره، لتُخرج له نصاً كأنه هو من كتبه. هذه العملية أعتقد جازماً أنها عملية شرعية، لأن ما يحكمها ضوابط محددة: فكر الكاتب، والصحة في المعلومات، والزاوية الشخصية المتفردة في التناول، لذلك لا يستطيع أحد أن يقول إن هذا هو عمل الذكاء الاصطناعي، وأنا لا أتحمل المسؤولية عن تلك الأفكار، بل على العكس تماماً إنها أدوات تصقل المعرفة وتنتجها بحيث تصبح ذات مصداقية عالية، كأنك في محترف فني تستخدم أدوات القص والصقل والتلميع لإخراج منتج فني عالٍ في فنيته.
إن هذه العملية بهذه الكيفية التي أتصورها يجب أن تكون نابعة من تصور شامل للمعرفة البشرية، ولا يقوم بها إلا من هو قارئ، وكاتب، ويعرف صنعة الكتابة ومتمرس بها، لا كاتب كان قبل الذكاء الاصطناعي لا يستطيع فكّ الحرف الثقافي، وأنا أعي ما أقول، من خلال كثير من معايشتي للوسط الثقافي، فثمة كتاب متطفلون، فجأة أصبحوا كتاباً، يكتبون في كل الموضوعات بسوية عالية جداً. في أكثر الأمور لفتاً للانتباه أن إحدى الصحف العربية تُعدّ كل أسبوع تقريباً ملفاً ثقافياً حول موضوع معين، فيكتب الكتّاب هم ذاتُهم في كل الموضوعات غير آبهين بأن الكتابة صنعة مرهقة، ولا تأتي بسهولة، ما حدا بي أن أرسل للمسؤول عن ذلك هذه الرسالة عساه يدرك مغزاي، فيخفّف من هذه المهزلة:
“سأقول لك شيئا أعتقد أنه مهم: “الكتّاب” بين ظفرين لن يصعب عليهم أي موضوع، والله لو طرحت موضوع الفيزياء النووية ستجد نفس الأسماء يكتبون لك المقالات الطويلة! الأمر جدا مزعج، هناك انفجار في الكتابة مرعب وخطير، بسبب الذكاء الاصطناعي. هل تصدق كاتبة ما تنتج في اليوم ثلاث مواد ما بين المقال والنص الشعري؟ أية عبقرية انبجست فجأة، وهي التي ليس لها عهد بالكتابة قبل ستة أشهر على الأكثر. وهذا مثال وعليه مئات التكرارات.
متى يقرأ هؤلاء الكتاب؟ وماذا يقرأون ليكتبوا كل هذا؟ فكر بالأمر. لذلك أحجم شخصياً عن الكتابة بهذه الملفات، أولا لأن بعضها لا يروقني، ولا أفهم فيه، وثانيا أتحسر على مشاركة تضيع بين ركام الخوارزميات.
هناك مقولة عن الرأسمالي، تقول لو طرحت موضوع شنق الرأسمالية لقدم لك الرأسمالي الحبل، ولو طرحت موضوع الذكاء الاصطناعي لوجدت الذكاء الاصطناعي يدبج المقالات الطويلة في خطورته وفي تفاهاته”. للأسف؛ لم يستجب للتحذير وللنصيحة، وما زلتُ أرى الأسماء ذاتها تكتب بالطريقة ذاتها، وويل للعرب من شر قد اقترب!
بهذه الكيفية أنظر إلى ما يكتبه هذا الجيل الاصطناعي من الكتّاب، فهم ليسوا كتّاباً بالمعنى الحرفي للكلمة، فليس لهم تاريخ في صنعة الكتابة، وحتى ليسوا من القرّاء، ولا يفهمون ما معنى المشروع الثقافي أو الفكري هم ليسوا أكثر من “هواة” ولاعبين متطفلين أعجبتهم لعبة الكتابة، فلماذا لا يلعبون إن كان هذا اللعب سيوفر لهم فرصة النشر مع صورهم في الجريدة محلياً أو في بلد عربي؟
بهذه الكيفية أيضاً تصبح الكتابة لا أخلاقية تماماً، وهي خطر على المعرفة، لأن هؤلاء الاصطناعيين لا يعرفون حدود الفكرة المنتجة ولا مآلاتها، ولم يساهموا في توجيهها لأنهم في الأصل ليسوا قراء، ولم يكونوا يحلمون بأن يصبحوا كتّاباً معترفاً بهم لولا هذه التقنية العظيمة. إن الطامة الكبرى إذا ترسخت هذه الظاهرة وأنتجت آلاف النصوص المنشورة بأسماء حقيقية، لتستخدم في الأبحاث الجامعية، ليصبحوا مراجع معتمدة دون أن يكون للواحد منهم جذور حقيقية في المعرفة كأنهم “سيقان بامبو” لا أكثر ولا أقل.
لذلك أعذر صديقي خليل العسلي صاحب موقع شبكة أخبار البلد الذي عبّر لي غير مرة عن توجساته حول الموضوعات المكتوبة بالذكاء الاصطناعي، ورفض أن ينشر شيئاً منها، تلك التي أعددتها بهذه التقنية، حيث صرحت في المادة المكتوبة أنها معدة بالذكاء الاصطناعي، فأرسل لي رسالة يقول فيها: “صباح الخير يا صديقي؛ في أخبار البلد، لدينا حساسية زائدة بخصوص الذكاء الاصطناعي لأنه اصطناعي، ولا يمكن أن يولد لا أدباً حقيقيا ولا إبداعا، ولهذا نحن حذرين بالتعامل مع أي نص اصطناعي”. أتفهّم وجهة نظره بالتأكيد، لكن المسألة أعقد من ذلك بكثير، فماذا سيقول صديقي العسلي عن النصوص المترجمة بالذكاء الاصطناعي؟ هل سيرفضها؟
في الفترة الأخيرة احتاج أحد الأصدقاء أن يترجم مقالة له، موضوعية، لا مشاعرية، ليستخدمها في مؤتمر ما، واستعان بي لأترجمها له باستخدام الذكاء الاصطناعي، لكنني قلت له عليك أن تقرأ النص المنتج وتصوّبه، ولا تأخذْه على علاته. بعد أن تمت العملية تبين أن الترجمة كانت أكثر من جيدة جداً، وكنت قد جربت مرة أنْ أعد ملخصاً باللغة العربية عن بعض الأبحاث النقدية الأدبية، وكنت محتاجا للمخلص باللغة الإنجليزية فاستعنت بإحدى أدوات الترجمة الآلية ذات السمعة الطيبة، وعند استشارة إحدى الصديقات- وهي مترجمة محترفة- قالت إن الترجمة جيدة، وتفي بالغرض.
هذه العملية بهذه الكيفية لماذا يرفضها صديقي العسلي مثلاً إن أدخل الترجمة في الدائرة نفسها للنصوص المنتجة تقنياً؟ ولماذا ترفض بعض المجلات المحكمة أن تكون الملخصات باللغة الأخرى معدة عن طريق الذكاء الاصطناعي، إذا كان المرء قادراً على مراجعتها والتثبت منها، والأداة ذات كفاءة عالية خصوصاً في النصوص الموضوعية والعلمية، وليست الأدبية الإبداعية؟
لكلّ هذه الشرعيّات بما وضحته أعلاه فإنني لا أجد ضرراً من توظيف الذكاء الاصطناعي في الكتابة الموضوعية، وفي تصميم أغلفة الكتب، وفي إعداد التقارير الصحفية، وفي الترجمة، بل إنني أسست لمشروع أطلقت عليه “هكذا تكلم Gemini”، وأصدرت منه كتاباً تحت عنوان “صدى النص- رحلة القصيدة من الكتابة حتى التحليل الإلكتروني”، حيث عملت فيه على الاستعانة بتقنيات الذكاء الاصطناعي في تحليل قصيدة “متى سيتجلى الله يا جبريل”، والحكم على الترجمة الإسبانية التي قامت بها الشاعرة فاطمة نزال، وتابعت ذلك في عملين آخرين مخطوطين الأول بعنوان “من وحي القصيدة إلى خوارزميّات النقد- “نداء الحب والحياة” نموذجاً” حيث أخضعت هذا النص إلى التحليل النقدي الإلكتروني الآلي حسب مناهج النقد المختلفة، ويتناول الآخر ديواناً كاملاً تحت عنوان “حدود النص ومتاهات الذكاء الاصطناعي- تحليل آلي لديوان “وشيء من سرد قليل”، بالإضافة إلى أنني أعددت جزءاً من خاتمة كتاب “الإنقاص البلاغي- المفهوم والتطبيق” (2025) خوارزمياً، وأشرت إلى ذلك في موضعه من الخاتمة، كما جربت تلحين بعض القصائد بتقنية الذكاء الاصطناعي، وكانت النتيجة مرضية، فأعد ثلاثة أبيات بمدة (30) ثانية من قصيدة “إنا أعطيناك الكوثر” وبعد ألحان، ولا شك في أنني سأتابع في المستقبل هذه التجارب في هذا الباب لأتعرف أكثر على هذه الإمكانيات المهولة الهائلة المدهشة.
عدا هذا وذاك، أستعين بالذكاء الاصطناعي في اقتراح عناوين لنصوص وكتب ومقالات، وتوفير معلومات أساسية لازمة لصنعة الكتابة، حيث لا غنى للمرء عن هذه الاستعانة، لكن لا بد في كل مرة من المراجعة والتعديل والتحرير، ومن التثبت حتى لا أقع في الأخطاء التي يحذّر منها الذكاء الاصطناعي نفسه عندما يذيل كل عمل من أعماله بهذه الجملة “Gemini هو نموذج ذكاء اصطناعي وقد ينتج عنه أخطاء”، وبهذه الجملة يتحمل المستخدم ما يتضمنه المنتَج من أخطاء، فكأنه يقول: “وما كان لي عليكم من سلطانٍ إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي، فلا تلومني ولوموا أنفسكم، ما أنا بمصرخكم ولا أنتم بمصرخيّ، إني كفرت بما أشركتموني من قبل”، علينا أن نتصالح مع الأمر سريعاً لأن هذا الاعتراف وهذا التصالح قادم لا محالة، وإنما هي طبيعة الأشياء التي تجعلنا نتمنّع بدلع عند قبولها في البداية، لكن حذاري أن نتعامل مع هذه الأدوات بمنطق “أفّيه وخاطري فيه”، عند ذلك سنكون منافقين ثقافياً، ونحن سنصبح الخطر الحقيقي على الثقافة والكتابة وليست أدوات الذكاء الاصطناعي.
وأخيراً؛ وبكل هذا الذي طرحته أعلاه، قد يكون للكتابة وصنعتها مفاهيم أخرى، وليس فقط محصورة بالمفهوم التقليدي، وأعيد وأكرر أن هذا من طبيعة الأشياء، وهي سنة من سنن الكون الإلهية، فليس فيها من ضير، ما دامت تنفع الناس لتمكث في الأرض وفي العقول.