.د.سلوي حمادة تكتب..يَا لَرَوْعَةِ الْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ! فَهِيَ لَيْسَتْ أَصْوَاتًا تَعْبُرُ، بَلْ أَثَرٌ يبقي
وَقَدْ تَكُونُ فِي لَحْظَةٍ مِنْ أَلْطَفِ أَلْطَافِ اللَّهِ، جَلَّ جَلَالُهُ، بِعَبْدِهِ.

فَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ سَنَدٌ لِلْمُنْهَكِ حِينَ تَثْقُلُ عَلَيْهِ الْحَيَاةُ، وَبَابُ فَرَجٍ لِلْمُثْقَلِ حِينَ تَضِيقُ بِهِ السُّبُلُ، وَنُصْرَةٌ لِلْمَكْسُورِ حِينَ يَخْذُلُهُ الْمُحِيطُونَ بِهِ، وَطُمَأْنِينَةٌ لِلْخَائِفِ، وَأَمَلٌ لِلْيَائِسِ، وَجَبْرٌ لِلْقَلْبِ حِينَ تَعْجِزُ الْأَيْدِي عَنْ جَبْرِهِ.
وَلَكِنَّهَا لَيْسَتْ لِلْمُنْكَسِرِينَ وَحْدَهُمْ؛ فَكَمْ مِنْ قَوِيٍّ يَحْتَاجُ كَلِمَةً تُقَدِّرُهُ، وَكَمْ مِنْ نَاجِحٍ يَحْتَاجُ مَنْ يَقُولُ لَهُ: أَحْسَنْتَ، وَكَمْ مِنْ مُبْدِعٍ يَحْتَاجُ إِلَى كَلِمَةٍ تُشْعِرُهُ أَنَّ جُهْدَهُ قَدْ رُئِيَ وَأَنَّ عَطَاءَهُ قَدْ وَصَلَ.
فَالْإِنْسَانُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى الْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ حِينَ يَسْقُطُ فَقَطْ؛ بَلْ يَحْتَاجُ إِلَيْهَا وَهُوَ وَاقِفٌ لِيَسْتَمِرَّ، وَهُوَ نَاجِحٌ لِيَسْتَزِيدَ، وَهُوَ قَوِيٌّ لِيَعْلَمَ أَنَّ قُوَّتَهُ مَحَلُّ تَقْدِيرٍ، وَهُوَ مُتَمَيِّزٌ لِيَجِدَ مَنْ يُقَدِّرُ تَمَيُّزَهُ دُونَ تَمَلُّقٍ.
قَدْ تَرْفَعُ كَلِمَةٌ صَادِقَةٌ مَعْنَوِيَّاتِ شَخْصٍ نَاجِحٍ، وَتُجَدِّدُ فِي نَفْسِهِ الرَّغْبَةَ فِي الْعَطَاءِ، وَتَمْنَحُهُ دَافِعًا لِيَتَجَاوَزَ مَا وَصَلَ إِلَيْهِ إِلَى مَا هُوَ أَفْضَلُ. وَرُبَّ كَلِمَةِ تَقْدِيرٍ قِيلَتْ لِعَالِمٍ أَوْ مُعَلِّمٍ أَوْ قَائِدٍ أَوْ مُبْدِعٍ كَانَتْ فِي قَلْبِهِ أَبْعَدَ أَثَرًا مِنْ جَائِزَةٍ عَابِرَةٍ؛ لِأَنَّهَا قَالَتْ لَهُ بِصِدْقٍ: نَرَى مَا تَفْعَلُ، وَنُقَدِّرُ مَا تَبْذُلُ.
وَفِي الْمُقَابِلِ، قَدْ تَهْوِي كَلِمَةٌ قَاسِيَةٌ بِمَنْ يَبْدُو قَوِيًّا، وَتَهْدِمُ ثِقَةَ مَنْ يَبْدُو وَاثِقًا، وَتُطْفِئُ حَمَاسَةَ مَنْ كَانَ يَمْلِكُ طَاقَةً هَائِلَةً. فَلَا تَحْكُمْ عَلَى أَثَرِ كَلِمَتِكَ مِنْ مَظْهَرِ مَنْ أَمَامَكَ؛ فَرُبَّ قَوِيٍّ أَخْفَى وَجَعَهُ، وَرُبَّ نَاجِحٍ أَخْفَى تَعَبَهُ، وَرُبَّ مُبْدِعٍ أَخْفَى خَوْفَهُ مِنَ الْفَشَلِ.
وَلِهَذَا كَانَ الْكَلَامُ مَسْؤُولِيَّةً، وَلَمْ يَكُنِ اللِّسَانُ أَمْرًا هَيِّنًا؛ فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لِمُعَاذٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، وَأَخَذَ بِلِسَانِهِ:
«كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا».
فَاللِّسَانُ صَغِيرٌ فِي حَجْمِهِ، عَظِيمٌ فِي أَثَرِهِ؛ قَدْ يَفْتَحُ بِكَلِمَةٍ بَابَ أَمَلٍ، وَقَدْ يَفْتَحُ بِأُخْرَى بَابَ نَدَامَةٍ.
وَلَنْ نَجِدَ أَبْلَغَ وَلَا أَرْوَعَ مِنْ وَصْفِ اللَّهِ، جَلَّ جَلَالُهُ، لِلْكَلِمَةِ الطَّيِّبَةِ، حِينَ قَالَ:
﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا ۗ وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ﴾ [إِبْرَاهِيمَ: ٢٤–٢٦].
وَتَأَمَّلُوا: لَمْ يَصِفِ اللَّهُ، جَلَّ جَلَالُهُ، الْكَلِمَةَ الطَّيِّبَةَ بِوَرْدَةٍ تَذْبُلُ، وَلَا بِنَسْمَةٍ تَمُرُّ، بَلْ بِـ شَجَرَةٍ؛ لَهَا أَصْلٌ ثَابِتٌ، وَفَرْعٌ فِي السَّمَاءِ، وَثَمَرٌ يَتَجَدَّدُ.
فَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ لَا تَنْتَهِي عِنْدَ لَحْظَةِ نُطْقِهَا؛ قَدْ تَبْقَى فِي قَلْبِ إِنْسَانٍ أَيَّامًا، وَقَدْ تُرَافِقُهُ سِنِينَ، وَقَدْ تَكُونُ سَبَبًا فِي قَرَارٍ صَالِحٍ، أَوْ نَهْضَةٍ بَعْدَ عَثْرَةٍ، أَوْ شَجَاعَةٍ بَعْدَ تَرَدُّدٍ، أَوْ فَرَحٍ بَعْدَ حُزْنٍ.
فَاجْعَلْ كَلَامَكَ غَرْسًا طَيِّبًا، لَا أَثَرًا عَابِرًا. وَإِذَا مَرَرْتَ بِإِنْسَانٍ فَلَا تَسْأَلْ فَقَطْ: مَاذَا يَحْتَاجُ؟ بَلْ اسْأَلْ أَيْضًا: مَا الْكَلِمَةُ الَّتِي قَدْ تَكُونُ الْيَوْمَ ثَمَرَةً فِي قَلْبِهِ؟
فَرُبَّ كَلِمَةٍ قُلْتَهَا وَنَسِيتَهَا، وَهِيَ عِنْدَ اللَّهِ لَمْ تُنْسَ، وَعِنْدَ إِنْسَانٍ لَمْ تُنْسَ.
وَرُبَّ كَلِمَةٍ ظَنَنْتَهَا صَغِيرَةً، فَكَانَتْ عِنْدَ مَنْ سَمِعَهَا كَبِيرَةً كَفَتْهُ يَوْمًا كَامِلًا.
فَاخْتَرْ لِكَلِمَاتِكَ أَنْ تَكُونَ أَشْجَارًا تُظَلِّلُ الْعَابِرِينَ، وَتُثْمِرُ فِي الْقُلُوبِ، وَتَبْقَى حَيْثُ تَظُنُّ أَنَّهَا قَدْ ذَهَبَتْ………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………………