
أنقذوا كرامة أستاذ الجامعة !!
د . محمد سيد أحمد / مصر
لم أكن أتصور أن يأتي اليوم الذي يجلس فيه ابني يوسف، الحاصل هذا العام على الثانوية العامة والمقبل على دخول الجامعة، أمامي ليحكي لي مشهدًا لن أنساه.
قال لي يوسف: “ركبت اليوم سيارة أجرة، وكان السائق يرتدي بدلة كاملة ورابطة عنق، وكان في منتهى الأناقة. استغربت جدًا، فسألته: حضرتك كنت فين قبل ما تشتغل على العربية؟”.
كانت الإجابة صادمة.
قال له الرجل: “أنا أستاذ جامعي”.
أستاذ جامعي يقود سيارة أجرة في وقت فراغه!
لم يكن الرجل يبحث عن رفاهية، ولا عن دخل إضافي ليشتري سيارة فارهة أو يسافر إلى الخارج. كان يبحث عن المال لكي يطعم أربعة أبناء، ويسدد احتياجاتهم، ويستطيع أن يستمر في تعليمهم في مراحل التعليم المختلفة.
والأشد قسوة أنه قال ليوسف إنه “يذهب إلى مكان بعيد للعمل، حتى لا يراه أحد من طلابه أو معارفه”!
هنا يجب أن نتوقف.
هذه ليست حكاية أستاذ جامعي واحد. هذه جرس إنذار.
أن يصل أستاذ الجامعة، الذي أفنى سنوات عمره في التعليم والبحث العلمي، وحصل على أعلى الدرجات العلمية، وأصبح مسؤولًا عن صناعة عقول الأجيال، إلى مرحلة يضطر فيها للعمل سائق سيارة أجرة لكي يكمل مصروفات أسرته، فالمشكلة لم تعد مشكلة راتب فقط، وإنما أصبحت قضية كرامة مجتمع ومستقبل دولة.
لقد أصبحنا أمام مفارقة مؤلمة: نطالب أستاذ الجامعة بأن يكون قدوة، وباحثًا، ومربيًا، ومشاركًا في بناء اقتصاد المعرفة، ثم نتركه في نهاية الشهر يحسب ما تبقى في جيبه، ويتساءل كيف سيدفع مصروفات أبنائه، وكيف يواجه تكاليف الطعام والسكن والمواصلات والعلاج والتعليم.
والأخطر أن أزمة أجور أعضاء هيئة التدريس لم تعد همسًا داخل أروقة الجامعات. ففي يونيو 2026 شهد مجلس النواب تحركًا بشأن إعادة النظر في هيكل أجور أعضاء هيئة التدريس، وسط شكاوى من تدني الرواتب وتآكل قيمتها الشرائية.
وفي مايو الماضي، قال وزير التعليم العالي “إن ملف زيادة دخول أعضاء هيئة التدريس موضوع مهم وتعمل عليه الوزارة، لكنه ليس ملفًا سهلًا”.
ثم جاء اجتماع رئيس مجلس الوزراء في يوليو لبحث “آليات زيادة الحوافز تنفيذًا لتوجيهات رئيس الجمهورية”.
إذن الدولة تعلم أن هناك أزمة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه الآن: متى تنتهي الأزمة؟
أستاذ الجامعة لا يريد صدقة، ولا منحة استثنائية، ولا زيادة موسمية سرعان ما تلتهمها الأسعار.
إنه يريد أجرًا عادلًا يحفظ له كرامته ويجعله قادرًا على التفرغ لمهنته.
فكيف نطلب من الأستاذ أن يبحث ويؤلف وينشر ويشرف على الرسائل العلمية ويحضر المؤتمرات ويطور مناهجه ويعمل بالجودة ويواكب ثورة الذكاء الاصطناعي، بينما هو في المساء يبحث عن عمل إضافي؟
كيف نطلب منه أن يصنع طالبًا قادرًا على المنافسة عالميًا، بينما هو نفسه عاجز عن توفير احتياجات أبنائه؟
وكيف نلومه إذا بحث عن فرصة عمل في جامعة عربية أو أجنبية توفر له حياة أكثر استقرارًا؟
لقد أصبح إصلاح أجور أعضاء هيئة التدريس قضية تتجاوز تحسين دخل فئة وظيفية. إنها قضية أمن قومي علمي، لأن الدول التي لا تحافظ على علمائها تدفع الثمن من جامعاتها واقتصادها ومستقبلها.
ولذلك فإن الرسالة اليوم ليست إلى وزير التعليم العالي وحده، ولا إلى وزير المالية وحده، ولا حتى رئيس الوزراء.
الرسالة إلى السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي.
يا سيادة الرئيس، هناك أستاذ جامعي يرتدي بدلته وربطة عنقه صباحًا ليقف أمام طلابه ويشرح لهم العلم، ثم يخلع مكانته الوظيفية في المساء ــ ليس بإرادته ــ ليجلس خلف عجلة سيارة أجرة بحثًا عن دخل إضافي.
والأشد ألمًا أنه يخشى أن يراه أحد من طلابه أو أبنائه أو أقاربه!
يا سيادة الرئيس، نحن لا نريد أن نخجل من هذا الأستاذ لأنه يعمل عملًا شريفًا، فالعمل الشريف لا يعيب أحدًا. لكن الذي يوجعنا أن الظروف هي التي دفعته إلى العمل الثاني رغم أن الدولة يفترض أنها منحته وظيفة ومكانة تمكنه من الحياة الكريمة.
لقد بدأت الحكومة بالفعل بحث زيادة الحوافز، وهذه خطوة إيجابية ينبغي البناء عليها، لكن المطلوب ليس مجرد زيادة مؤقتة في الحوافز، وإنما إعادة بناء منظومة أجور أعضاء هيئة التدريس بصورة جذرية تتناسب مع الخبرة العلمية، ودرجاتهم الأكاديمية، ومعدلات التضخم، وحجم المسؤولية التي يتحملونها.
يا سيادة الرئيس، لا تجعلوا أستاذ الجامعة مضطرًا إلى الاختيار بين كرامته واحتياجات أسرته.
لا تجعلوا الأستاذ الذي نطلب منه أن يصنع مستقبل مصر، عاجزًا عن صناعة مستقبل أبنائه الأربعة.
إنقاذ الأستاذ الجامعي ليس رفاهية.
إنه استثمار في مصر.
وإذا كان يوسف قد عاد اليوم من سيارة أجرة يحمل هذه الحكاية، فربما هناك آلاف القصص التي لم يسمعها أحد بعد، فقد سمعت من زميلة رغبتها في الحصول على دورة تدريبية في التمريض للعمل بها إلى جانب تدريسها لعلم الاجتماع بالجامعة.
يا سيادة الرئيس.. الأستاذ الجامعي لا يطلب المستحيل.
إنه يطلب فقط أن يكون راتبه كافيًا ليعيش بكرامة، وأن يستطيع أن يدخل قاعة المحاضرات وهو مطمئن على أسرته، وأن يظل متفرغًا للعلم بدلًا من البحث عن عمل يخفيه عن طلابه.
أنقذوا كرامة أستاذ الجامعة.. قبل أن نخسر الجامعة نفسها، اللهم بلغت اللهم فاشهد.
بقلم/ د. محمد سيد أحمد