كتاب وشعراء

أنا الطفلةُ المؤدبة……بقلم أماني الوزير

أنا الطفلةُ المؤدبة،
المجبولةُ على الطاعة منذ نعومة أظافري،
التي كانت تخاف أن تُحزن أمها أكثر مما كانت تخاف أن تحزن نفسها،
فتعلّمت أن تقول “حاضر”
حتى حين كان قلبها يصرخ بـ”لا”.
كبرتُ وأنا أظن أن برَّ الأم يعني أن أتنازل عن كل شيء،
عن رأيي، عن غضبي، عن حقي في أن أُخطئ،
حتى عن تلك المساحة الصغيرة التي يُسمح للإنسان أن يكون فيها نفسه.. دون أن يشعر بأنه يرتكب عقوقًا.
كنتُ أعود إليها كلما كسرتني الحياة،
فأجدني أخرج منها مكسورةً أكثر.
كانت تعرف أين يوجعني الكلام،
فتضع إصبعها هناك،
ثم تمضي وكأنها لم تفعل شيئًا.
وحين أعترض،
حين أرفع صوتي للمرة الأولى دفاعًا عن قلبي،
تتحول فجأةً من الأم إلى القاضي،
ومن وجعي إلى تهمتي،
ومن كل السنوات التي كنتُ فيها الابنة المطيعة
إلى جملةٍ واحدة: “ربنا ينتقم منك”.
يا أمي…
أي قلبٍ يمكنه أن يسمع أمه تدعو عليه
ولا يعود طفلًا مذعورًا؟
أنا لا أخاف دعاءكِ لأنني أظن أن السماء ستعاقبني،
أنا أخافه لأنني كنتُ أظن أن صوتكِ هو أكثر الأصوات أمانًا في العالم.
كنتُ أحتاج منكِ عناقًا، فأعطيتِني ذنبًا.
ذنبًا أحاربه منذ طفولتي حتى لا تثبت عليَّ التهمةِ.. لكنها اليوم “ثبتت”
كنتُ أحتاج كلمةً تُصلح ما انكسر،
فأعطيتِني لعنةً أظل أفتش بعدها في نفسي:
ترى ماذا فعلتُ حتى أستحق هذا الدعاء وهذه القسوةِ؟
ماما… كنت عروسكِ الماريونيت التي حركتها خيوطك أكثر من ثلاثين عامًا.
ربما كان أقسى ما فعلتِه بي
أنكِ جعلتِني أخلط طويلًا بين البرّ والخضوع،
وبين الحبّ وإلغاء الذات،
وبين أن أكون ابنةً صالحة
وأن أكون ابنةً لا يحق لها أن تتألم او تتكلم أو على حد قولكِ:
“تتبجح وتعترض”.
أعرف أن للأم تعبها،
وأعرف أن الأمهات لسن ملائكة،
وأن في قلبكِ أنتِ أيضًا حكاياتٌ لم أفهمها،
لكنني لستُ مطالبةً بأن أدفع ثمن جراحكِ كلها.
أنا ابنتكِ، يا أمي،
لستُ المكان الذي تُفرغين فيه غضبكِ،
ولا الصفحة التي تكتبين عليها كل خيباتكِ،
ولا المرآة التي يجب أن تظل صورتكِ فيها صحيحةً مهما حدث.
ولستُ عاقةً
لأنني كبرت.
ولستُ نرجسيةً
لأنني بدأتُ أحب نفسي.
ولستُ جاحدةً لأنني قلتُ يومًا: “كفاااية”.
أنا فقط تلك الطفلة المؤدبة
التي تعبت من الاعتذار عن وجودها، ومن تبرير الخطأ والصواب في كل ما أفعل و في كل ما يفعله الأخرين.
ومن الوقوف على أطراف قلبي كي لا أزعج أحدًا.
كلما دعوتِ عليّ، أعود صغيرةً جدًا،
صغيرةً إلى الحد الذي يجعلني أصدق أنني فعلًا سيئة،
ثم أكبر فجأةً وأنا أبكي، وأقول لنفسي:
ربما أقترفت في حقها ذنبًا…لكنها لا تعرف أنني لم أقصده لذلك تتعمد أن تكسرني ولا تمل من التكرار.
هذه، يا أمي، أشدّ أشكال الوجع نضجًا:
أن تظلّي تحبين من يؤذيكِ، وتفهمين أسبابه، وتلتمسين له الأعذار،
ثم تكتشفين في آخر الأمر أن فهمكِ له
لا يُلزمكِ بأن تواصلي النزيف.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى