رؤي ومقالات

مقالة نقدية أدبية

مقالة نقدية أدبية

المخيّلة السينماتوغرافية في النص الأدبي:
من الصورة إلى بناء المشهد
مقدمة:
أكتب هذه المقالة بلغة أكثر وضوحاً بعيداً عن التمنهج الأكاديمي الصارم والتعقيدات الفلسفية حرصاً على أن تبقى الفكرة سلسة وأن تصل إليكم بما تحمله من فائدة وتأمل دون حواجز من المصطلحات والتجريد
وعلى مدّ مساحةٍ لمحاذاة
مصطلح أخذ حضوره يتسع في الدراسات الأدبية المعاصرة مع اتساع العلاقة بين الأدب والفنون البصرية المخيّلة السينماتوغرافية:
يحتاج هذا المصطلح إلى شيء من التحديد حتى يستعمله الباحث في موضعه الدقيق بعيداً عن إطلاق صفة (سينمائي) على كل نص كثيف الصورة أو كثير المشاهد فالمسألة أعمق من حضور صورة بصرية إنها تتصل بالطريقة التي تنظم بها اللغة الرؤية والحركة والزمن والفضاء بحيث يشعر القارئ أنه أمام مشهد يتشكل ويتحرك داخل مخيلته
من هنا تأتي أهمية السؤال:
كيف تتحول اللغة إلى مشهد؟
وكيف يمكن للناقد أن يرصد هذه المخيّلة ويحللها ويقيّم قيمتها داخل النص؟
ما المخيّلة السينماتوغرافية؟
السينماتوغرافيا في أصلها ترتبط بفن صناعة الصورة المتحركة وما يتصل بها من تكوين الكادر وحجم اللقطة وزاوية الرؤية وحركة الكاميرا والإضاءة والانتقال والإيقاع البصري
فحين ينتقل المفهوم إلى الأدب تصبح اللغة هي الوسيط الذي يستدعي هذه الآليات في ذهن القارئ
لذلك يمكن تعريف المخيّلة السينماتوغرافية بأنها قدرة النص على تنظيم اللغة بطريقة تستحضر الحس السينمائي في بناء المشهد فتمنح القارئ إحساساً باللقطة والحركة والزمن والمكان ووجهة النظر مع احتفاظ النص بخصوصيته الأدبية
وهنا تكمن المسافة المهمة بين الصورة والمشهد
الصورة قد تقدم هيئة ثابتة بينما المشهد يمنح هذه الهيئة حركة وزمناً وعلاقات مكانية فإذا كتب الشاعر مثلاً :
(امرأة عند النافذة والشارع غارق في المطر)
نحن أمام صورة بصرية واضحة
أما حين يقول:
(وقفت خلف النافذة فمرّت سيارة مسرعة وانزلق ضوؤها على وجهها ثم ابتلعها المنعطف)
فإن العين المتخيلة تتحرك من المرأة إلى السيارة ومن الضوء إلى المنعطف هنا تتشكل سلسلة من اللقطات ويصبح الزمن جزءا من الصورة
من الوصف إلى الرؤية المخيّلة السينماتوغرافية غير قائمة على كثرة التفاصيل البصرية الوصف قد يكون غزيراً مع بقاء المشهد ساكناً
القيمة تظهر حين تصبح التفاصيل جزءا من حركة المشهد
خذ مثلًا:
(كانت يداه ترتجفان فوق الطاولة)
هذه جملة وصفية تحمل صورة حسية أما:
(كانت يداه فوق الطاولة ارتجفت أصابعه وانزلقت الملعقة إلى الأرض ثم رفع وجهه نحو الباب)
يتدرج المشهد من اليدين إلى الأصابع ثم إلى الملعقة وصولاً إلى الوجه والباب فتنتقل عين القارئ بين تفاصيل متتابعة فينشأ مفعول اللقطة القريبة والحركة البصرية من داخل اللغة نفسها
هذه الحركة تمنح المشهد بناء قريباً من اللقطة السينمائية
وفي النص الأدبي لا نحتاج إلى ذكر كلمة (كاميرا) حتى تتحقق هذه النتيجة
وهذه نقطة أساسية في الدراسة النقدية: السؤال لا يتوقف عند (ماذا وصف الكاتب؟) وإنما يمتد إلى (كيف جعلني أرى ما وصفه؟)
فالتنظيم اللغوي ذاته يستطيع إنتاجه
الحركة والمونتاج
تظهر السينماتوغرافيا الأدبية كذلك في حركة العين المتخيلة
أفعال مثل الاقتراب والابتعاد والالتفات والعبور والصعود والانكشاف كلها تمنح اللغة قدرة على تحريك المشهد
أما الانتقال المفاجئ من صورة إلى أخرى فيمكن أن يؤدي وظيفة قريبة من المونتاج
مثلاً:
(أغلق الباب….
في الجهة الأخرى من المدينة كانت أمه تضع فنجاناً إضافياً على الطاولة)
الجملة الأولى تغلق مشهداً مكانياً والثانية تفتح مشهداً آخر في مكان مختلف لا يشرح النص العلاقة بين الشخصيتين
إنما يترك للمجاورة مهمة إنتاجها هنا تعمل آلية قريبة من القطع السينمائي حيث ينتقل المتلقي من كادر إلى آخر ويصنع بنفسه الصلة الشعورية بينهما
وفي مثال آخر:
(ضحكت في وجهه
بعد عشرين عاماً كانت الصورة القديمة وحدها تضحك)
إن الانتقال من الحاضر إلى الذاكرة يحدث بصورة خاطفة هنا تتداخل آلية القطع مع الاسترجاع الزمني وتصبح الصورة القديمة معادلاً بصرياً للزمن المفقود
وهنا تظهر أهمية المصطلح:
المونتاج الأدبي لا يعني مجرد الانتقال بين جملتين وإنما قيام المجاورة بين صورتين بإنتاج دلالة جديدة
فالزمن والفضاء
يمنح السينما للصورة زمناً ويمنح الأدب للزمن مرونة واسعة
قد يمدد النص لحظة واحدة حتى تصبح مشهداً كاملاً وقد يختصر سنوات في عبارة واحدة
لذلك يمكن دراسة الإبطاء والتسريع والاسترجاع والحذف والتوقف باعتبارها عناصر تشارك في بناء المخيّلة السينماتوغرافية
مثال ذلك:
(مدّ يده نحو المقبض
توقفت أصابعه لحظة
سمع صوتها خلف الباب)
ثلاث جمل قصيرة تمدد لحظة واحدة وتمنحها توتراً متصاعداً
هنا يصبح الإبطاء أداة لصناعة المشهد ويأخذ الزمن وظيفة نفسية فالثواني القليلة تبدو أطول بسبب انتظار الشخصية
وفي المقابل:
(عاش هناك عشرين عاماً ثم غادر ذات صباح)
هنا يحدث ضغط زمني شديد عشرون عاماً تختزل في جملة بينما يأخذ (الصباح) مساحة سردية أكبر
هذا التفاوت الزمني يمكن أن يكون موضعاً مهماً في دراسة المخيّلة السينماتوغرافية
والفضاء يؤدي دوراً مماثلاً:
(وقف عند الباب وبقيت الغرفة خلفه مضاءة)
الباب هنا عنصر مكاني يحمل معنى الانتقال والانفصال الضوء داخل الغرفة في مقابل الشخصية الواقفة خارجها يصنع تكويناً بصرياً ويمنح المكان وظيفة نفسية ودلالية
الضوء والصوت
للضوء حضور مهم في بناء المشهد: الشمس -العتمة- الوميض- الظلال- انعكاس الضوء على وجه أو جدار
والناقد يستطيع أن يسأل: ما وظيفة الضوء؟ هل يكشف؟ هل يحجب؟ هل يغيّر الحالة النفسية؟ هل يقسم الفضاء؟
خذ هذا المثال:
(كان وجهها نصفه في الضوء ونصفه الآخر غارقاً في الظل)
لا تكمن أهمية الصورة في جمال المفردات وحده فالانقسام البصري قد يحمل انقساماً داخلياً في الشخصية أو يوحي بترددها أو ازدواج حالتها
هنا يؤدي الضوء وظيفة دلالية وتصبح السينماتوغرافيا وسيلة للكشف عن الباطن عبر المرئي
كذلك يدخل الصوت والصمت في تشكيل المشهد:
(سمعت خطواته في الممر
اقترب الصوت ثم توقف)
هنا نكاد نرى الشخصية عبر السمع لا يظهر الجسد إنما يحل الصوت محل الصورة وعندما يتوقف الصوت ينشأ فراغ مشهدي مشحون بالإنتظار
كيف نقيّم المخيّلة السينماتوغرافية؟
هنا تظهر إشكالية التقييم
الحكم على نجاح المخيّلة السينماتوغرافية يحتاج إلى تجاوز الإنبهار بالصورة يمكن للناقد أن يسأل:
هل الصورة تخدم التجربة
أم تستعرض قدرتها البصرية؟
هل الحركة تضيف معنى؟
هل الإنتقالات بين المشاهد ذات ضرورة فنية؟
هل المكان يؤدي وظيفة داخل النص؟
هل الضوء والظل جزء من الرؤية؟
هل الإيقاع البصري منسجم مع الإيقاع اللغوي؟
هل التقنية السينمائية مندمجة في طبيعة النص؟
ولنأخذ مثالاً :
(دخلت الغرفة
كان الكرسي مائلاً النافذة مفتوحة الستارة تتحرك الساعة متوقفة)
يمكن لهذه العناصر أن تبدو مجرد ترتيب لمفردات بصرية
أما إذا كانت الساعة المتوقفة والنافذة المفتوحة والكرسي المائل تتصل بحالة الشخصية أو بحدث غائب فإن المشهد ينتقل من التوصيف إلى الدلالة
إذن قيمة المخيّلة لا تقاس بكمية الصور وإنما بقدرتها على تحويل الصورة إلى عنصر فاعل في بناء النص
والفارق مهم بين السينمائية التقنية التي تستعير بعض أدوات الصورة والسينمائية العضوية التي يصبح فيها الحس البصري والحركي والزمني جزءا من طريقة النص في التفكير والتعبير
كيف يوظف الباحث المصطلح في دراسته :؟
يمكن للباحث أن يبدأ بتحديد مفهوم المخيّلة السينماتوغرافية ثم يستخرج من النص المقاطع التي تكشف بناء المشهد ويتابع طريقة تشكل اللقطة والحركة والانتقال والزمن والفضاء
بعد ذلك يربط كل ظاهرة بوظيفتها:
1 ماذا صنعت في المعنى؟ 2 ماذا أضافت إلى الشخصية؟ 3 كيف أثرت في الإيقاع؟
4 كيف غيّرت علاقة القارئ بالمشهد؟
مثلاً : إذا وجد الباحث مقطعاً يقول:
(كانت تمشي في آخر الشارع
ابتعدت
صغر جسدها شيئاً فشيئاً حتى ذابت في الضباب)
يمكنه هنا رصد اللقطة العامة وحركة الإبتعاد وتدرج المسافة ثم يدرس وظيفتها في إنتاج الدلالة فاختفاء الجسد تدريجياً قد يحيل إلى الفقد أو التلاشي أو الانفصال
هنا يصبح التحليل قائماً على ثلاث مراحل واضحة:
1 ينطلق الباحث من الشاهد النصي لتحديد التقنية السينماتوغرافية
2 ثم يتتبع وظيفتها في إنتاج الدلالة
3 ثم ينتقل إلى مرحلة التقييم هل استطاع النص تحويل الحس السينمائي إلى قيمة أدبية؟؟
هذه الطريقة تمنح الدراسة أساساً منهجياً وتحميها من استعمال المصطلح كتوشية نقدية
وتتضح فاعلية هذه المقاربة بصورة خاصة عند تطبيقها على قصيدة النثر حيث تتجاور الصورة والتقطيع والتكثيف والقفزة والتجاور والحركة الداخلية في بناء المشهد
المخيّلة السينماتوغرافية في قصيدة النثر:
تبدو قصيدة النثر مجالاً خصباً لهذه المقاربة لأنها تعتمد على الصورة والتكثيف والتقطيع والقفزة والتجاور والحركة الداخلية وقد تتكون القصيدة من مشاهد قصيرة يترك النص للقارئ مهمة تركيب العلاقة بينها
مثلاً :
(في المرآة امرأة تحدق في وجهها
خلفها باب مفتوح
لا أحد في الغرفة)
يقوم المشهد هنا على ثلاث لقطات متجاورة
المرآة تقدم صورة داخل صورة
والباب المفتوح يوسع الفضاء
ثم تأتي الجملة الأخيرة لتحدث مفارقة بين ما تتوقعه العين وما تجده
هنا يمكن للباحث أن يدرس التكوين البصري والمفارقة والقطع بين اللقطات ثم يتتبع الدلالة التي أنتجها هذا الترتيب وهكذا يقترب منطق المونتاج من منطق الصورة الشعرية
1 فالصورة تمنح المشهد كثافته
2 والتجاور يمنحه حركته
3 والفجوة بين المشاهد تمنح القارئ مساحة للتأويل
وبهذا يصبح المصطلح أداة إجرائية في الدراسة ينتقل بها الباحث من رصد المشهد إلى تحليل تقنياته ثم الكشف عن وظيفتها الجمالية والدلالية وتقييم فاعليتها داخل النص
وهكذا يقترب منطق المونتاج من منطق الصورة الشعرية
الصورة تمنح المشهد كثافته والتجاور يمنحه حركته والفجوة بين المشاهد تمنح القارئ مساحة للتأويل
حدود المصطلح
يحتاج استعمال (المخيّلة السينماتوغرافية) إلى دقة حتى لا يتحول إلى حكم واسع يصف كل كتابة بصرية بأنها سينمائية
وجود كلمات مثل (كاميرا) أو (شاشة) أو (مشهد) لا يصنع وحده مخيّلة سينماتوغرافية
المعيار يكمن في البنية التي تجعل الصورة تتحرك وتحدد زاوية الرؤية وتنظم الزمن والفضاء وتخلق علاقات بين اللقطات المتخيلة
لذلك يحتاج الباحث إلى
الإستدلال من النص نفسه وإلى ربط كل مصطلح بآلية يمكن البرهنة عليها
ختاماً:
حاولت في هذه المقالة أن أقرّب معنى السينماتوغرافيا بأبسط تفسير ممكن وأن أوضح كيف يمكن لهذا المصطلح أن ينتقل من حقل السينما إلى حقل الدراسة الأدبية محافظة على دقته وقيمته النقدية
ولمن يرغب في الدخول إلى النص من هذا المنظور
إذ يبدأ الناقد من المشهد:
1 أين تضع اللغة عين القارئ؟ 2 كيف تتحرك هذه العين؟
3 ما الذي تقترب منه وما الذي تبتعد عنه؟
4 كيف يتغير المكان والزمن والضوء؟
5 أين يحدث القطع بين صورة وأخرى؟ ثم ينتقل إلى الوظيفة:
6 ماذا صنعت هذه الحركة في المعنى؟ وماذا أضافت إلى التجربة الشعرية؟
فبهذه الطريقة يدخل الناقد إلى النص سينماتوغرافياً فيقرأ الصورة بإعتبارها بناء
وبإعتبار الحركة إختياراً
والإنتقال بإعتباره تقنية
ثم يربط هذه العناصر بالدلالة الكلية للنص وهنا يصبح المصطلح وسيلة للقراءة والكشف ويمنح الناقد زاوية إضافية لرؤية النص مع الحفاظ على خصوصية الأدب ولغته
وقد كان المقصود من هذه المقالة أن تمنح المتلقي مدخلاً واضحاً إلى هذا المصطلح وأن تساعده على معرفة موضعه وكيفية توظيفه والأسئلة التي يمكن أن يفتحها داخل الدراسة النقدية
مع التحايا

مرشدة جاويش

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى