د. محمد الشحات الجندي وقضية كوسوفا : مسيرة علمية وفكرية في الدفاع عن العدالة وحقوق الشعوب
دراسة تحليلية نقدية في الفكر والشريعة والقانون والإعلام والدبلوماسية الأكاديمية، مع قراءة في تجربة البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي وقصيدة الوفاء

كاتب الدركتب:بكر إسماعيل الكوسوفي.
ملخص..
يتناول هذا البحث المسيرة العلمية والفكرية للأستاذ الدكتور محمد الشحات الجندي، بوصفه أحد العلماء والمفكرين الذين جمعوا بين التكوين الشرعي والقانوني، والعمل الأكاديمي، والإنتاج الفكري، والإسهام الإعلامي والثقافي والديني والدبلوماسي والسياسي. وينطلق البحث من قراءة موسعة لسيرته العلمية ومؤلفاته ومواقفه العامة، ثم يتتبع أثر مشروعه الفكري في عدد من المجالات، وفي مقدمتها الفقه الإسلامي، والقانون الدولي، وقضايا الدولة والمجتمع، والتعايش السلمي، ومواجهة التطرف، والحوار بين الحضارات.
ويولي البحث عناية خاصة بموقف الدكتور الجندي من قضية كوسوفا، باعتبارها نموذجًا كاشفًا عن انتقال العالم والمفكر من حدود التخصص الأكاديمي إلى مجال المسؤولية الإنسانية. كما يتناول اللقاء الذي جمعه بالدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي في تسعينيات القرن العشرين، وما دار بينهما من حوار حول الأبعاد الإنسانية والقانونية والسياسية والدولية للقضية الكوسوفية، فضلًا عن الاستشارات القانونية والفكرية التي ارتبطت بها.
كما يقدم البحث قراءة نقدية لدور الدكتور محمد الشحات الجندي في إبراز مظلومية الشعب الكوسوفي، من خلال توظيف الخطاب الديني والفكري والقانوني والإعلامي في الدفاع عن العدالة وحق الشعوب في تقرير مصيرها. ويتناول كذلك تجربة الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي باعتبارها نموذجًا للدبلوماسية الأكاديمية ودبلوماسية الضمير، وما أحدثته من تأثير في المجالات الفكرية والإعلامية والثقافية والدينية والعلمية والدبلوماسية والسياسية في مصر والعالم العربي.
ويختتم البحث بقراءة أدبية في قصيدة “من كوسوفا إلى القاهرة: قصيدة وفاء للأستاذ الدكتور محمد الشحات الجندي”، باعتبارها شهادة وجدانية تُكمل التوثيق العلمي والتحليل النقدي، وتكشف البعد الإنساني للعلاقة العلمية والثقافية التي جمعت بين صاحب الدراسة والدكتور الجندي. وبذلك يجمع البحث بين التوثيق العلمي، والتحليل النقدي، والشهادة الإنسانية والأدبية، ليقدم نموذجًا للعالم الذي يجعل من العلم والضمير والكلمة أدوات لخدمة الإنسان والقضايا العادلة.
الكلمات المفتاحية:
محمد الشحات الجندي؛ بكر إسماعيل الكوسوفي؛ كوسوفا؛ الفكر الإسلامي؛ الشريعة والقانون؛ الدبلوماسية الأكاديمية؛ الدبلوماسية غير الرسمية؛ الإعلام؛ العدالة الدولية؛ تقرير المصير؛ الحوار الحضاري؛ أدب الوفاء.
المقدمة
تحتل قضية كوسوفا مكانة خاصة في تاريخ البلقان الحديث، لا باعتبارها مجرد أزمة سياسية أو نزاع جيوسياسي، وإنما بوصفها قضية إنسانية وحضارية وقانونية ارتبطت بحق شعب في الأمن والحرية والوجود وتقرير المصير. وقد كشفت أحداث كوسوفا عن الحاجة إلى أصوات علمية وفكرية تتجاوز حدود المواقف السياسية الآنية، وتعيد قراءة المأساة في ضوء مبادئ العدالة وحقوق الإنسان والقانون الدولي والقيم الدينية والأخلاقية.
وفي هذا السياق تبرز شخصية الأستاذ الدكتور محمد الشحات الجندي باعتباره نموذجًا للعالم الذي لم يحصر رسالته في المجال الأكاديمي، وإنما امتد حضوره إلى الفضاء الفكري والإعلامي والديني والقانوني والثقافي والدبلوماسي والسياسي. فقد جمع في تكوينه العلمي بين الشريعة والقانون، وامتدت خبرته إلى التعليم الجامعي والبحث والتأليف والعمل المؤسسي والمشاركة في المؤتمرات والوفود والهيئات العلمية، الأمر الذي جعله قادرًا على معالجة القضايا المعاصرة من منظور يجمع بين الأصالة الإسلامية والوعي بالواقع الدولي.
وتكتسب دراسة تجربة الدكتور الجندي أهمية خاصة عندما تُقرأ من خلال علاقته بقضية كوسوفا، وبالبروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي على وجه الخصوص. فقد شهدت تسعينيات القرن العشرين لقاءً بين عالم مصري متخصص في الشريعة والقانون، وبين أكاديمي كوسوفي حمل قضية وطنه إلى المجال العربي والإسلامي، فكان الحوار بينهما نموذجًا لتقاطع العلم مع القضية الوطنية، والأكاديميا مع الدبلوماسية، والفكر مع المسؤولية الإنسانية. وقد تناول الحوار أبعاد العدوان على كوسوفا وآثاره الإنسانية والقانونية، فضلًا عن مستقبل المنطقة في ظل التحولات التي شهدها البلقان.
ولم يتوقف هذا التواصل عند حدود اللقاء والحوار، بل تحول إلى علاقة علمية وإنسانية ممتدة، كان فيها مكتب الدكتور الجندي مفتوحًا أمام صاحب القضية الكوسوفية، كما امتدت المشاورات إلى مسائل قانونية وفكرية تتصل بالقضية، الأمر الذي منح العلاقة بعدًا يتجاوز المجاملة الشخصية إلى التعاون العلمي وخدمة قضية إنسانية عادلة.
ومن هنا تأتي الفصول الجديدة في هذه الدراسة لتمنح البحث بعدًا أكثر عمقًا؛ فالفصل العاشر يوثق اللقاء والحوار، والفصل الحادي عشر يقدم قراءة نقدية في دور الدكتور الجندي في خدمة قضية كوسوفا، والفصل الثاني عشر يدرس تجربة الدكتور بكر إسماعيل بوصفها نموذجًا للدبلوماسية غير الرسمية ودبلوماسية الضمير، بينما يأتي الفصل الثالث عشر في صورة قصيدة وفاء، لتتحول العلاقة من مجرد وثيقة علمية إلى شهادة أدبية وإنسانية.
وعليه، لا يسعى هذا البحث إلى تقديم سيرة تقليدية للأستاذ الدكتور محمد الشحات الجندي فحسب، وإنما يهدف إلى الكشف عن الأثر المتعدد الأبعاد لمشروعه العلمي والفكري والإنساني، وإبراز كيفية انتقال العالم من موقع الباحث والأستاذ الجامعي إلى موقع المثقف المسؤول الذي يتفاعل مع قضايا الشعوب ومآسيها، ويستخدم العلم والقانون والكلمة والحوار في خدمة العدالة والسلام.
كما يحاول البحث أن يقرأ قضية كوسوفا باعتبارها مساحة التقاء بين التجربة العلمية للدكتور الجندي والتجربة الوطنية للدكتور بكر إسماعيل، وأن يكشف كيف استطاعت الدبلوماسية الأكاديمية والإعلامية والثقافية أن تجعل من قضية بعيدة جغرافيًا قضية حاضرة في الوعي المصري والعربي. ومن هذا المنظور يصبح البحث دراسة في العلم والضمير والكلمة والمسؤولية الإنسانية بقدر ما هو دراسة في شخصية علمية بارزة.
الفصل الأول: النشأة والتكوين العلمي
المولد والنشأة الأولى
ولد الأستاذ الدكتور محمد الشحات الجندي في الثاني عشر من فبراير عام 1949م، في بيئة مصرية عرفت بالتمسك بالقيم الدينية والفضائل الأخلاقية. بدأ حياته العلمية -كما جرت عادة البيئة المصرية الفاضلة- بحفظ القرآن الكريم وتلقي مبادئ العلوم الشرعية والعربية، تأسيسًا على منهج الأزهر الشريف في تعليم النشء، حيث جمع بين حفظ الكتاب الكريم وفهم معانيه، وإتقان اللغة العربية التي هي وعاء العلوم الإسلامية.
تلقى الدكتور الجندي تعليمه الابتدائي في المدارس العامة، ثم انتقل إلى المعاهد الأزهرية في مرحلتي الإعدادية والثانوية، حيث تخرج في هذه المراحل متزودًا بالعلوم الشرعية والعربية، ومؤهلاً لمواصلة الدراسة في الجامعة الأزهرية العريقة.
الدراسة الجامعية والتفوق الأكاديمي
التحق الدكتور الجندي بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، التي كانت وما زالت منارة العلم الإسلامي في العالم، حيث جمعت بين دراسة الشريعة الإسلامية بفروعها المختلفة، والعلوم القانونية الوضعية. تخرج في الكلية عام 1975م، وحصل على درجة الليسانس في الشريعة والقانون بتقدير “جيد جداً مع مرتبة الشرف”، مما يعكس نبوغه الأكاديمي المبكر وتفوقه بين أقرانه.
لم يتوقف طموحه العلمي عند هذا الحد، بل سارع إلى الالتحاق بالدراسات العليا في الكلية ذاتها، متخصصًا في السياسة الشرعية التي تعالج العلاقة بين الدين والدولة والقانون في الفكر الإسلامي. نال درجة الماجستير عام 1979م عن رسالة بعنوان “الوسائل السلمية لتسوية المنازعات الدولية في القانون الدولي والفقه الإسلامي”، بتقدير جيد جداً، وهي رسالة تجمع بين الفقه الإسلامي والقانون الدولي في موضوع له راهنيته وإنسانيته.
واصل الدكتور الجندي دراساته العليا حتى نال درجة العالمية (الدكتوراه) عام 1983م، بمرتبة الشرف الأولى، عن رسالة موسومة بعنوان “قواعد التنمية الاقتصادية في الفقه الإسلامي والقانون الدولي”. وقد أسس هذا البحث لاهتماماته الفكرية المتعددة التي تجمع بين الأصالة الإسلامية والمعاصرة القانونية، وقضايا التنمية والاقتصاد.
الفصل الثاني: التدرج الأكاديمي والإداري
البداية في جامعة الأزهر
بدأ الدكتور الجندي حياته الأكاديمية معيدًا بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر عام 1975م، بالقرار الوزاري رقم 7 لسنة 1976م، ثم تدرج في السلك الأكاديمي حتى عُين مدرسًا مساعدًا عام 1980م، بقرار رئيس الجامعة رقم 175 لسنة 1980م. كانت هذه المرحلة أساسية في تكوينه الأكاديمي، حيث أسهمت في صقل شخصيته العلمية، ومكنته من التفاعل مع كبار العلماء والمفكرين في جامعة الأزهر.
الانتقال إلى جامعة طنطا والإعارة لباكستان
في عام 1983م، انتقل الدكتور الجندي من جامعة الأزهر إلى جامعة طنطا، حيث عُين مدرسًا بقسم الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق، بقرار رئيس الجامعة رقم 525 لسنة 1983م. ثم عُين أستاذًا مساعدًا عام 1987م، بقرار رقم 8 لسنة 1987م، حتى بلغ درجة الأستاذية عام 1992م، بالقرار رقم 8 لسنة 1992م.
شغل منصب وكيل كلية الحقوق لشئون خدمة المجتمع وتنمية البيئة عام 1994م، ثم وكيلًا للدراسات العليا والبحوث عام 1994، ووكيلًا لشئون التعليم والطلاب عام 1995م، مما يعكس ثقة الإدارة الجامعية في قدراته الإدارية والقيادية.
في الفترة من 1990 إلى 1994م، أُعير الدكتور الجندي إلى الجامعة الإسلامية العالمية بإسلام آباد – باكستان، حيث تولى منصب وكيل كلية الشريعة والقانون. وكانت هذه التجربة الدولية محطة فارقة في حياته، إذ أتاحت له التعرف على قضايا العالم الإسلامي عن قرب، والتواصل مع علماء من مختلف الدول الإسلامية، والإسهام في تطوير التعليم الجامعي في باكستان. كما قام بالتدريس باللغة الإنجليزية للقضاة بأكاديمية الشريعة بإسلام آباد عام 1991م، مما يؤكد إجادته للغة الإنجليزية وقدرته على مخاطبة جمهور عالمي.
جامعة حلوان: العمادة والقيادة الأكاديمية
انتقل الدكتور الجندي إلى كلية الحقوق بجامعة حلوان عام 1998م، كأستاذ للشريعة الإسلامية، ثم عُين رئيسًا لقسم الشريعة الإسلامية بالكلية عام 2006م، بقرار جامعة حلوان رقم 2699 لسنة 2006م. وفي عام 2003م، صدر قرار رئيس الجامعة رقم 2805 بتعيينه عميدًا لكلية الحقوق بجامعة حلوان، وهو المنصب الرفيع الذي أدار فيه دفة الكلية، وساهم في تطوير برامجها الأكاديمية والبحثية.
الأمانة العامة للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية
انتدب الدكتور الجندي للعمل كأمين عام للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية بوزارة الأوقاف من عام 2008م حتى عام 2012م، بقرار وزير الأوقاف. في هذا المنصب الهام، أشرف على إدارة واحدة من أهم المؤسسات الدينية في مصر، التي تعنى بنشر الفكر الإسلامي المعتدل، ومواجهة التطرف، ودعم الحوار بين الثقافات. تولى رئاسة تحرير مجلة “منبر الإسلام”، وسلسلتي “قضايا إسلامية” و”دراسات إسلامية” الصادرة عن المجلس، مما أتاح له المساهمة الفاعلة في الإعلام الديني والثقافي.
رئاسة الجامعة المصرية للثقافة الإسلامية في كازاخستان
في عام 2018م، صدر قرار وزير الأوقاف رقم 207 بتعيين الدكتور الجندي رئيسًا للجامعة المصرية للثقافة الإسلامية في ألماتي بكازاخستان. وهذه المهمة الجديدة تضع على عاتقه مسؤولية قيادة واحدة من أبرز المؤسسات التعليمية المصرية في الخارج، التي تهدف إلى نشر الثقافة الإسلامية المعتدلة في آسيا الوسطى، وتعزيز التعاون العلمي والثقافي بين مصر وكازاخستان.
الفصل الثالث: المؤلفات والإنتاج الفكري
التنوع الموضوعي والغزارة الإنتاجية
يُعد الرصيد العلمي للدكتور الجندي من أغزر الإنتاجات الفكرية في مجال الدراسات الإسلامية المعاصرة، حيث يمتد إنتاجه ليشمل أكثر من أربعة وثلاثين كتابًا، فضلاً عن العديد من المقالات والبحوث المقدمة إلى المؤتمرات والندوات العلمية باللغتين العربية والإنجليزية. يتنوع إنتاجه الفكري بين الفقه الإسلامي، والقانون الدولي، والنظام السياسي في الإسلام، والاقتصاد الإسلامي، وقضايا الأسرة، وحقوق الإنسان، ومقاصد الشريعة، وقضايا العصر الراهنة مثل التطرف والإرهاب، والدولة المدنية، والتعايش السلمي.
أهم المؤلفات وأثرها
في مجال الفقه الاقتصادي والمالي: ألف الدكتور الجندي كتاب “قواعد التنمية الاقتصادية في الفقه الإسلامي والقانون الدولي” (1983م)، الذي كان في الأصل رسالة الدكتوراه، ويعد من المؤلفات الرائدة في الجمع بين الفقه الإسلامي والقانون الدولي في قضايا التنمية. كما ألف “معاملات البورصة في الشريعة الإسلامية” (1987م)، و”التعامل المالي والمصرفي المعاصر من منظور إسلامي” (1992م)، و”عقد المرابحة في الفقه الإسلامي والتعامل المصرفي” (2015م)، وهي كتب تناولت قضايا الاقتصاد الإسلامي المعاصرة وقدمت حلولاً شرعية للمعاملات المالية الحديثة.
في مجال الفقه العام والنظرية القانونية: ألّف “معالم النظام السياسي في الإسلام مقارنًا بالقانون الوضعي” (1984م)، و”نظرية العقد في الفقه الإسلامي” (1998م)، و”المدخل في الفقه الإسلامي” (1999م)، و”أصول التشريع الإسلامي” (1968م)، و”ضمان العقد أو المسئولية العقدية في الشريعة الإسلامية” (1990م)، وهي مؤلفات أسهمت في تأسيس مناهج الفقه الإسلامي وقواعده الكلية، ومقارنته بالقانون الوضعي.
في مجال الفقه الاجتماعي والأسري: ألف “حقوق الأسرة في الشريعة الإسلامية وقوانين الأحوال الشخصية” (1985م)، و”الميراث في الشريعة الإسلامية” (1987م)، و”الوصية والوقف” (1993م)، و”جرائم الأحداث في الشريعة الإسلامية دراسة مقارنة” (1996م)، و”اغتصاب الإناث في الفقه الإسلامي والقانون الوضعي” (1991م)، وهي كتب تناولت قضايا الأسرة والمجتمع والمرأة والطفل، وقدمت رؤية إسلامية متوازنة لهذه القضايا.
في مجال قضايا العصر والتجديد: ألف “مقاصد الشريعة وتجديد الدنيا بالدين” (2009م)، و”الدولة المدنية بين الإسلام والغرب” (2011م)، و”الإسلام المعاصر ومحنة النهوض الحضاري” (2015م)، و”استحقاقات الإنسان والوطن في الإسلام” (2014م)، و”الإسلام بين الصمود والحصار” (2014م)، و”الأمة بين آفة التطرف وتحديات الواقع” (2017م)، و”أزمة الوعي الديني” (2018م)، و”التعايش السلمي في الشرع الإسلامي” (2024م). وهذه المؤلفات تشكل مشروعًا فكريًا متكاملًا لمعالجة قضايا العصر الراهنة، من التطرف والإرهاب، إلى الدولة المدنية، والتعايش السلمي، والنهوض الحضاري.
المؤلفات باللغة الإنجليزية
لم يقتصر إنتاج الدكتور الجندي على اللغة العربية، بل امتد إلى اللغة الإنجليزية، حيث نشر كتباً منها:
– “Features of the Islamic Criminal Jurisprudence” (2022م) في جامعة نور مبارك
– “Ethics of Ihsan in Islam” (2023م) في جامعة نور مبارك
– “Foundations of the Islamic Legislation” (2024م) في جامعة نور مبارك
كما ترجم بعض الكتب من الإنجليزية إلى العربية، مثل “القياس وتطبيقاته المعاصرة”، و”تربية الأولاد في الإسلام”، ومن العربية إلى الإنجليزية كتاب “Polygamy in Islam” (1998م)، وكتاب “Family Law in Islam” (1997م)، مما يدل على إتقانه للغة الإنجليزية وقدرته على مخاطبة الجمهور العالمي.
الفصل الرابع: الإسهام الإعلامي واللغوي والأدبي
الإعلام الديني والصحافة
أسهم الدكتور الجندي إسهامًا بارزًا في الإعلام الديني والثقافي، سواء من خلال توليه رئاسة تحرير مجلة “منبر الإسلام”، وسلسلتي “قضايا إسلامية” و”دراسات إسلامية” الصادرة عن المجلس الأعلى للشئون الإسلامية، أو من خلال كتاباته المنتشرة في الصحف والمجلات المصرية والعربية والإسلامية باللغتين العربية والإنجليزية. وقد نشر العديد من المقالات والأبحاث التي تناولت قضايا دينية وثقافية وسياسية راهنة، مما جعله واحدًا من أبرز المفكرين الإسلاميين الذين يساهمون في تشكيل الرأي العام.
شارك في العديد من البرامج التليفزيونية والإذاعية، منها برنامج “دنيا ودين” على قناة الأهرام، حيث تحدث عن قضايا أخلاقية واجتماعية مهمة. كما شارك في ملتقى الجامع الأزهر للقضايا المعاصرة تحت عنوان “التغريب وخطره على المجتمعات الإسلامية” ، وهو موضوع يعالج أخطر التحديات الفكرية التي تواجه الأمة الإسلامية اليوم.
الإسهام في الخطابة الدينية
لم يقتصر إسهام الدكتور الجندي على الكتابة والتأليف، بل امتد ليشمل الخطابة الدينية في مساجد وزارة الأوقاف، حيث كان يخطب في مسجد السلطان حسن عام 2017م، مما يعكس قدرته على مخاطبة الجمهور العام ونقل الفكر الإسلامي المعتدل إلى الناس في محافلهم الدينية.
الأثر اللغوي والأدبي
يتميز أسلوب الدكتور الجندي في الكتابة بالوضوح والجزالة والعمق، وهو أسلوب يجمع بين الفصاحة اللغوية والدقة العلمية. تتسم مؤلفاته بسهولة العبارة ووضوح المعنى، مع التزام دقيق بالمصطلحات العلمية والفقهية، مما جعلها مرجعًا للطلاب والباحثين على حد سواء.
كما أن إنتاجه الغزير في مجالات متنوعة أثرى المكتبة العربية والإسلامية، وأسهم في تطوير اللغة العربية في مجالات الفقه والقانون والاقتصاد والسياسة، حيث قدم مصطلحات جديدة ومفاهيم متطورة تواكب العصر.
الفصل الخامس: الإسهام العلمي والأكاديمي
التدريس والتأطير الأكاديمي
أمضى الدكتور الجندي أكثر من أربعين عامًا في التدريس الجامعي، خرج خلالها أجيالاً من الطلاب في جامعات الأزهر وطنطا وحلوان، وفي الجامعة الإسلامية العالمية بإسلام آباد، والجامعة المصرية للثقافة الإسلامية بكازاخستان. وقد أسهم في تكوين وعي إسلامي معتدل لدى طلابه، ونشر ثقافة التسامح والاعتدال والانفتاح على الآخر.
العضوية في المجامع والهيئات العلمية
انتخب الدكتور الجندي عضوًا بمجمع البحوث الإسلامية عام 2001م، وصدر قرار رئيس الجمهورية بتعيينه عضوًا بالمجمع، وهو أحد أرفع المناصب العلمية في العالم الإسلامي. وقد أسهم في أعمال المجمع ومناقشاته، وشارك في العديد من الندوات والمؤتمرات التي نظمها المجمع، منها ندوة “منظومة الإعجاز التشريعي في القرآن والسنة” .
كما شغل عضوية اللجنة العلمية الدائمة لترقية الأساتذة والأساتذة المساعدين لأقسام الشريعة الإسلامية بكليات الحقوق ودار العلوم بالجامعات المصرية بالمجلس الأعلى للجامعات لأكثر من دورة، مما يجعله أحد الأسماء المؤثرة في رسم السياسات الأكاديمية في مجال الشريعة الإسلامية بالجامعات المصرية.
وقد أكد في تصريحات صحفية موقفه من قضايا الفتوى والتجديد الديني، حيث صرح بأن “الناس في حيرة من كثرة الفتوى”، مؤكدًا على ضرورة احترام قرار الأزهر في تنظيم الفتوى . كما أكد على موقف الأزهر الشريف الرافض لأي محاولات للمساس بأحكام الميراث الشرعية .
المشاركة في المؤتمرات والندوات العلمية
شارك الدكتور الجندي في العديد من المؤتمرات والندوات وحلقات النقاش في معظم الدول العربية والإسلامية، مثل: المملكة العربية السعودية، والكويت، والإمارات العربية، وقطر، والبحرين، والأردن، ولبنان، وليبيا، وتونس، والمغرب، والسودان، والسنغال، وتركيا، وماليزيا، وباكستان، وأفغانستان، وجزر القمر.
كما سافر إلى العديد من الدول الأوروبية للمشاركة في المؤتمرات والندوات العلمية الدولية، مثل: الولايات المتحدة الأمريكية، وبريطانيا، وفرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، والمجر، وإسبانيا، وبلجيكا، ومالطة، وتركيا، وماليزيا، وبروناي، والهند. وألقى دروسًا في الولايات المتحدة الأمريكية بولاية تكساس، مما يعكس حضوره الدولي وقدرته على مخاطبة جماهير متنوعة.
الفصل السادس: الإسهام القانوني والتشريعي
عضوية لجنة وضع الدستور
شارك الدكتور الجندي في عضوية لجنة وضع دستور 2014م، بقرار رئيس الجمهورية، وهي مشاركة تعكس مكانته العلمية والوطنية، وتؤكد ثقة الدولة في كفاءته وخبرته في المجال القانوني والدستوري. وقد أسهمت هذه العضوية في إثراء النقاش حول القضايا الدستورية المتعلقة بالهوية الإسلامية لمصر، وضمانات الحريات والحقوق، وشكل النظام السياسي، وطبيعة العلاقة بين الدين والدولة.
المشاركة في الوفود القانونية الدولية
كان الدكتور الجندي ضمن الوفد المصري المشكل من وزارة العدل في ندوة حول “اختطاف الأطفال دولياً” التي عُقدت في مدينة روما بإيطاليا عام 2001م، بقرار وزير العدل رقم 776 لسنة 2001م. كما كان عضوًا في الوفد المصري المشكل من وزارة العدل والخارجية في ندوة الاختطاف الدولي للأطفال في منطقة البحر الأبيض المتوسط المنعقدة في مدينة فاليتا بمالطة عام 2004م، بقرار وزير العدل رقم 731 لسنة 2004م. وهذه المشاركات تعكس خبرته القانونية في المجال الدولي، وقدرته على تمثيل مصر في المحافل الدولية.
كما كان عضو لجنة الوفد المصري من وزارة الأوقاف إلى فرنسا عام 2008م، بصفته أمينًا عامًا للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، مما يدل على دوره الدبلوماسي في تمثيل مصر في الخارج.
الأثر في التشريع المصري
أسهمت خبرة الدكتور الجندي في مجال الشريعة والقانون في إثراء التشريع المصري، خاصة فيما يتعلق بقوانين الأحوال الشخصية، حيث ألف كتابًا بعنوان “قراءة في قانون إجراءات التقاضي في الأحوال الشخصية رقم (1) لسنة 2000م، وقانون محاكم الأسرة رقم 10 لسنة 2004م” (2001م، الطبعة الثانية 2015م). وقد ساهم هذا الكتاب في تنوير القضاة والمحامين والمختصين بقضايا الأسرة، وفي تطوير التشريعات المتعلقة بالأسرة المصرية.
الفصل السابع: الإسهام الديني والدعوي
الدفاع عن الإسلام المعتدل
يعد الدكتور الجندي من أبرز المدافعين عن الإسلام المعتدل، ومحاربي التطرف والإرهاب. وقد تناول في العديد من مؤلفاته ومقالاته ومحاضراته موضوع التطرف، وأسبابه، وسبل علاجه. من أبرز أعماله في هذا المجال كتاب “الأمة بين آفة التطرف وتحديات الواقع” (2017م)، و”أزمة الوعي الديني” (2018م)، و”الإسلام بين الصمود والحصار” (2014م).
في إحدى مشاركاته في ملتقى الجامع الأزهر للقضايا المعاصرة، تحدث عن ظاهرة التغريب التي برزت مع الثورة الصناعية وتعززت مع موجات الاستعمار، وأكد أن “الغزو الثقافي كان أحد أبرز أدوات الاستعمار، فسعى إلى ترسيخ التبعية الفكرية وإحلال القيم الوافدة محل القيم الأصيلة، بما يسهل فرض الهيمنة والسيطرة على الشعوب” . وحذر من أن “من أخطر صور التغريب أن يتحول المجتمع إلى مجتمع تابع يعتمد على غيره في مقومات نهضته الفكرية والاقتصادية والعلمية” .
التعايش السلمي وحوار الحضارات
اهتم الدكتور الجندي بقضايا التعايش السلمي وحوار الحضارات، وألف في هذا المجال كتاب “التعايش السلمي في الشرع الإسلامي” (2024م)، و”منهج الإسلام في تحقيق السلام العالمي”، و”قضايا الجاليات المسلمة في المجتمعات الغربية”. وقد شارك في العديد من المؤتمرات الدولية المعنية بحوار الأديان والثقافات، منها مؤتمر الهند لحوار الأديان في مدينة لكناو الهند أعوام 2010، 2011، 2012، حيث أكد على أهمية الحوار في مجتمعات التعددية الدينية.
الإسهام في قضايا العالم الإسلامي
لم يغفل الدكتور الجندي عن قضايا العالم الإسلامي الراهنة، فقد تحدث عن قضية مسلمي الروهينجا، واصفاً ما يتعرضون له بأنه “كارثة إنسانية”، وانتقد موقف المنظمات الحقوقية الدولية من هذه القضية . كما شارك في العديد من المؤتمرات والندوات التي ناقشت قضايا المسلمين في العالم، وكان ضمن الوفد المصري المشكل من وزارة الأوقاف إلى فرنسا عام 2008م، مما يعكس اهتمامه بقضايا الجاليات المسلمة في الغرب.
الفصل الثامن: الإسهام الثقافي والدبلوماسي والسياسي
الإسهام الثقافي
أسهم الدكتور الجندي إسهامًا كبيرًا في الحركة الثقافية في مصر والعالم العربي، سواء من خلال مؤلفاته وإنتاجه الفكري الغزير، أو من خلال مشاركته في الندوات والمؤتمرات الثقافية، أو من خلال توليه مناصب ثقافية مهمة مثل رئاسة تحرير مجلة منبر الإسلام وسلسلتي قضايا إسلامية ودراسات إسلامية.
اهتم بقضايا الهوية الثقافية والنهوض الحضاري، وقدم رؤية متكاملة للإسلام المعاصر ومحنته مع النهوض الحضاري في كتابه “الإسلام المعاصر ومحنة النهوض الحضاري” (2015م)، وكتاب “الدولة المدنية بين الإسلام والغرب” (2011م)، حيث تناول العلاقة بين الإسلام والحداثة، وسبل التوفيق بين الثوابت الدينية ومتغيرات العصر، مع الحفاظ على الهوية الإسلامية والثقافية.
الإسهام الدبلوماسي
مثل الدكتور الجندي مصر في العديد من المحافل الدولية، سواء من خلال عضويته في الوفود الرسمية، أو من خلال مشاركته في المؤتمرات الدولية، أو من خلال توليه منصب رئيس الجامعة المصرية للثقافة الإسلامية في كازاخستان. وقد ساعدت خبرته الدولية وقدرته على الحوار باللغة الإنجليزية في تعزيز صورة مصر العلمية والثقافية في الخارج، ونشر الفكر الإسلامي المعتدل في آسيا الوسطى وأوروبا.
الإسهام السياسي
شكلت عضوية الدكتور الجندي في لجنة وضع دستور 2014م أبرز إسهاماته السياسية، حيث شارك في صياغة الوثيقة الدستورية التي نظمت الحياة السياسية في مصر بعد ثورتي 25 يناير و30 يونيو. وقد دافع عن الهوية الإسلامية لمصر في الدستور، مع الحفاظ على مبادئ المواطنة وحقوق الإنسان والتعددية.
كما تناول في مؤلفاته العديد من القضايا السياسية المعاصرة، مثل الدولة المدنية، والإسلام والسياسة، وثورة التغيير وموقف المؤسسة الدينية، مما يجعله واحدًا من المفكرين الإسلاميين الذين جمعوا بين الشرعية الدينية والواقع السياسي المعاصر.
الفصل التاسع: تقييم الأثر الفكري والعلمي
الأثر الفكري
يمكن القول إن الدكتور الجندي قد ترك بصمة واضحة في الفكر الإسلامي المعاصر من خلال مشروعه الفكري المتكامل الذي جمع بين الأصالة والمعاصرة، وبين النقل والعقل، وبين الثوابت والمتغيرات. تمثلت أبرز معالم هذا المشروع في:
1. التوفيق بين الفقه الإسلامي والقانون الدولي: من خلال مؤلفاته التي تناولت قواعد التنمية الاقتصادية، والوسائل السلمية لتسوية المنازعات الدولية، واغتصاب الإناث، وغيرها من الموضوعات التي تجمع بين الشريعة والقانون الدولي.
2. معالجة قضايا العصر: من خلال اهتمامه بقضايا التطرف والإرهاب، والدولة المدنية، والتعايش السلمي، والتغريب، وأزمة الوعي الديني، وغيرها من القضايا الراهنة.
3. تقديم رؤية إسلامية متوازنة: تجمع بين الالتزام بالثوابت الدينية، والانفتاح على العصر ومستجداته، مع الحفاظ على الهوية الإسلامية والثقافية.
الأثر العلمي
ترك الدكتور الجندي إرثًا علميًا غزيرًا، تمثل في أكثر من أربعة وثلاثين كتابًا، ومئات المقالات والبحوث، وآلاف من الطلاب الذين تخرجوا على يديه في جامعات مصر والعالم الإسلامي. وقد أسهمت مؤلفاته في تطوير الدراسات الفقهية والقانونية والاقتصادية والسياسية في العالم الإسلامي، وجعلته مرجعًا للباحثين والدارسين في هذه المجالات.
الأثر في صناعة القرار
أسهمت خبرة الدكتور الجندي في صناعة القرار في عدة مستويات:
– على المستوى الأكاديمي: من خلال عضويته في اللجنة العلمية الدائمة لترقية الأساتذة، وعمادته لكلية الحقوق جامعة حلوان.
– على المستوى الديني: من خلال أمانته العامة للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، وعضويته في مجمع البحوث الإسلامية.
– على المستوى السياسي: من خلال عضويته في لجنة وضع دستور 2014م.
– على المستوى الدولي: من خلال رئاسته للجامعة المصرية للثقافة الإسلامية بكازاخستان، ومشاركاته في المؤتمرات الدولية والوفود الرسمية.
الأثر في الإعلام والثقافة
أسهم الدكتور الجندي في تشكيل الوعي الديني والثقافي للجمهور المصري والعربي من خلال كتاباته الصحفية، ومشاركاته التليفزيونية والإذاعية، وخطابته في المساجد، وإدارته لتحرير مجلة منبر الإسلام، مما جعله واحدًا من أبرز المفكرين الإسلاميين المؤثرين في وسائل الإعلام.
الفصل العاشر: لقاء التاريخ: البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي والدكتور محمد الشحات الجندي – حوار النخب وتقاطع المصير في قضية كوسوفا (دراسة حالة في الدبلوماسية الأكاديمية)
انطلاقاً من متابعة دؤوبة للمشهد الثقافي والسياسي في العالم العربي الإسلامي، وقراءات متعمقة في الكتب والدوريات الصحفية والمجلات المتخصصة، لفت انتباهي – كباحث وممثل لقضية وطنية – أن الأستاذ الدكتور محمد الشحات الجندي يمثل شخصيةً علميةً فذةً، متميزةً بحضورها المؤثر على الساحة العربية والإسلامية، سواء من خلال مواقعه الأكاديمية والدينية الرفيعة، أو من خلال كتاباته وآرائه التي تلامس قضايا الأمة المصيرية. وقد دفعني هذا الإدراك إلى الرغبة في التعريف به بشكل أعمق، ولم لا؟ إنه عالم من طراز نادر، جمع بين الرسالة الإسلامية والفكر التنويري، والقدرة على تحليل الأحداث السياسية والقانونية بمنظور شرعي وإنساني متوازن.
الإطار الزماني والمكاني للقاء:
واكب هذا الاهتمام فترةً تاريخيةً دقيقةً، هي عقد التسعينيات من القرن العشرين، حيث كانت المنطقة العربية والعالم الإسلامي يشهدان تحولات جيوسياسية كبرى، وكانت قضية كوسوفا في أوج احتدامها، تتعرض لعدوان صربي غاشم، وتحتاج إلى كل صوت مؤثر يدافع عنها. فكان لا بد من لقاء مباشر، يجمع بين الأكاديميا والنشاط الإنساني، وبين رجل قانون ورجل سياسة بالوكالة. وهكذا، بادرت بالاتصال به، وتم الترتيب للقاء شخصي موسع.
مضمون اللقاء ومنهجية الحوار:
كان اللقاء موسوماً بالجدية والإثارة، حيث تبادلنا وجهات النظر حول قضية كوسوفا في سياقها الإقليمي والدولي، وقدمت له – بوصفي ممثلاً لكوسوفا في مصر – الكثير من المعلومات والتقارير الميدانية، وأحدث التطورات على الساحتين العربية والعالمية. كما تطرق النقاش إلى تبعات العدوان الصربي، والآثار الإنسانية والقانونية المترتبة عليه، وإلى مستقبل المنطقة بعد انهيار يوغوسلافيا. ومن ناحيته، كان الدكتور الجندي – حفظه الله – مستمعاً منتبهاً، ومحاوراً قديراً، يطرح الأسئلة الدقيقة، ويقدم رؤية قانونية مستنيرة، تُظهر خبرته الواسعة في الشريعة والقانون الدولي.
الجانب الاستشاري القانوني:
ولم يقتصر اللقاء على البعد السياسي والإعلامي، بل امتد إلى الاستشارات القانونية، حيث كنت أقوم بأخذ رأيه في العديد من المسائل القانونية المعقدة، باعتباره رجل قانون من الطراز الأول، يمتلك قدرة فائقة على تفكيك النصوص القانونية وتأويلها في ضوء مقاصد الشريعة ومتطلبات الواقع. وقد كان لذلك أثر بالغ في صياغة بعض المواقف والمراسلات الرسمية التي تخص قضية كوسوفا.
المردود الإنساني والانفتاح المؤسسي:
ولعل أجمل ما في هذه التجربة، هو أن اللقاء لم يكن لقاءً عابراً، بل تحول إلى علاقة عمل ممتدة، إذ ظل مكتبه – رحمه الله – مفتوحاً لي طوال الوقت، دون أي تردد أو تحفظ. ولقد وجدت فيه رجلاً طيباً، كريماً، لا يضن بوقته، ولا بجهده، في سبيل خدمة قضية الشعب الكوسوفي، أو في أي بقعة من بقاع الأرض تعاني ظلماً أو عدواناً. وهذه الصفة نادرة فيمن هم في منزلة علمية ودينية رفيعة، وتدل على سمو الأخلاق، ونبل المقصد.
النتاج الفكري للحوار:
لما التقيت مع هذا المفكر الموسوعي، وقمت بطرح مجموعة من الأسئلة المفتوحة، لمناقشة قضايا متصلة بكوسوفا، وكذلك بقضايا شعوب إسلامية أخرى تعيش أوضاعاً مشابهة، تدارسنا معاً عدداً من المقترحات العملية والحلول الممكنة، التي من شأنها أن تساهم في إخراج كوسوفا من خضم العدوان الصربي الغاشم. وقد لاحظ الدكتور الجندي – بثاقب نظره – أنني أسعى دؤوباً إلى نشر هذه القضية في أية مناسبة ممكنة؛ بغية استلهاب أفكار العلماء والمفكرين، وحثهم على مناقشتها، والاهتمام بها، والتفاعل معها كقضية إسلامية وإنسانية بامتياز. وقد كان هذا الإدراك منه مشجعاً لي على المضي قدماً في هذا الطريق، واضعاً ثقتي في أن رجالاً مثله هم رأس الحربة في المعارك الفكرية الكبرى.
الفصل الحادي عشر: دراسة نقدية حول دور الأستاذ الدكتور محمد الشحات الجندي في خدمة قضية “كوسوفا”
أولا: تُعدّ أزمة كوسوفا واحدة من أبرز المآسي الإنسانية والقضايا الجيو-سياسية التي شهدها شبه جزيرة البلقان في أواخر القرن العشرين. وفي أتون هذه الأزمة، لم يقتصر دور العلماء والمفكرين المسلمين على المتابعة الهامشية، بل برز الدكتور محمد الشحات الجندي كشخصية فكرية وأكاديمية وظّفت القلم والخطاب الديني لإبراز مظلومية شعب كوسوفا. استطاع الجندي تقديم صياغة فكرية متكاملة تجمع بين البُعد الإنساني والأخلاقي والدبلوماسي، مؤطراً القضية في سياق العدالة الدولية وحق تقرير المصير.
التحليل الأدبي والنقدي
• الخصائص الاسلوبية والبلاغية: يتميز الخطاب بالتكثيف اللغوي والإيجاز البليغ؛ حيث استخدم الكاتب الاستعارات المكنية والتصوير البياني (مثل تشبيه العدوان الصربي بـ “الطوفان الذي يجرف القيم”) لإضفاء طابع درامي يمس الوجدان. اعتمد النص على السهل الممتنع لضمان وصول الرسالة لجميع المستويات الثقافية دون الإخلال بالعمق الفكري.
• البُعد الفكري والديني: ركّز الخطاب على تأصيل مفهوم “رد العدوان” كفرض شرعي لحفظ النفس والأرض، مع تشديده على نفي تهمة التطهير العرقي أو العنصرية عن الفكر الإسلامي، مما أظهر الإسلام كدين داعم للسلام العالمي القائم على العدل.
• الأبعاد السياسية والدبلوماسية: قدم النص رؤية استراتيجية حمّلت المجتمع الدولي مسؤولية التقاعس عن تمكين الألبان من دفاعهم عن أنفسهم، مشيراً إلى أن تحقيق الاستقرار في البلقان مرهون باحترام الحدود الجغرافية والكيان السياسائي والسيادي لكوسوفا.
تقييم الأثر في المجالات المختلفة
المجال حجم الأثر وطبيعة المساهمة
الفكري والثقافي ترسيخ وعي نقدِي يُفكك أسباب العدوان، وحماية الهوية والتراث الإسلامي في البلقان من محاولات الطمس.
الأدبي والإعلامي تقديم أنموذج للخطاب المؤثر الذي يدمج البلاغة بالحقائق الوطنية، مما سهّل تسليط الضوء الإعلامي على المأساة.
الديني والعلمي تأصيل فقهي مقاصدي لنوازل الأمة، وإثراء المكتبة الأكاديمية بطرح علمي متوازن حول قضايا الأقليات والحرية.
التاريخي والسياسي وثّق مرحلة مفصلية من تاريخ البلقان، وطرح رؤية دبلوماسية ترتبط بتحقيق السلام الدولي عبر تمكين الشعوب من تقرير مصيرها.
يُمثل طرح الدكتور محمد الشحات الجندي نموذجاً للوعي الحضاري والموقف الأخلاقي للعلماء تجاه القضايا العادلة. لقد نجح من خلال خطابه البليغ في تحويل قضية كوسوفا من مجرد صراع إقليمي إلى قضية إنسانية ودولية تتصل بحقوق الإنسان، وحفظ التراث الحضاري، وحق الشعوب الأصيلة في العيش بسلام وكرامة على أرضها.
ثانيا: قراءة نقدية في أبعاد الهوية والصراع الجيوسياسي لكوسوفا
يقدم نص المقال السياسي والإسلامي للأستاذ الدكتور محمد الشحات الجندي (المُنشور إبان أحداث حرب 1998م) قراءة نقدية حادة للأزمة الكوسوفية؛ إذ يمزج بين الخطاب الفكري العقدي والأرقام الاقتصادية والتحليل الجيوسياسي.
1. البناء الهيكلي والتحليل الأدبي للنص
• عتبة العنوان (“كوسوفا.. وأهل واعد الإسلام في أوروبا”):
عنوان صريح ذو بنية تركيبية شاحنة بالمشاعر والتوقعات؛ فاختيار كلمة “واعد” ينطوي على بَعدٍ استشرافي يبث الأمل، ويعيد تموضع الإقليم جغرافيًا وفكريًا من مجرد ضحية إلى “نواة حية” للمستقبل الإسلامي في القارة العجوز.
• المقدمة (الاستهلال والعاطفة):
بدأ الكاتب بمقدمة وجدانية رصينة تعتمد على مبدأ “التضاد الحضاري”؛ حيث قابل بين الثبات العقدي للألبان المسلمين وبين موجات “الغيبوبة” والتجاهل من المحيط الإقليمي والدولي. وظّف الاستعارات البيانية مثل “تخندقه حول إسلامه” و”طوفان الإنكار” و”غيبوبة العالم العربي” لشحن النص بجرعة درامية تلفت انتباه القارئ فورًا.
• الخاتمة (التساؤل الاستنكاري واليقين العقدي):
جاءت الخاتمة على هيئة استفهامات استنكارية متتالية (“فهل نطمع…”، “فهل تعي صربيا…”)، وهي أداة بلاغية تُحيل القارئ إلى منطق التاريخ؛ إذ ختم ببديهية فكرية مفادها أن البطش “الحديد والنار” لا يطفئ جذوة الإيمان، بل يزيدها اشتعالًا.
2. الخصائص الفنية والأسلوبية
• المعجم اللغوي: ثري بالكلمات ذات البعد الجيوسياسي والعقدي (تجسير، طمس، الاستحواذ، التطهير، الفاشية السياسي، التعددية).
• التدليل بالحجة والرقم: كسر الكاتب حدة الأسلوب الوجداني بإقحام “لغة الأرقام” الاقتصادية (75% رصاص وزنك، 70% فضة، 25% ذهب، 50% نيكل، 90% نسبة المسلمين). هذا التداخل بين الأرقام والمشاعر أعطى النص قيمة توثيقية وأسلوبًا حججيًا متماسكًا.
• النقد المزدوج: لم يكتفِ الكاتب بهجومه على الممارسات الصربية، بل وجه نقده الحضاري المزدوج نحو:
1. السياسة الغربية: التي اتهمها بالازدواجية والتناقض بين شعارات “حقوق الإنسان والتعددية” والتغاضي عن اضطهاد المسلمين.
2. العالم الإسلامي: الذي وصَفه بـ “الغيبوبة” والتقصير تجاه أزمات أليمة كأزمتي البوسنة وكوسوفو.
3. تقييم أثر النص على المجالات المختلفة
المجال التقييم والأثر الأدبي والتحليلي للنص
الفكري والإسلامي يعيد النص صياغة الهوية الكوسوفية باعتبارها عمقًا إسلاميًا أصيلًا في أوروبا، ويفكك مقولة “الأصولية المتخلفة” بالتأكيد على مدنية الإسلام وأخلاقياته الحضارية.
الأدبي والبياني يمثل المقال نموذجًا للأنثروبولوجيا الأدبية والسياسية؛ إذ يدمج البلاغة العربية الكلاسيكية (السجع والمقابلة) بأدبيات المقال الصحفي التعبوي المتماسِك.
الإعلامي والثقافي ساهم المقال في اختراق التعتيم الإعلامي المعاصر لأحداث 1998م، وعمل على توعية الرأي العام العربي بمركزية القضايا البلقانية وتفكيك الخطاب الصربي الموجه.
التاريخي والسياسي وثّق المقال جذور الصراع العرقي والديني في يوغوسلافيا السابقة، وأبرز الخلل الجيوسياسي الناتِج عن محاولة صربيا هيمنتها القسرية وتجاهل العوامل التاريخية.
الدبلوماسي والعلمي يوفر النص قاعدة بيانات اقتصادية وتاريخية تجعل مسألة التقرير الذاتي لكوسوفو حقًا مشروعًا من منظور الجغرافيا السياسية والقانون الدولي، وليس مجرد عاطفة دينية.
يعكس المقال رؤية مبكرة للأستاذ الدكتور محمد الشحات الجندي في ربط البعد العقدي الديني بالواقع الجيوسياسي، ومحاكمة الشعارات الغربية المعاصرة بميزان التطبيق العملي على أرض الواقع.
الفصل الثاني عشر: البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي ودبلوماسية الضمير: قراءة في الأثر المتعدد المجالات لقضية كوسوفا في المشهد المصري والعربي
(برؤية تقييمية للأستاذ الدكتور محمد الشحات الجندي)
تظل قضية كوسوفا واحدة من أكثر القضايا الإنسانية والسياسية تعقيداً في العصر الحديث، حيث تتداخل فيها البُعد الأخلاقي مع الحسابات الجيوسياسية، وتتصارع حولها الإيديولوجيات والمواقف الدولية. غير أن ما يميّز هذه القضية في السياق المصري والعربي هو ظهور نموذج فريد من نوعه في الدبلوماسية غير الرسمية، تمثل في شخصية الأستاذ الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي، ممثل كوسوفا في مصر. هذا الرجل الذي حمل همَّ وطنه الثاني، وسخّر معرفته الأكاديمية وعلاقاته الواسعة ليكون صوتاً مدوياً لقضية شعب يبحث عن حقه في الوجود وتقرير المصير. ويأتي تقييم الأستاذ الدكتور محمد الشحات الجندي، المفكر الإسلامي البارز ورئيس الجامعة المصرية للثقافة الإسلامية بكازاخستان سابقاً، ليكون شهادة حقٍّ من عالِمٍ جليلٍ مؤتمنٍ، وأستاذٍ للشريعة والقيم الإنسانية، يُضيء من خلالها أبعاد هذا الدور الفريد الذي لعبه الكوسوفي في قلب العالم العربي. ففي هذا الفصل، نستعرض بالرصد والتحليل الدور المتعدد الأوجه الذي نهض به الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي، ونُقيمه في ضوء المقولات النقدية الأدبية والسياسية، مستكشفين تأثيره العميق في الحياة الفكرية، والإعلامية، واللغوية، والأدبية، والعلمية، والدينية، والثقافية، والدبلوماسية، والسياسية، من خلال عدسة الراوي والمُقيّم الأستاذ الدكتور محمد الشحات الجندي.
النص:
قال الأستاذ الدكتور محمد الشحات الجندي، المفكر الإسلامي البارز، وأستاذ الشريعة الإسلامية، وعضو مجمع البحوث الإسلامية بمصر، مقيماً دور ممثل كوسوفا في مصر:
“يتمثل هذا الدور الحيوي والمحوري الذي يضطلع به ممثل كوسوفا في مصر، الأستاذ الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي، في قلب العالم العربي والإسلامي، في كونه فاعلاً رئيسياً ومؤثراً، يقوم بأنشطة مكثفة مع كبار المسؤولين وصنّاع القرار، وكذلك مع القائمين على المؤسسات العلمية والدينية والشعبية. وقد أسفرت هذه الجهود عن إلقاء الضوء على قضية كوسوفا، وكسب تعاطف واسع النطاق معها من جانب الجماهير والمسؤولين السياسيين على حد سواء.
ولم تقتصر فعاليته على الدوائر الرسمية، بل امتدت إلى الساحة الإعلامية، حيث كان لاتصالاته المستمرة بالصحف المصرية، وفي مقدمتها جريدة ‘الأهرام’ – الجريدة الرسمية والأوسع انتشاراً في مصر والعالم العربي – أثرٌ لا يُنكر في إذكاء الاهتمام بقضية كوسوفا، وفي حث المسؤولين والرأي العام على ضرورة نصرة الشعب الكوسوفي وتأييده، سواء بالدعم المادي أو المعنوي. كما عمل على إظهار مدى المعاناة الإنسانية الفادحة التي يتعرض لها هذا الشعب، على يد النظام الصربي الذي لم يتورع عن ارتكاب أشنع الممارسات الدينية والإنسانية، متجاوزاً كل الحدود الأخلاقية والقانونية، ومرتكباً عمليات تصفية جسدية ممنهجة بحق المدافعين عن حقهم المشروع في الوجود والحكم الذاتي.”
تحليل نقدي أدبي للنص:
يُعدُّ خطاب الأستاذ الدكتور محمد الشحات الجندي في هذا المقطع نموذجاً بليغاً للكتابة التقييمية ذات الطابع السياسي والإنساني، حيث يجمع بين الوصف الموضوعي، والتعبير العاطفي المكثف، والإحالة إلى مرجعيات قيمية راسخة. ومن الناحية الأدبية، يمكن تحليل النص وفق المحاور التالية:
أولاً: البنية اللغوية والتركيبية:
– اعتمد النص على أسلوب تراكمي تصاعدي، يبدأ بوصف الدور العام، ثم يتدرج نحو التفاصيل الإجرائية (الأنشطة، الاتصالات، المؤسسات)، وصولاً إلى الذروة العاطفية في وصف المعاناة الكوسوفية.
– استُخدمت أدوات التوكيد والتكرار (مثل: “دوراً فاعلاً ومحورياً”، “أثر لا يُنكر”، “لم يتورع”) لإضفاء طابع الإلحاح والجدية، وهذا الأسلوب يُحيل إلى بلاغة الإقناع التي تعتمد على ترسيخ المعنى في ذهن المتلقي.
– هيمنت الجمل الطويلة المتراصة، مما يعكس رؤية شمولية، ويُحاكي منطق الخطاب القانوني – السياسي، لكن مع جرعة عالية من الانفعال الأخلاقي.
ثانياً: الصور البلاغية والتعبيرية:
– برزت الاستعارات المكنية، حيث جُسِّدَ الدور الإنساني للكوسوفي في عبارة “قلب العالم العربي والإسلامي”، وهي صورة توحي بأن نشاطه ليس مجرد عمل دبلوماسي، بل نبض حياة لقضية مظلومة.
– وظهرت طباقية واضحة بين “المعاناة” و”التصفية الجسدية” من جهة، وبين “الحق في الوجود والحكم الذاتي” من جهة أخرى، مما يُعزز ثنائية المظلومية مقابل القمع الوحشي.
– كما أن إطلاق وصف “جزار الصرب” يحمل دلالة تاريخية وأسطورية، تستدعي في الأذهان صور الإبادة الجماعية، وتُخرج الخطاب من دائرة الحياد إلى دائرة الانحياز الأخلاقي المعلن.
ثالثاً: الإيقاع الداخلي:
تميز النص بإيقاع نثري متدفق، يُوحي بالاستمرارية والتراكم الدرامي للأحداث، مع غياب شبه تام للجمل القصيرة أو المقطوعة، مما قد يُضعف القدرة على الاستراحة النفسية للقارئ، لكنه في المقابل يُحقق تأثيراً تراكمياً يشبه الأمواج المتلاحقة في خطاب النضال.
رابعاً: الأسلوب التقييمي:
النص لا يكتفي بالسرد، بل يُقدّم تقييماً صريحاً وموجهاً، يُظهر قيمة الدور الكوسوفي، ويُحمّله أبعاداً أخلاقية وإنسانية، مما يجعله شهادة ذاتية – موضوعية في آن، لأن صاحبها (الدكتور الجندي) يحظى بثقل أكاديمي وديني يضفي على كلماته مصداقية مضاعفة.
تحليل نقدي سياسي:
من منظور السياسة، يُعد النص وثيقة نادرة تكشف عن نموذج متقدم من الدبلوماسية الموازية أو دبلوماسية النخب، حيث يمثل الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي حالة فريدة في تاريخ الحركات التحررية في البلقان والعالم العربي. فما الذي يجعل هذا النموذج مهماً سياسياً؟
أولاً: بناء تحالف استراتيجي غير رسمي:
استطاع الكوسوفي، من خلال موقعه الأكاديمي وشبكة علاقاته الواسعة، أن يُنشئ جسوراً ثقة بين النخبة المصرية (سياسياً، دينياً، وإعلامياً) وقضية كوسوفا، دون الحاجة إلى غطاء دبلوماسي رسمي. وهذا يكشف عن هشاشة القنوات التقليدية أو عدم قدرتها على التعامل مع قضايا “البعد الثالث” التي تتطلب مرونة وحساسية ثقافية عالية.
ثانياً: توظيف الإعلام كسلاح ضغط:
اختيار جريدة “الأهرام” تحديداً لم يكن عفوياً؛ فهي ليست فقط الجريدة الرسمية الأوسع انتشاراً، بل كانت آنذاك المرجعية الإعلامية الأولى في تشكيل الرأي العام العربي. ومن خلال نشر مقالات أو أخبار مُنسَّقة مع الكوسوفي، استطاع أن يُحدث نقلة نوعية في الوعي الجمعي، محولاً قضيةً بعيدةً جغرافيا إلى قضية يومية تلامس وجدان المصريين والعرب.
ثالثاً: التوفيق بين القيم الدينية والإنسانية:
في منطقة تشكل فيها الهوية الإسلامية ركيزة أساسية للوعي السياسي، كان الخطاب المتقن للكوسوفي – كما يظهر من توصيف الجندي – قادراً على استثمار المشترك الديني والأخلاقي، دون الوقوع في فخ الطائفية أو العداء المطلق للآخر (الصربي). فنجح في تقديم الصراع كصراع إنساني – أخلاقي قبل أن يكون صراعاً عرقياً أو دينياً، مما وسع دائرة التعاطف معه.
رابعاً: إشكالية الشرعية والتمثيل:
يثير النص تساؤلات جوهرية حول شرعية ممثل قضية لا يحمل صفة رسمية، لكن الإجابة تكمن في أنه، في غياب التمثيل الرسمي الفاعل، تصبح الشخصيات الأكاديمية والإعلامية المؤثرة هي البديل الطبيعي، بل الأكثر مرونة وقدرة على التحرك في الفضاءات غير الرسمية. وهذا يكشف عن تحول في مفهوم “الدبلوماسية” من احتكار الدول إلى توزعها بين فاعلين من المجتمع المدني والنخب الثقافية.
خامساً: الصراع مع “الخطاب المضاد”:
لم يُشر النص بشكل مباشر إلى وجود خطاب معادٍ لكوسوفا في مصر أو العالم العربي، لكن من خلال إلحاح الجندي على “نصرة الشعب الكوسوفي” و”إظهار المعاناة”، يمكن استنتاج أن هناك حالة من الجهل أو اللامبالاة أو حتى التأييد الضمني للموقف الصربي، مما يجعل جهود الكوسوفي بمثابة معركة فكرية – إعلامية شرسة لا تقل أهمية عن المعركة الميدانية في كوسوفا نفسها.
سادساً: الأثر السياسي في السياق الإقليمي والدولي:
لا يمكن فصل جهود الكوسوفي عن السياق الدولي الأوسع، حيث كانت كوسوفا نقطة صراع بين القوى الكبرى (الغرب وروسيا) في تلك الفترة. ومن ثم، فإن كسب التعاطف العربي – الإسلامي لقضية كوسوفا كان يُشكِّل ورقة ضغط إضافية في يد التحالف الداعم لكوسوفا، ويُضعف الرواية الصربية التي كانت تسعى إلى عزل القضية عن محيطها الإقليمي.
تقييم الأثر في المجالات المتعددة (برؤية تحليلية):
يُمكننا، انطلاقاً من شهادة الدكتور الجندي، أن نُقيّم الأثر الواسع للدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي في المجالات الآتية:
1. المجال الفكري: أسهم في تقديم نموذج للمثقف العضوي المنخرط في قضايا وطنه، والمؤمن بأن الفعل الفكري لا ينفصل عن الفعل السياسي والإنساني، مما أثرى النقاش حول مسؤولية المثقف العربي تجاه القضايا العادلة خارج حدوده الجغرافية.
2. المجال الإعلامي: أحدث نقلة في الخطاب الإعلامي المصري والعربي، حيث انتقلت قضية كوسوفا من هامش الأخبار إلى صدارة الاهتمام، وأصبحت مادة يومية في الصحف، مما ساهم في تشكيل رأي عام داعم.
3. المجال اللغوي: قدّم الكوسوفي نموذجاً في الترجمة الثقافية والسياسية، حيث ترجم معاناة شعبه إلى لغة عربية فصيحة ومؤثرة، خاطبت العقل والوجدان معاً، وأثبت أن اللغة يمكن أن تكون سلاحاً سياسياً بمقدار ما هي وعاء ثقافي.
4. المجال الأدبي: رغم أن النص لم يشِر مباشرةً إلى إنتاج أدبي، إلا أن الخطاب الذي صاغه الكوسوفي وحملته الصحف المصرية، كان خطاباً ذا أبعاد أدبية، لأنه استخدم السردية الإنسانية، وصور المعاناة بأسلوب روائي، مما يجعله جزءاً من أدب المقاومة والتحرير.
5. المجال العلمي والأكاديمي: استفاد الكوسوفي من منصبه الأكاديمي كأستاذ جامعي ليكون جسراً بين الدوائر الأكاديمية المصرية والكوسوفية، وأسهم في إعداد دراسات وبحوث قانونية وسياسية حول قضية كوسوفا، مما أضفى شرعية علمية على المطالب الكوسوفية.
6. المجال الديني: نجح في مخاطبة المؤسسات الدينية المصرية (كالأزهر ومجمع البحوث الإسلامية)، ووجد فيها أرضية خصبة للتقاطع بين القيم الإسلامية ومبادئ العدالة الإنسانية، مما أسهم في حشد التأييد الديني الشعبي والرسمي لقضية كوسوفا.
7. المجال الثقافي: بفضل جهوده، أصبحت كوسوفا جزءاً من الذاكرة الثقافية العربية، ودخلت في النقاشات الثقافية حول الهوية، وحقوق الشعوب، والصراع مع الآخر، مما وسع الأفق الثقافي المصري والعربي تجاه أوروبا الشرقية.
8. المجال الدبلوماسي: أحدث الكوسوفي تغييراً في مفهوم الدبلوماسية، وأثبت أن الدبلوماسية غير الرسمية يمكن أن تكون أكثر فاعلية في بعض السياقات، وأسهم في فتح قنوات اتصال غير تقليدية بين مصر وكوسوفا.
9. المجال السياسي: كان الأثر الأبرز، حيث نجح في تحويل موقف النخبة المصرية – ومن ثم الشارع المصري – من الحياد أو اللامبالاة إلى التعاطف النشط والدعم المعلن، وهو ما شكل ضغطاً على صنّاع القرار المصريين لمراعاة هذه المشاعر الشعبية في سياستهم الخارجية تجاه البلقان.
في ختام هذا الفصل، نجد أن جهود البروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي، ممثل كوسوفا في مصر، لم تكن مجرد نشاط دبلوماسي عابر، بل كانت مشروعاً ثقافياً – سياسياً متكاملاً، استطاع من خلاله أن يزرع بذور الوعي بقضية وطنه في قلب العالم العربي، وأن يُحدث تغييراً ملموساً في الخطاب الإعلامي، والمواقف السياسية، والتصورات الثقافية. ولقد جاء تقييم الأستاذ الدكتور محمد الشحات الجندي – بصفته عالماً جليلاً ومفكراً إسلامياً مرموقاً – ليكون شهادة حقٍّ على عظمة هذا الدور، وإضاءةً نقدية تكشف عن أبعاده المتشعبة، وتُبرز كيف أن الأكاديميين والمفكرين يمكنهم أن يصبحوا صنّاع قرار بامتياز، حين يمزجون بين علمهم، وضميرهم، وانتمائهم الإنساني. ويبقى السؤال المفتوح: هل يمكن تكرار هذا النموذج في قضايا أخرى؟ والإجابة تكمن في مدى توفر شخصيات تمتلك ذات الجرأة الأكاديمية، والمرونة الدبلوماسية، والإيمان العميق بعدالة قضاياها. ومهما يكن، فإن تجربة الكوسوفي في مصر ستظل درساً في فن التأثير، وحكمة استخدام الكلمة كسلاح، وقدرة الضمير الإنساني على تجاوز الحدود.
الفصل الثالث عشر: من كوسوفا إلى القاهرة: قصيدة وفاء للأستاذ الدكتور محمد الشحات الجندي
الكلمة جسراً بين العلم والضمير والإنسان
حين تتحول المعرفة من مجرد تراكم علمي إلى رسالة إنسانية، يصبح العالم الحقيقي أكبر من حدود الجامعة، وأوسع من صفحات الكتب، وأعمق من الألقاب والمناصب. ومن هذا المنظور تأتي هذه القصيدة التي يقدّمها الأستاذ الدكتور بكر إسماعيل من كوسوفا إلى الأستاذ الدكتور محمد الشحات الجندي، تعبيرًا عن تقدير علمي وإنساني لعالم جمع بين الشريعة والقانون، وبين الفكر والواقع، وبين العلم والمسؤولية الأخلاقية.
لقد نشأت بين كاتب هذه الدراسة والأستاذ الدكتور محمد الشحات الجندي علاقة علمية وثقافية وإنسانية عميقة، لم تكن قائمة على المجاملة العابرة، وإنما تأسست على الحوار وتبادل الرأي والتعاون حول قضايا الفكر الإسلامي وقضايا العالم الإسلامي، وفي مقدمتها قضية كوسوفا. وقد كان الجندي، وفق ما توثقه هذه الدراسة، مستمعًا واعيًا ومحاورًا دقيقًا، يوظف خبرته في الشريعة والقانون الدولي في قراءة الأبعاد الإنسانية والقانونية والسياسية للقضية الكوسوفية.
ولذلك فإن هذه القصيدة لا تُقدَّم بوصفها مدحًا شخصيًا مجردًا، وإنما بوصفها شهادة وجدانية من كوسوفا لعالمٍ آمن بأن العلم مسؤولية، وأن الكلمة يمكن أن تكون جسرًا بين الشعوب، وأن نصرة المظلوم تبدأ أحيانًا من موقف علمي صادق أو كلمة مسؤولة أو باب مفتوح أمام صاحب قضية عادلة.
وقد بدا هذا المعنى واضحًا في التجربة التي جمعت كاتب الدراسة بالدكتور الجندي، إذ تحولت العلاقة من لقاء علمي إلى علاقة عمل وتواصل، وكان مكتبه مفتوحًا أمامه، ولم يكن يضن بوقته أو جهده في سبيل خدمة قضية الشعب الكوسوفي.
ومن هنا جاءت القصيدة لبروفيسور الدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي بعنوان:
“إلى عالمٍ جعل من العلم ضميرًا”
قصيدة وفاء من كوسوفا
يا جنديُّ العلمِ يا نبعَ الهدى
يا من حملتَ لواءَ الحقِّ في الزمنِ
من مصرَ جاءَ إلى كوسوفا صدىً
فلامسَ الجرحَ في أعماقِنا الحَزِنِ
ما كنتَ تحفظُ علمًا في دفاترهِ
بل كنتَ تجعلُهُ للناسِ في المحنِ
شريعةُ اللهِ في فكرٍ تأصلَتْ
وقانونُ عدلٍ على ميزانِ مؤتمنِ
جمعتَ بينَ أصيلِ الدينِ في ثقةٍ
وبينَ فقهِ زمانٍ واسعِ الفطنِ
وحينَ نادى جريحُ الأرضِ في ألمٍ
لم تُغلقِ البابَ دونَ الصوتِ والوطنِ
كانت كوسوفا جرحًا في ضمائرنا
وكان صوتُك في المأساةِ كالسُّفُنِ
تأتي بشمسِ العدالةِ حينَ يحجبُها
ليلُ العدوانِ عن عينيكَ في الزمنِ
قلتَ الحقيقةَ لا تخشى عواقبَها
فالحقُّ أقوى من التهديدِ والمِحَنِ
وكنتَ للعلمِ في ساحاتِنا عَلَمًا
وللضميرِ وللإنصافِ في الفتنِ
يا عالمًا لم يرَ الأوطانَ منفصلةً
فالأرضُ تجمعُ أهلَ الحقِّ في السننِ
من كوسوفا أبعثُ الأشعارَ قافيةً
تحملُ الوفاءَ إلى القاهرةِ العَلَنِ
هذا سلامُ شعبٍ ذاقَ محنتَهُ
لكلِّ من وقفوا للعدلِ في المِحَنِ
يا ابنَ الأزهرِ يا رمزَ التقى أدبًا
ويا أمينَ علومِ الشرعِ والسننِ
بقيتَ في الذاكرةِ الكبرى لنا أثرًا
كأنَّ حرفَك محفورٌ من الزمنِ
إن كانَ فضلُ الرجالِ اليومَ نذكرُهُ
فأنتَ في سجلِّ أهلِ العلمِ من حَسُنِ
تبقى مواقفُ أهلِ العلمِ شاهدةً
أنَّ الكرامَ همُ الباقونَ في الزمنِ
فالعلمُ إن لم يكنْ للناسِ رحمتَهُ
يصيرُ حبرًا على الأوراقِ والكُتُبِ
وأنتَ جعلتَ من علمِ الشريعةِ
جسرًا إلى الحقِّ، لا سورًا من الحَجَبِ
من كوسوفا لكَ الإهداءُ يحملُهُ
قلبٌ عرفَ الوفاءَ غيرَ مقتصدِ
سلامُ شعبٍ على عالمٍ لهُ
في صفحةِ المجدِ تاريخٌ من الأبدِ
وسيظلُّ اسمُك فينا ما بقيتْ
في الأرضِ ذاكرةٌ للعدلِ والمجدِ
التحليل الأدبي والنقدي للقصيدة
أولًا: البعد الدلالي والعنوان
يحمل عنوان “إلى عالمٍ جعل من العلم ضميرًا” دلالة مركزية في بناء القصيدة؛ فهو لا يكتفي بتقديم الممدوح بوصفه عالمًا، وإنما يضيف إلى العلم مفهوم الضمير، وبذلك ينتقل النص من المدح العلمي إلى التقدير الأخلاقي والإنساني.
فالقصيدة تريد أن تقول إن قيمة العالم لا تُقاس بكثرة مؤلفاته ومناصبه وحدها، وإنما بما يحوله من علمه إلى موقف، ومن معرفته إلى مسؤولية، ومن تخصصه إلى خدمة الإنسان.
وهذا المعنى يتوافق مع الصورة التي تقدمها الدراسة للجندي باعتباره عالمًا جمع بين الفقه الإسلامي والقانون الدولي، وشارك في الحياة الأكاديمية والدينية والثقافية والسياسية، كما اضطلع بأدوار ذات صلة بالشأن الدولي وقضية كوسوفا.
ثانيًا: بنية القصيدة بين العلم والإنسان
قامت القصيدة على ثلاث دوائر متداخلة:
الدائرة الأولى: دائرة العالم والعلم، وتظهر في ألفاظ مثل: العلم، الشريعة، القانون، الفقه، الأزهر، المعرفة، الحق.
الدائرة الثانية: دائرة الإنسان والضمير، وتتمثل في: الرحمة، المظلوم، الضمير، الإنصاف، الوفاء، الشعب، المحنة.
الدائرة الثالثة: دائرة كوسوفا، وهي المجال الذي تتقاطع فيه الدائرتان السابقتان، إذ يصبح العلم وسيلة لخدمة قضية إنسانية، ويصبح الموقف من كوسوفا معيارًا أخلاقيًا لا مجرد موقف سياسي.
وهذه البنية تتلاءم مع ما توثقه الدراسة من أن اللقاء بين الكاتب والجندي تناول العدوان الصربي وتبعاته الإنسانية والقانونية، وأن الحوار اتصل بمستقبل المنطقة وقضاياها الدولية.
ثالثًا: الصورة الشعرية
اعتمدت القصيدة على مجموعة من الصور الشعرية ذات الطابع الرمزي، ومن أبرزها:
“من مصرَ جاءَ إلى كوسوفا صدىً
فلامسَ الجرحَ في أعماقِنا الحَزِنِ”
فـ”الصدى” هنا ليس مجرد صوت، وإنما رمز للتواصل الحضاري بين مصر وكوسوفا، بينما يتحول «الجرح» إلى صورة جامعة للمأساة الإنسانية.
وفي قوله:
“بل كنتَ تجعلُهُ للناسِ في المحنِ”
تتحول المعرفة إلى فعل اجتماعي؛ فالعلم ليس غاية مغلقة على ذاته، بل وسيلة لمواجهة الأزمات.
أما قوله:
“وكنتَ للعلمِ في ساحاتِنا عَلَمًا
وللضميرِ وللإنصافِ في الفتنِ”
فيقوم على التوازي الدلالي بين العلم والضمير، وبين المعرفة والإنصاف، وهو من أهم المفاتيح الفنية في القصيدة.
رابعًا: ثنائية مصر وكوسوفا
من أبرز العناصر الجمالية في النص قيامه على ثنائية مكانية وحضارية:
مصر ← كوسوفا
فمصر تظهر بوصفها موطن العلم والأزهر والعلماء، بينما تظهر كوسوفا بوصفها موطن الجرح والمحنة والبحث عن العدالة.
لكن القصيدة لا تجعل المسافة بين المكانين حاجزًا، بل تحولها إلى جسر:
“من كوسوفا أبعثُ الأشعارَ قافيةً
تحملُ الوفاءَ إلى القاهرةِ العَلَنِ”
وبذلك تصبح القصيدة نفسها سفارة أدبية؛ تحمل من كوسوفا رسالة اعتراف ووفاء إلى عالم مصري ارتبط اسمه، في سياق الدراسة، بقضية كوسوفا وبالحوار مع ممثلها في مصر.
خامسًا: المعجم الشعري
يتوزع المعجم في القصيدة بين أربعة حقول أساسية:
1. الحقل الديني: الشريعة، الدين، التقوى، السنن، الأزهر.
2. الحقل العلمي: العلم، القانون، الفقه، المعرفة، العالم.
3. الحقل الإنساني: الرحمة، الضمير، الإنصاف، الوفاء.
4. الحقل الكوسوفي: كوسوفا، الجرح، العدوان، الشعب، المحنة.
وقد أدى هذا التداخل إلى إنتاج قصيدة لا تقوم على الغنائية الشخصية وحدها، وإنما على الغنائية الحضارية التي تجعل من الشخص الممدوح رمزًا لعلاقة العلم بالمسؤولية.
سادسًا: الإيقاع والموسيقى الداخلية
اختار النص لغة شعرية فصيحة ذات إيقاع تقليدي قريب من النفس العمودي، مع تكرار القافية والنهايات المتقاربة، بما يمنح القصيدة طابعًا احتفائيًا وتأبينيًا في آن واحد.
وتؤدي كثرة الأفعال الماضية والمضارعة وظيفة دلالية مهمة؛ فالماضي يوثق المواقف، بينما المضارع يمنح أثرها امتدادًا مستمرًا، كما في:
“تبقى مواقفُ أهلِ العلمِ شاهدةً”
فالفعل “تبقى” ينقل أثر الجندي من لحظة تاريخية محددة إلى ذاكرة مفتوحة على المستقبل.
سابعًا: قيمة الوفاء في القصيدة
لا يمثل الوفاء في القصيدة مجرد عاطفة شخصية، وإنما هو وفاء ثقافي وحضاري؛ لأن الشاعر يتحدث من موقع كوسوفي يرى في موقف الجندي تجاه قضية بلاده قيمة تستحق أن تُحفظ في الذاكرة.
وهذا ينسجم مع ما سجلته الدراسة من أن الجندي لم يتعامل مع قضية كوسوفا بوصفها شأنًا بعيدًا، بل شارك في حوار علمي وقانوني وإنساني حولها، وأبدى استعدادًا للتعاون وخدمة القضية.
ثامنًا: من المدح الشخصي إلى الشهادة التاريخية
من الناحية النقدية، تتجاوز القصيدة وظيفة المديح التقليدي؛ فهي تريد أن تكون شهادة شعرية على مرحلة من تاريخ العلاقات الفكرية بين مصر وكوسوفا.
ولهذا يتكرر فيها مفهوم “الحق” و”الضمير” و”العدل”، وهي مفاهيم تجعل شخصية الجندي جزءًا من سياق أوسع يتعلق بمسؤولية العالم والمثقف تجاه القضايا الإنسانية.
وقد أكدت الدراسة أن أثر الجندي في قضية كوسوفا لم ينحصر في الجانب الديني، بل ارتبط بالأبعاد الفكرية والإعلامية والعلمية والقانونية والدبلوماسية والسياسية.
تاسعًا: القيمة الرمزية للقصيدة داخل البحث
إدراج هذه القصيدة في الفصل الثالث عشر لا يمثل خروجًا عن المنهج الأكاديمي، بل يمكن أن يؤدي وظيفة مكملة للتحليل؛ إذ إن الفصول السابقة تقدم الشخصية من خلال السيرة والمؤلفات والمواقف والأثر، بينما تأتي القصيدة بوصفها وثيقة وجدانية أدبية تعكس أثر تلك الشخصية في وجدان صاحب الدراسة.
وبذلك يصبح البناء العام للبحث قائمًا على ثلاثة مستويات:
التوثيق العلمي → التحليل النقدي → الشهادة الأدبية.
وهو انتقال يمنح المقال بعدًا إنسانيًا، دون أن يلغي طابعه العلمي.
عاشرًا: الخلاصة النقدية
يمكن القول إن القصيدة تنتمي إلى أدب الوفاء والشهادة الإنسانية، وتستمد قوتها من الجمع بين السيرة الشخصية والقضية الوطنية والرمز العلمي. فهي لا تحتفي بالأستاذ الدكتور محمد الشحات الجندي باعتباره فقيهًا وقانونيًا وأستاذًا جامعيًا فحسب، بل باعتباره نموذجًا للعالم الذي تجاوز حدود التخصص إلى فضاء المسؤولية الإنسانية.
وتبلغ القصيدة ذروتها الدلالية في البيت:
“فالعلمُ إن لم يكنْ للناسِ رحمتَهُ
يصيرُ حبرًا على الأوراقِ والكُتُبِ”
إذ يتحول هذا البيت إلى الحكمة المركزية للنص كله؛ فالعلم الحقيقي، في الرؤية الشعرية، هو العلم الذي يتحول إلى رحمة، والفقه الذي يتحول إلى عدل، والمعرفة التي تتحول إلى موقف، والكلمة التي تتحول إلى جسر بين الشعوب.
ومن هنا يمكن النظر إلى هذه القصيدة باعتبارها رسالة وفاء من كوسوفا إلى مصر، ومن تلميذ القضية إلى عالمها، ومن ذاكرة شعب إلى رجلٍ آمن بأن للعلم رسالة تتجاوز حدود المكان.
وهكذا تلتقي في شخصية الأستاذ الدكتور محمد الشحات الجندي ثلاث قيم كبرى: العلم، والضمير، والإنسان. وقد كان حضور هذه القيم هو الأساس الذي جعل العلاقة بينه وبين كاتب الدراسة تتجاوز حدود اللقاء الأكاديمي إلى فضاء من التواصل الفكري والإنساني حول قضية كوسوفا.
إن هذه القصيدة، وإن كانت وليدة تجربة شخصية، فإنها تحمل دلالة أوسع؛ لأنها تعبّر عن تقدير كوسوفي لعالم مصري أسهم بعلمه وموقفه في فتح نافذة عربية وإسلامية على مأساة شعب كان يبحث عن العدالة والحرية والكرامة.
ومن ثم فإن إهداء القصيدة من كوسوفا إلى الأستاذ الدكتور محمد الشحات الجندي ليس مجرد إهداء شعري، وإنما هو توثيق أدبي لعلاقة إنسانية وعلمية، وشهادة وفاء على أن الكلمة الصادقة قد تعبر الحدود، وأن العلم حين يقترن بالضمير يصبح قوة حضارية قادرة على بناء الجسور بين الأمم والشعوب.
الخاتمة
تكشف هذه الدراسة أن الأستاذ الدكتور محمد الشحات الجندي لم يكن مجرد أستاذ جامعي أو فقيه وقانوني وباحث أكاديمي، وإنما كان صاحب مشروع فكري متعدد المجالات، جمع بين الشريعة والقانون، وبين الأصالة والمعاصرة، وبين المعرفة النظرية والمسؤولية تجاه قضايا الإنسان والمجتمع. وقد أظهرت مسيرته العلمية والإدارية والإعلامية والدينية والثقافية والدبلوماسية والسياسية قدرة واضحة على الانتقال من المعرفة المتخصصة إلى التأثير العام.
وقد جاءت قضية كوسوفا لتكشف بصورة أكثر وضوحًا هذا البعد الإنساني في شخصيته؛ إذ لم يتعامل معها بوصفها قضية جغرافية بعيدة أو ملفًا سياسيًا عابرًا، وإنما نظر إليها في إطار أوسع يتصل بالعدالة والحقوق الإنسانية والقانون الدولي وحق الشعوب في تقرير مصيرها. ومن هنا اكتسب موقفه قيمة فكرية وأخلاقية تتجاوز حدود اللحظة التاريخية التي ظهرت فيها القضية.
كما أظهرت الدراسة أن العلاقة التي جمعت الدكتور محمد الشحات الجندي بالدكتور بكر إسماعيل الكوسوفي تمثل نموذجًا مهمًا لما يمكن تسميته “الدبلوماسية الأكاديمية” أو “دبلوماسية الضمير”؛ حيث استطاعت الشخصية الأكاديمية أن تؤدي وظيفة تتجاوز التدريس والبحث، لتصبح جسرًا بين القضية الوطنية والنخب العلمية والإعلامية والدينية والسياسية. وقد خلصت الدراسة إلى أن هذا النموذج أسهم في إدخال قضية كوسوفا إلى فضاءات متعددة من النقاش المصري والعربي.
ومن الناحية النقدية، فإن تجربة الدكتور الجندي في التعامل مع القضية الكوسوفية تؤكد أن العالم والمفكر يستطيع أن يكون فاعلًا في الحياة العامة عندما يوظف تخصصه العلمي في خدمة قضايا الإنسان. فالشريعة، والقانون، والإعلام، والفكر، والدبلوماسية ليست مجالات منفصلة بالضرورة، وإنما يمكن أن تتكامل حين يكون الهدف هو الدفاع عن الحق، ونشر الوعي، وإسناد القضايا العادلة.
أما الفصل الخاص بالدكتور بكر إسماعيل، فقد أبرز أن الدفاع عن كوسوفا لم يكن مجرد نشاط دبلوماسي تقليدي، بل كان مشروعًا ثقافيًا وفكريًا وإعلاميًا واسعًا، استفاد من العلاقات الأكاديمية والإعلامية والدينية، وحاول نقل مأساة الشعب الكوسوفي إلى الوعي العربي والإسلامي. وتكشف شهادة الدكتور الجندي، كما يعرضها البحث، عن أهمية هذا الدور في بناء الجسور بين كوسوفا ومصر والعالم العربي.
وتأتي قصيدة الوفاء في الفصل الثالث عشر لتشكل خاتمة رمزية وإنسانية لمسار البحث؛ فهي لا تمثل خروجًا عن الطابع الأكاديمي، وإنما تكمل التوثيق والتحليل بشهادة وجدانية أدبية. فالقصيدة، وفق البناء الذي اعتمدته الدراسة، تجعل من العلم رمزًا للضمير، ومن الكلمة جسرًا بين كوسوفا والقاهرة، وتحوّل العلاقة العلمية إلى ذاكرة إنسانية تتجاوز حدود الزمان والمكان.
وبذلك يمكن القول إن القيمة الأساسية لهذه الدراسة تكمن في أنها تقدم ثلاثة مستويات متكاملة: التوثيق العلمي، والتحليل النقدي، والشهادة الأدبية والإنسانية. وهو بناء يمنح البحث خصوصيته، لأنه لا يكتفي بتسجيل سيرة عالم ومفكر، وإنما يحاول الكشف عن أثره في قضية وطنية وإنسانية، وعن قدرة العلم والكلمة والموقف الأخلاقي على تجاوز الحدود الجغرافية والسياسية.
وتخلص الدراسة في نهاية المطاف إلى أن تجربة محمد الشحات الجندي مع قضية كوسوفا تؤكد حقيقة جوهرية، هي أن العالم الحقيقي لا يعيش داخل حدود تخصصه، وإنما يحمل علمه إلى حيث توجد الحاجة إلى الحق والعدل والسلام. كما تؤكد تجربة بكر إسماعيل أن المثقف يستطيع، حين يمتلك المعرفة والإرادة والعلاقات الإنسانية، أن يحول قضيته الوطنية إلى قضية حاضرة في الوعي الثقافي والإعلامي والسياسي.
ومن ثم تبقى تجربة “من كوسوفا إلى القاهرة” أكثر من مجرد علاقة بين شخصيتين؛ إنها صورة رمزية لجسر إنساني وفكري امتد بين وطن جريح وعالم عربي احتضن قضيته، وبين عالمٍ جعل من علمه مسؤولية، وكاتبٍ جعل من قلمه صوتًا لوطنه. ولذلك فإن القيمة الأعمق لهذه الدراسة تتمثل في إبراز الكلمة حين تتحول إلى موقف، والعلم حين يتحول إلى ضمير، والضمير حين يتحول إلى رسالة إنسانية تتجاوز الحدود.
ملاحظة أكاديمية مهمة: أرى أن العنوان الجديد أفضل للنشر في مجلة محكَّمة، لأن الفصول الثلاثة الأخيرة جعلت كوسوفا محورًا تحليليًا واضحًا وليس مجرد مناسبة عابرة في سيرة الدكتور الجندي. كما أن وجود القصيدة في الفصل الثالث عشر يمنح المقال خاتمة أدبية، شريطة تقديمها بوصفها شهادة وجدانية ووثيقة أدبية مكملة للتحليل العلمي، وهو ما ينسجم بالفعل مع البناء الموجود في الملف.