
كتب:هاني الكنيسي
تحت عنوان “تصدّع في السياسة الأمنية الإسرائيلية: هل يستطيع الفلسطينيون استثماره؟”، يطرح الأنثروبولوجي الإسرائيلي المناهض للاستعمار ‘جيف هالبر’ Jeff Halper (رئيس اللجنة الإسرائيلية لمناهضة هدم بيوت الفلسطينيين ICAHD، وأحد مؤسسي حملة “الدولة الديمقراطية الواحدة”) رؤيته التحليلية في مقال طويل – أشبه بورقة بحثية- استهله باقتباس من تصريح لرئيس الوزراء الإسرائيلي النتنياهو بتاريخ 22 يونيو 2025، يقول فيه إنه والرئيس الأمريكي ترمب “يرددان مرارًا أن السلام يأتي عبر القوة، وأن القوة تسبق السلام دائمًا” – وهي العبارة التي يتخذها الكاتب مفتاحًا لتفكيك المنطق الذي حكم السياسة الأمنية الإسرائيلية طوال عقود، وتنجلي اليوم ثغراته وتصدعاته.
ينطلق التحليل من رصد إحدى أقدم ظواهر التاريخ البشري وأكثرها إيلامًا بالنسبة لفلسطين: “الاستعمار الاستيطاني” settler colonialism.
فقبل نحو 3500 عام، كان الغزو الإسرائيلي الأول لأرض “كنعان” يجري بأمر إلهي، كما ورد في “سفر العدد” من التوراة، حين يخاطب الرب نبيه موسي قائلا: “عندما تعبر الأردن إلى أرض كنعان، يجب أن تطرد جميع سكان الأرض من أمامك .. وتسكن فيها، لأنني أعطيتك الأرض لتملكها”.
وبعد آلاف السنين، عاد المشروع “الصهيوني” في مطلع القرن العشرين ليكرر “السردية” ذاتها، تحت شعار “العودة إلى الوطن”.
ورغم التشابه بين “الغزوتين” القديمة والحديثة في الهدف – تحويل فلسطين العربية الكنعانية إلى “أرض إسرائيل” – إلا أن الحكم اليهودي القديم لم يدم سوى 450 عامًا تقريبًا من أصل خمسة آلاف عام هي عمر الحضارة الكنعانية، وهو ما يذكّر بأن الاستيطان، مهما بلغت قوته، لا يخلو من “مقاومة محلية” تحول دون محو السكان الأصليين كليًا.
المفارقة، بحسب ‘هالبر’، أن الصهيونية نجحت في تحقيق هدفها القومي بإقامة دولة يهودية في فلسطين بعد تفريغها من عروبتها، لكنها فشلت في “تطبيع” هذا الإنجاز، أي تحويله إلى واقع مقبول إقليميًا ودوليًا يُغلق ملف الصراع نهائيًا، كما تمنى رئيس الحركة الصهيونية ‘حاييم وايزمان’ حين قال أمام “مؤتمر فرساي” عام 1919 إن فلسطين يجب أن تصبح “يهودية كما إنجلترا إنجليزية وأمريكا أمريكية”.
ويرصد المقال ثلاث فرص تاريخية أضاعتها إسرائيل لتحقيق هذا “التطبيع”: أولها الاتصالات السرية مع مصر حين وافق جمال عبد الناصر عام 1954 على لقاء رفيع المستوى ألغاه رئيس الوزراء الإسرائيلي موشيه شاريت Sharett، ثم مسار مدريد وأوسلو في تسعينيات القرن الماضي الذي واكبه “مضاعفة” الاستيطان الإسرائيلي؛ وأخيرًا “مبادرة السلام” العربية عام 2002 التي تجاهلتها حكومة السفاح ‘أرييل شارون’ كليًا.
وهنا يوضح الكاتب الإسرائيلي أنه منذ عام 1967 (النكسة المصرية السورية الأردنية واحتلال سيناء والجولان والقدس والضفة وغزة) بات واضحًا أن المشروع الصهيوني “لا يقبل بأقل من فلسطين التاريخية كاملة”.
ولفهم كيفية إدارة إسرائيل لهذا التناقض، يستعير الكاتب مفهوم “الجدار الحديدي” الذي صاغه ‘زئيف جابوتنسكي’ Jabotinsky في مقالته الشهيرة عام 1923: أن “الهيمنة السياسية والعسكرية والاقتصادية والتكنولوجية الساحقة هي وحدها الكفيلة بإنهاك الفلسطينيين حتى يستسلموا، وبإرغام العالم العربي على التطبيع ولو بشكل غير رسمي”.
هذه الاستراتيجية “التطبيع بالقوة” تقوم بحسب المقال على ركيزة موازية هي “خدمة الأقطاب المهيمنة” serving the hegemons؛ فكل حركة استيطانية تحتاج راعيًا دوليًا يحميها من مقاومة السكان الأصليين.
ولذلك، بدأت الحركة الصهيونية بمحاولة كسب رضا الدولة العثمانية عام 1898 مقابل تخفيف ديونها الخارجية، ثم انتقلت إلى بريطانيا التي منحتها “وعد بلفور” وصك انتداب عام 1922 يُلزمها رسميًا بإقامة “الوطن القومي اليهودي”، قبل أن تُسحق الثورة الفلسطينية الكبرى بين عامي 1936 و1939 بجهد بريطاني-صهيوني مشترك أضعف قدرة الفلسطينيين على مقاومة النكبة عام 1948.
بعد إعلان الدولة على أنقاض فلسطين، صاغ ‘ديفيد بن غوريون’ خمسة مصادر لقوة إسرائيل التفاوضية مع أي حليف كبير: التفوق العسكري التقليدي، الردع النووي، التفوق التكنولوجي والاقتصادي، المرونة القومية القائمة على الهجرة والدعاية السياسية (hasbara)، وأخيرًا علاقة خاصة مع “قوة عظمى” تقدّم لها إسرائيل بالمقابل خبرتها في التسلح ومكافحة التمرد والمراقبة.
وهكذا كانت فرنسا الراعي الأول بعد بريطانيا، إذ زوّدت إسرائيل بالسلاح المتطور ومنحتها أساس برنامجها النووي عام 1952، ودعمتها في العدوان الثلاثي على مصر عام 1956. ومع انكسار هذا التحالف بعد حرب 1967، ورثت الولايات المتحدة موقع “الراعي الأكبر” بدءًا من عهد الرئيس كينيدي، لتندمج الصناعة العسكرية الإسرائيلية تدريجيًا بمنظومة التسليح الأمريكية.
أما على الصعيد الإقليمي، فيسرد المقال شبكة علاقات إسرائيل الأمنية مع تركيا وإيران اللتين صوّتتا ضد قرار التقسيم عام 1947 قبل أن تعترف كلتاهما بإسرائيل خلال عامين، “سعيًا للاصطفاف مع الغرب في سياق الحرب الباردة”.
ولعل هذه الفقرة هي الأكثر إثارة في المقال الذي يوثق “تعاونًا استخباراتيًا” رفيعاً بين الثلاثي؛ شمل تدريب الموساد لجهاز “السافاك” الإيراني بعد عام 1957، وتوقيع اتفاقية “ترايدنت” الثلاثية عام 1958 مع تركيا وإيران، ومساعدة إيران في قمع تمرد قبلي جنوبي عام 1963. وحتى بعد سقوط الشاه عام 1979، استمرت إسرائيل بتزويد طهران بمعدات عسكرية بقيمة تفوق 30 مليون دولار خلال الحرب العراقية الإيرانية خرقًا للحظر الأمريكي، وهو ما تحوّل لاحقًا إلى فضيحة إيران-كونترا Iran-Contra عام 1986. ومع التسعينيات، توثقت العلاقة مع أنقرة عبر تزويدها بتقنيات عسكرية كانت واشنطن تمتنع عن بيعها بسبب الحرب ضد الأكراد، وصولًا إلى الحلف العسكري الرسمي عام 1996.
ومع العالم العربي، يكشف المقال أن العلاقة لم تكن يومًا بالقطبية الصارمة التي أوحت بها “اللاءات الثلاث” في مؤتمر الخرطوم بعد 1967، إذ جمعت إسرائيل ومعظم الأنظمة العربية مخاوف مشتركة من النفوذ السوفيتي والقومية العربية الراديكالية والإسلام السياسي. وهكذا وقّعت إسرائيل السلام مع مصر عام 1979 والأردن عام 1994 ثم “اتفاقيات أبراهام”، بينما ظل التطبيع مع السعودية “الجوهرة الأخيرة في التاج” ينتظر دوره.
ويسرد الكاتب أمثلة على تدخلات إسرائيل الأمنية لحماية أنظمة عربية “معتدلة”: تدريب الأجهزة الأمنية المغربية في الخمسينيات والستينيات، دعم الملكيين في حرب اليمن الأهلية (1962-1970)، مساندة السلطان قابوس في عُمان ضد تمرد ظفار، إنقاذ الأردن خلال أزمة “أيلول الأسود” في مواجهة فتح الفلسطينية؛ وتأسيس “جيش لبنان الجنوبي” ودعم الميليشيات المارونية بأكثر من 150 مليون دولار قبيل حرب لبنان 1982، وصولًا إلى المساعدة في الإطاحة بمحمد مرسي في مصر عام 2013 (حسب سردية الكاتب نقلاً عن وثائق إسرائيلية).
ويخصص المقال حيزًا لافتًا لما يسميه “مختبر فلسطين” the Palestine laboratory، موضحاً أن الحرب التي تشنها إسرائيل على الفلسطينيين منذ عقود حوّلت الأراضي المحتلة إلى ساحة “اختبار حي” لتقنيات السيطرة والمراقبة – من برنامج التجسس “بيغاسوس” Pegasus إلى أنظمة التعرف على الوجه والمراقبة البيومترية والذكاء الاصطناعي لرصد الناشطين – وهي تقنيات باتت تُصدَّر لاحقًا لدول عربية عديدة لحماية أنظمتها، فيما يسميه ناشطون عرب “دبلوماسية بيغاسوس”.
لكن هذا كله، كما يوضح المقال، ليس غاية بحد ذاته بل “وسيلة” لتحقيق هدفين صهيونيين جوهريين: الأول قبول ضم الضفة الغربية عمليًا عبر حل “دولة” فلسطينية مبتورة ومهلهلة على 10-15% فقط من فلسطين التاريخية، والثاني إغلاق ملف الصراع الفلسطيني كليًا، تمامًا كما عبّر النتنياهو عن استراتيجيته “من الخارج إلى الداخل” التي تعتمد على أن الدول العربية لن تضحي بمصالحها من أجل القضية الفلسطينية، فبات السلام الإقليمي – برأيه – طريقًا لفرض السلام مع الفلسطينيين، لا العكس.
غير أن المقال يخلص إلى أن هذه المعادلة بدأت “تتصدع” بعد السابع من أكتوبر، فبدل أن تُتوَّج “التطبيع بالقوة” بانتصار صهيوني نهائي، تحوّلت “الإبادة” في غزة إلى قضية يستحيل تجاهلها عربيًا وإسلاميًا ودوليًا، بينما دفع التوسع العسكري الإسرائيلي الجامح المنطقة كلها نحو كارثة.
ويستشهد الكاتب في طرحه بالأكاديمي الإسرائيلي ‘غيل مورسيانو’ Murciano الذي يرى أن “الاعتماد المطلق على القوة العسكرية” بات خطرًا واضحًا على كل الجبهات، وأن إسرائيل تقف اليوم على “مفترق طرق” حقيقي بين اختراق دبلوماسي فعلي يُنهي حرب غزة ويقيّد البرنامج النووي الإيراني ويدفع التطبيع قدمًا، أو انزلاق نحو “مستقبل دموي معزول يعيش بحد السيف”.
ويختتم ‘هالبر’ تحليله المطول الثري بالإشارة إلى “تحولات جيوسياسية أعمق” تعيد ترتيب أولويات المنطقة بعيدًا عن الرهان الأحادي على واشنطن وتل أبيب: اتفاقية مكة الدفاعية الثلاثية بين تركيا وباكستان والسعودية، وانضمام مصر والإمارات وإيران إلى تكتل “بريكس” BRICS المناوئ لهيمنة مجموعة السبع على الاقتصاد العالمي، إضافة إلى مبادرة “الحزام والطريق” الصينية التي يمر مسارها البحري والبري عبر باكستان وإيران وتركيا ودول الخليج ومصر متجاوزًا إسرائيل بالكامل، في مقابل ممر الهند – الشرق الأوسط IMEC المدعوم أمريكيًا والذي يجعل من ميناء حيفا محورًا إقليميًا رئيسيًا.
وبين هذه المسارات المتقاطعة، يترك المقال السؤال مفتوحًا: هل تصدّعت فعلًا سياسات إسرائيل الأمنية إلى الحد الذي يفتح نافذة حقيقية أمام الفلسطينيين لاستثمارها، أم أن الأمر يحتاج إلى استراتيجية فلسطينية موحدة الرؤية تستثمر هذه اللحظة بذكاء؟!